الحد الفاصل بينك وبين الموت هنا لوحة حمراء كتب عليها خطر الألغام، "هسبريس" تخوض في عمق حقول الألغام، وتكشف معاناة أناس يفكرون ألف مرة قبل وضع أقدامهم على الرمال. إنه الهدوء … ليس ذاك الذي يسبق العاصفة، بل الذي يخفي بداخله ألغاما قابلة للانفجار في أي لحظة … هنا وعلى بعد خطوات من الحزام الأمني الفاصل بين المغرب والجزائر، يسقط عشرات الضحايا سنويا نتيجة انفجار الألغام المدسوسة تحت الرمال … أثناء حرب الرمال سنة 1963 بين المغرب والجزائر بدأت زراعة الألغام. وإلى اليوم مازال سكان الصحراء يدفعون ثمن النزاع من أرواحهم وأطرافهم . في مواجهة يومية مع مقاتلين لا يحملون أسلحة ولا يخطئون الهدف، وفي صراع مع حرب دائمة دفينة تحت أراضيهم، جعلت من الصحراء الشرقية مجالا تفوح منه رائحة الموت. في ضيافة رجل بساق واحدة تقودنا خريطة الألغام إلى السمارة ، واحدة من المناطق الأكثر خطورة بالصحراء . على جانب الطريق يقف الشيخ سيدي احمد، أحد الضحايا ورئيس سابق لجمعية ضحايا الألغام التي تنشط في الدفاع عن حقوق هؤلاء المنكوبين، معالم الإعاقة كانت بادية على الشيخ أحمد الذي يتأبط عكازين، لم يبخل علينا بترحيب حار، واستقبلنا في بيته المتواضع كباقي البيوت بهذه المدينة، ونحن نصعد الدرج تمكنا من لمح رجل سيدي أحمد المبتورة، كان يخفيها تحت جلباب صوفي، ساعتان من المحاورات العادية بطعم شاي صحراوي جعلتني أطلب من الشيخ أحمد أن نخرج في جولة وسط المدينة، ربما يسترجع " سيناريو " حياته و يروي ظروف فقدانه لساقه اليسرى، طلبت منه أن يرافقنا إلى منطقة الوديان. لم نكن نعلم أن هذه المنطقة (منطقة الوديان ) كانت شاهدة على حكاية الشيخ أحمد .. ما قاله في كلمات منتقاة ونحن نتوجه بسيارة أحد أصدقائه. منطقة الوديان ..كنت أظن في بادئ الأمر أن بها مجرى واد ..كواد أم الربيع أو وادي أبي رقراق ..لكنها كانت لا تحمل سوى أطلال ماء مر من هنا يوما ما …بدأ الشيخ يروي قصته بعجالة كأنه يريد التخلص من حملها " وأنا شاب في بداية العشرينيات بالتحديد سنة 1982 وقع قصف مكثف من طرف جبهة البوليساريو على مدينة السمارة… في اليوم الأول للقصف توفي العديد من الناس من بينهم رجل سلطة وابنه، الشيء الذي دفع بعامل الإقليم وحامي المنطقة العسكرية آنذاك إلى إعطاء تعليمات للسكان بمغادرة المدينة في اتجاه الجهة الشمالية. 20 يوم مكثها الشيخ وكل السكان بعيدا عن منازلهم، وبعيدا عن القصف العشوائي للبوليساريو " ظننت أنني كنت في مأمن عن أي شر قادم من الشرق، وفي أحد الأيام الذي لم أعد أذكر تفاصيله كانت آخر مرة أمشي على قدمين، قبل انفجار لغم أرضي ". مباشرة بعد الانفجار نقل الشيخ أحمد إلى مستشفى العيون، حيث تلقى الإسعافات الأولية، بعدها أقل إلى مستشفى 20 غشت بمدينة الدارالبيضاء لإتمام علاج دام عدة شهور، غادر بعدها المستشفى بإعاقة مستديمة، إذ فقد رجله اليسرى وعينه اليمن، وأصيب بضعف في البصر بالعين اليسرى، وتشوه في الوجه وفي أصابع اليدين وجروح بالغة في الرجل اليمنى، ومنذ ذلك الحين وهو يعاني من إعاقته الواضحة، رغم أنه يحاول دائما إخفاء عينيه بنظارات طبية. في وقت عجز عن إخفاء رجله المبتورة التي أصبح يعوضها بعكازين. الإعاقة لم تمنع الشيخ أحمد من إتمام حياته بشكل طبيعي، فهو الآن متزوج وأب لثلاثة أطفال، من قبل كان يجهل ماهية الألغام، أما الآن فهو يعمل على نشر التوعية في المدينة، الشيء الذي دفع به إلى التحالف مع الضحايا والبحث عن جبر الضرر بتأسيس " الجمعية المغربية لضحايا الألغام بالسمارة "، جمعية تعمل على التوعية وتقديم أرقام دقيقة، والبحث في خرائط مواقع الألغام لمحاربتها، كما المطالبة بتعويض للمتضررين. مقر الجمعية لا يبعد كثيرا عن مكان إقامتنا .. خطوات مشيناها رفقة الشيخ أحمد الذي تطوع بأن يكون دليلنا في هذه المهمة الصحفية. مكتب الجمعية عبارة عن شقة من أربع غرف. الأولى خصصت لإعطاء دروس في محاربة الأمية وسلسلات توعوية من مخاطر الألغام، وكيفية التعامل في حالة الإصابة … القاعة الثانية غرفة تخزين للافتات وبعض الأدوات المستعملة للتوعية. الغرفة الثالثة هي مكتب المدير. مجهز بكمبيوتر وآلة طباعة. ولافتات "حضر الألغام " في المكتب تدل على جهود واضحة قصد التعريف بخطورة الألغام … البهو عبارة عن فضاء لتخليد روح الشهداء يقول محمد " هذا المكان خصصناه للشهداء نكتب أسماءهم ومنطقتهم والعمر الذي غادرونا فيه، أخيرا قمنا بإحصاء ما يقارب 500 ضحية ذكورا وإناث من أعمار مختلفة " و يضيف محمد " أغلب الوفيات هم من البدو رعاة إبل، لا يعلمون بوجود الألغام ولا دراية لهم بمن زرعها …اختيارات زرعها لديهم تتأرجح بين المغرب والبوليساريو." القاعة المقابلة للبهو هي قاعة الاجتماعات، حيث كان بانتظارنا عدد كبير من الضحايا و الأرامل .. في هذا المكان يقام سنويا التخطيط لحملة خارجية تستهدف البدو وسكان القرى المجاورة بمساعدة الجيش. تقول خديجة لكحل، أرملة أحد الضحايا " التحقت بالجمعية فور تأسيسها لأطالب بحقي في تعويض لجبر الضرر الذي أعاني منه جراء وفاة زوجي " تضيف خديجة بكل حرقة، منذ 12 سنة تعرض زوجي لحادث انفجار لغم بضواحي المدينة، بينما كان في نزهة مسائية رفقة اثنين من أصدقائه على مثن سيارة ( لاند روفر ) " . " لجأت إلى الجمعية لأستفسر عن التعويضات تقول خديجة، لكنها قوبلت بتعتيم وصد غير مبرر ..من طرف الجمعية تقول " أريد فقط ضمان حق ابني في العيش والتعليم ..هذا ما أطلبه ". الخرائط المفقودة الساعة السابعة صباحا كان في انتظارنا صديق الشيخ أحمد سائق السيارة، الوجهة منطقة حوزة ( تبعد 100 كيلومتر عن السمارة )، في الطريق مررنا بعدة نقط للتفتيش، كل واحدة كانت تستغرق أكثر من 15 دقيقة قصد التأكد من هويتنا والغرض من الزيارة. يشير السائق أن كل هذه المناطق كانت محظورة سابقا، لأن الألغام كانت موزعة على الأراضي ولا أحد يملك خرائط لها ..مررنا ب "واد النبط" هنا تظهر أول علامة تحذر من الألغام ..وضعتها قوات المينورسو يقول الشيخ أحمد " إن الجيش مكث هنا أزيد من ثلاثة أشهر لتطهير المنطقة. نحن الآن باتجاه الحزام الأمني الفاصل بين المغرب والجزائر، كلما اقتربنا من حوزة الخريبيشات كلما بدت الصورة التي رسمناها لحقول الألغام أكثر وضوحا، فهذه الأرض سبق وكانت ساحة لمعارك عاتية. قال الشيخ أحمد إن أول مكان يجب علينا رؤيته هنا هو مبنى مهدم ملتصق بمدخل مظلم." هنا كان يختبئ عبد العزيز المراكشي رفقة قيادات البوليساريو …كانوا يلجأون إلى تفخيخ محيط تواجدهم بالألغام حتى يستعصي على الجنود المغاربة الوصول إليهم . انطلقنا في جولة بين حقول الألغام والقنابل العنقودية ..وبقايا هياكل السيارات المنفجرة، واستغربنا من عدم وجود أي علامة لحظر التجول أو تحذر من خطر هذا المكان. الألغام العنقودية موزعة بشكل كبير يكفي تحريكها لتنفجر في وجوههم، سكان المنطقة يكتفون بإحاطتها بالأحجار ليتجنبها المارة. لم نستطع البقاء طويلا داخل الحقول لسببين، الأول خطورة المكان خاصة وأنه لا يرافقنا شخص متخصص، والسبب الثاني أن السائق مطالب بالعودة إلى سوق المدينة لإحضار الخبز للمونيرسو قصد نقله بالطائرات إلى تندوف. في بيت الشيخ أحمد كان في انتظارنا أصدقاؤه، هم كذلك ضحايا بعاهات وحكايات مختلفة.. فتح أحمد الوعبان الحديث وهو يعد لنا الشاي الصحراوي "سنة 1987 كنت أتعلم أصول الرعي رفقة أخي الأكبر عندما وجدت مجسما مرميا على الأرض يشبه (اللعبة)، اقتربت منه، حملته بين يدي رغبة مني في فتحه للتعرف على ما بداخله، فإذا ينفجر في وجهي". يردف أحمد وهو يقلب الشاي بيد واحدة "الحالة ها انتم كاتشوفو .." مشيرا إلى أصابعه ويده المقطوعة، يمرر لنا كؤوس الشاي ويضيف " أنا أهلي من البدو لم يخطر ببالهم مسألة التعويضات آنذاك ""بعد أن أصبحت رجلا أعي أن لدي حقوق يجب أن أطالب بها، فوجئت بأن الوكالة القضائية للمملكة تطلب مني إنجاز خبرة طبية بأني فعلا ضحية لغم". مناشدة القصر صدامات كثيرة واجهت الضحايا في بحثهم عن التعويضات، فالخميس حمادي أحد الضحايا المعروفين بالمنطقة، كان قد دخل في مشادات كلامية مع الدرك بسبب رسالة كتبها للأميرة لالة مريم مناشدا إياها التدخل في ملفه، ليجد نفسه بعدها في سلسلة لا متناهية من التحقيقات نتجت عنها عداوة بينه وبين السلطات. وليست هذه المرة الأولى التي يحاول من خلالها الضحايا الوصول إلى أحد من الأسرة الملكية " سنة 2000 كنا ننتقل يوميا إلى الإقامة الملكية في المعمورة بالقنيطرة من أجل مقابلة الملك، كما أننا في إحدى المرات لحقنا بالملك من الرباط حتى سيدي إفني ولم نحظ بمقابلته أو عرض ملفنا عليه " يقول الشيخ أحمد. يردف الشيخ أحمد" إنهم لم ييأسوا، بل واصلوا المشوار عبر طرق أبواب عدة شخصيات، أولها ممثل عن الصليب الأحمر في شمال إفريقيا، إضافة إلى أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أنذاك، وخديجة الرويسي عضو المجلس. وأعطونا وعودا كاذبة " ..يشير أحمد الوعبان إلى صورة الملك بالجريدة ويقول " ننتظر عدله وإنصافه، فنحن مواطنون مغاربة تعرضنا لحوادث لم تكن لنا علاقة بها، ومع ذلك نحن نظل أوفياء للوطن كأي مغربي من الشمال إلى الجنوب ". وفي انتظار الإنصاف، تبقى حقول الألغام متربصة بسكان المنطقة، ما يجعل الحياة بين مساحات الموت هذه أشبه بحرب صامتة.