صدر للكاتب محمد جبران كتاب بعنوان نور الدين الصايل، هندسة الأحلام"، وهو كتاب يبرز من خلاله الدور الكبير الذي لعبه الأستاذ نور الدين الصايل في تطوير السينما المغربية، سواء عبر تدخلاته النقدية ومتابعاته وحرصه على جعل السينما المغربية تتبوأ المكانة التي تستحقها ضمن السينما العربية والعالمية. وبمناسبة صدور كتاب "هندسة الأحلام"، كتب الروائي يوسف فاضل مقدمة جاء فيها: رسالة إلى نور الدين بين يدي كتاب محمد جبران. كلماته بسيطة صادقة واضحة شفافة كالماء، حادة ودقيقة كحد الشفرة. أقرأه كمرايا لصورة متعددة لرجل واحد اسمه نور الدين الصايل. أتصفح خارطة تاريخ رجل أعرفه. أتصفحه الآن وقد تقهقر الذوق العام إلى مستوى مبكي. في زمن غير مناسب تماما. أو ربما هو الزمن المناسب؟ صفحاته تفتح في ذاكرتي شرخا، تحفر وتحفر لتنجلي صور رائقة نسينا أو كدنا ننسى أنها وجدت في مكان ما، في زمان ما. الصفحات تتوالى وأنا أرى كيف عبر الرجل السنوات الصعبة من حياتنا وقرأ علينا كتاب المشاهدات والشهادات التي تبقى. صعدنا صحبته إلى منابع المتعة الدائمة، الأكثر خطورة من البيانات التي كنا ولا نزال نلوح بها في كل وقت وحين، ذهبنا صحبته إلى مكامن القوة فينا وفي غيرنا في الوقت الذي كنا فيه بحاجة ماسة إلى الأبجديات الأولى لفك حروف معرفة ذواتنا أكثر من أي شيء آخر، أكثر من أي وقت آت أو قد مضى. عرفناه في عز تشييد الأندية السينمائية وفي عز عمرانها. لا أعرف ما الذي تعنيه اليوم كلمة كالنادي السينمائي ولكنها عنت الكثير بالنسبة لجيل كامل. صباح الأحد يكون يوما جميلا دائما. ننام ونحن نعرف أن الصباح سيطلع علينا بأسئلة جديدة. جيش من التلاميذ والطلبة والأساتذة يعبرون شوارع المدن الكبيرة والقرى النائية ووجهتهم واحدة: النادي السينمائي. صباحنا مليء بمفاجآت ستأتي بأسرار ستكشف عن نفسها بعد قليل. ربما إنها ليس أسرارا. ربما نمشي صباح الأحد لنكتشف أنفسنا، لنكتشف دما ظل راقدا في عروقنا يحتاج من يخضه ويهزه ويعلمه تأويل الصور. من يحسن هذا غير نور الدين؟ ومن يحسن الإصغاء غيرنا نحن المولعين بالكلمات والصور؟نحن جيل الرغبة في المعرفة. ليس من أجل المال ولا من أجل الشهرة أو المنصب. من أجل الثورة على القبيح. نعم نحن جيل الثورة على البالي والرديء والنمطي والسيء والتافه. ثم فيما بعد، بعد أن انتهت جلبة القاعات، اختفيت لوقت لا أدري كم نكت واقعا أمام قاعة سينمائية تنتظر منخرطين جدد.ا تطل علينا مرة ثانية. من خلال الشاشة الصغيرة هذه المرة. في منتصف الليل ندخل حديقتك الباذخة. الكسالى ومعطوبو الحروب اليومية يكونون قد ناموا. ونام المخبرون على الطاولة أمام كؤوس الخمر الرخيص، وتوارى المجرمون للحظة راحة مؤقتة. آنذاك نبدأ حفلنا. باب ينفتح أمامنا وتنجلي كما في ليلة صيفية أقمار ونجوم وكواكب كنا نجهل وجودها. من سيكون ضيوف نور الدين لهذه الليلة؟ هل هو فيديريكو فيلليني قادما على ظهر سفينته يجر في قاعها جيشا من العمال المهدودين؟ أم هو أورسن ويلز بجثته الضخمة وصوته الجهوري؟ من هو زائر هذه الليلة؟ وننتظر أن يطل علينا نور الدين بابتسامته التي تخفي أكثر مما تعلن: لا، هذه الليلة ستتعرفون علي ديرسو أوزالا. الشيخ المتربع على جبل سنواته العديدة. يعلمنا حكمة الأيام البسيطة. يعلمنا قواعد الحياة الأولى. هل تعرفون من هو؟ وقد حدث هذا أيضا. بعد اختفاء دام سنوات عاد الرجل. لا أعرف ما سبب الدعوة. ربما إن ظلمة القناة الثانية أصبحت غير محتملة. مغارة شديدة الظلمة جدرانها مزوقة بالمسلسلات والسيتكومات والسكيتشات. وربما إننا ضيعنا بوصلة المشاهدة، حتى أصبحنا كذلك الرجل الذي بعد أن عاش لسنوات في كهف لا رفيق له غير فأر، يتساءل في كل مرة يسمع فيها حديثا عن فيل أو جمل واش قد الفار؟ وقلنا عندما سمعنا خبر عودتك أمازال في قلب الرجل ما يمنحنا إياه؟ نعم، بعد شهور قليلة رأينا طابور المخرجين السينمائيين والمسرحيين يعبرون بوابة القناة. ها أنت تفتح جبهة أخرى. مدشنا بذلك مرحلة جديدة مازالت مستمرة رغم المطبات. وماذا كانت المكافأة؟ الخبر الغريب الذي نزل علينا ذات صباح: تنحيتك عن القناة. ودون أن أجزم أعتقد أن الرجل كان قد صدق الرؤيا وكان يستعد ليجعل من القناة الثانية شركة خاصة بالمعنى الذي نعرف. ماذا كان يظن؟ كأنما تجاهل للحظة أين هو وفي أي مستنقع يسبح. بعد كل هذا من يستطيع أن يقول لم يبق في فكري شيء من نور الدين، من يستطيع أن يقول لم أقبض بعقلي ووجداني شيئا من الرجل؟ لا أعتقد أن أمور السينما كانت ستكون كما هي الآن لولا وجوده. بعض الأشخاص كالرؤى، كالأحلام، كالنبوءات، ضرورية في مرحلة ما. تأتي في وقتها، لا قبل ولا بعد؟ عبورهم بيننا يشكل لحظة هامة، ضرورية وفارقة. لا يهم الشخص بقدر ما تهم الفكرة التي يحمل. حتى الفكرة ما أهميتها إن لم توجد في اللحظة المناسبة، في المرحلة التي نحن بأمس الحاجة إليها. لا قبل ولابعد. عزيزي نور الدين، لك المحبة على قدر هامتك الفذة و الفريدة. شكرا على الأيام الجميلة التي جعلتنا نرى العالم بطريقة مخالفة، أكثر فتنة مما هو عليه. وشكرا لمحمد جبران الذي سجل حضورك اللافت على هذه الصفحات. يوسف فاضل