ما يزال الكثير من الصمت والغموض يلف الاعتداءات الجنسية التي يكون ضحاياها نزلاء السجون والإصلاحيات في المغرب، فقليلة هي الحالات التي يقوم فيها ضحايا هذه الاعتداءات بالتبليغ عنها إما بدافع الخوف أو الخجل، أما أسباب هذه الاعتداءات، فأهمها ظروف المؤسسات السجنية والعزلة عن الجنس الآخر وسيادة الفساد وقانون الغاب داخل غالبية السجون حيث تصبح الاعتداءات بمختلف أشكالها و منها الاعتداءات الجنسية جزءا من حياة السجناء اليومية الذين يكون على ضعيفهم البحث عن حماية لدى القوي ...و من الظواهر الاجتماعية التي تفرزها الحياة السجنية هي ظاهرة " الاستغلال الجنسي " والتي تلعب دورا أساسيا في اشتغال هذه المؤسسة من جهة، و في الاعتماد عليها كوسيلة من وسائل التكيف مع الفضاء السجني الضيق وخلق نوع من التوازن النفسي بين حاجيات الفرد المتعددة و متطلبات التنظيم المعقدة ، و التي سبق و أن طرحها الباحثون في علم اجتماع التنظيم، مثال ذلك Chris Argyris و غيره، و لكن رغم أهمية هاته الظاهرة و خطورة انتشارها داخل الفضاء السجني، إلا أننا لا نكاد نجد دراسة سوسيولوجية واحدة تناولتها بكل تفاصيلها و حيثياتها الدقيقة، و سوف نحاول هنا إبراز أهميتها و خاصة علاقتها بالظاهرة الإنحرافية ككل. ومن بين الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الإطار: - كيف تتجلى ظاهرة الاستغلال الجنسي داخل الفضاء السجني؟ - ما هي أسباب ودوافع انتشارها؟
1 - تجليات ظاهرة الجنسية المثلية داخل الفضاء السجني:
تتفشى ظاهرة الجنسية المثلية في معظم السجون و داخل كل الأجنحة و الغرف، و لكن بنسب متفاوتة، كما أن انتشارها بهذه الطريقة يجعل الفاعلين الاجتماعيين ينظرون إليها تارة بكونها حالة طبيعية و اعتيادية، و تارة أخرى ينظر إليها كحالة مرضية و شاذة بحيث يمكننا ملاحظة تواجد ثلاثة أصناف من ممارسي الجنس داخل السجون : أولا: الذين يمارسون الجنس بصفة متبادلة: بحيث يمكن أن نجد داخل الفضاء السجني مجموعة لا بأس بها من الذين يتلذذون و يتمتعون بالتبادل الجنسي بحيث يلعبون دورا مزدوجا بين الذكر و الأنثى. ثانيا: فئة المستأجرين : و تتجسد في بعض محترفي هذا النوع من السلوك الذين يجعلون من أجسادهم بضاعة قابلة للاستئجار بمقابل مادي ، وهذا المقابل يمكن أن يكون نقودا سجنية "بونات" تخول لهم شراء ما يحتاجونه من متاجر السجن أو أطعمة أو أمتعة كالملابس ... ويصبح الجسد هنا عبارة عن بضاعة خاضعة لقوانين العرض و الطلب . ثالثا: خوصصة الجسد :وهو خلافا للصنف السابق وذلك حين يكون الجسد عبارة عن بضاعة معروضة للجميع ... في هذا الصنف نجد ما يسمى الاحتكار الجنسي، وهكذا لا يهب محترف الجنس جسده إلا لشخص معين مقابل الامتيازات و الحماية و الأمان، كما تنشأ بينهما علاقات شبيهة جدا بالعلاقات الزوجية، فطرف عليه أن يوفر الأمان و الاطمئنان و طرف عليه أن يعرض جسده و يصون عرضه ولا يلتفت لغيره، إضافة إلى ذلك يقوم بكل الواجبات المناطة بعهدته كغسل الثياب و تنظيف الفراش... 2 - أسباب ظهور و انتشار ظاهرة الجنسية المثلية داخل الفضاء السجني: ليس من السهل تحديد الأسباب الحقيقية و الدوافع الكامنة وراء ظهور و انتشار هاته الظاهرة بين بعض السجناء داخل السجون الجماعية أو ما يسمى بالنظام الجمعي، غير أنه يمكن أن نعتبر أن الأسباب الرئيسية الكامنة وراء هذا السلوك الجنسي المنحرف و الدوافع الموجهة لممارساته داخل السجن تتلخص في الآتي : أ- الخصاصة و الاحتياج : الناتج عن قلة الزيارات و مساندة العائلات لهم إما لظروفهم المادية أو لانعدام السند العائلي أصلا... ب - الرغبة الجنسية الملحة : تلعب الرغبة الجنسية في ظل غياب الجنس الآخر دورا بارزا في إثارة الحاجيات و الرغبات لدى السجناء ، كما أن الصراع بين حاجيات السجناء و متطلبات التنظيم السجني المعقد يبقى المحرك الأساسي لخلق كل الوسائل التعويضية أو البديلة.
ج - العنف و استعمال القوة : كثيرا ما تكون تجربة الاحتراف الجنسي تمر عبر العنف و استعمال مختلف أنواع الضغط و الترهيب خاصة بالنسبة لصغار السن و لفاقدي التجارب السجنية أو السند الحامي ،هذه الحالة تطرح إشكالية تصنيف مايقع داخل السجون إن كانت علاقات مثلية أم اعتداءات جنسية، فإذا كان السجن فضاء مغلقا لا يوجد فيه الجنس الآخر فإن نسبة العلاقات المثلية ترتفع من الناحية المنطقية لكن السؤا ل الذي يطرح نفسه هو كيف تتم هذه العلاقات هل بالرضى أو بالفرض و القوة وتتخذ طابع الاعتداء؟ . وكيف يمكن في ظل ظروف التكدس والاكتظاظ التي تعرفها السجون في المغرب أن نتحدث عن علاقات إرادية كما يقع في المجتمع ؟ و يبلغ عدد السجناء في المغرب 60 ألفا يتجمعون في 59 سجنا تبلغ مساحتها الإجمالية 80 ألف متر مربع . ومن بين الأرقام الخطيرة التي سجلتها إحصائيات المرصد المغربي للسجون في آخر تقرير له حول وضعية السجون بالبلاد، بخصوص ظاهرة الاكتظاظ نجد حالة سجن انزكان الذي تتحدد طاقته الاستيعابية في 321 نزيل في حين يأوي ما يزيد عن 1401، وسجن بني ملال المخصص ل 186 سجين في حين أنه يأوي 498، وسجن الحسيمة المخصص ل 84 بينما يأوي 604 نزيلا إضافة إلى أرقام أخرى لا تقل عنها خطورة تملأ مجموع المؤسسات السجنية بالمملكة، وهو الشيء الذي يجعل من عملية إعادة الإدماج والاندماج شيئا صعبا إن لم نقل مستحيلا في ظل الظروف المذكورة وقد تصدر سجن آسفي نسبة الإعتداءات الجنسية بمعدل 71 حالة اعتداء سنة 2004 .و مع ذلك فإن تصنيف إدارة السجون بوزارة العدل يستشف منه أنه مازال الوقت بعيدا لإفراد تصنيف لحالات الاعتداء الجنسي أو ممارسة الجنس داخل السجون ، فهي تدرج ضمن »الأفعال التي من شأنها الإخلال بالحياء«. ففي ظروف لا يتم فيها توفير أكثر من متر ونصف مربع للسجين الواحد لا يمكن الحديث فيها عن مثلية جنسية بما تعنيه من إرادة كل شخص في القيام بهذا الفعل بغض النظر عن الحكم الأخلاقي، هنا يتبادر إلى الذهن دور الإدارة داخل المؤسسة السجنية، والجواب لا يحتاج طبعا إلى تفكير كبير، فمن جهة فإن الأرقام تبقى صارخة في هذا المستوى حيث لا يتعدى موظفو القطاع 6000 موظف منهم ألفان كأطر إداريين وفي مجال الصحة أي أن ما يتبقى للحراسة لا يتعدى 4000 فرد بمعدل حارس لكل ستين سجينا من جهة ، ومن جهة أخرى نسجل لامبالاة بعض المسؤولين أو تواطؤهم في اغلب الحالات كما وقع في حالة الطفل الذي تم وضعه في جناح البالغين منذ أربع سنوات بسجن خنيفرة فتعرض للاغتصاب ، هذا بالإضافة إلى حادث الاعتداء الذي تعرض له سجين آخر بسجن وادلاو سنة 2003 ، ينضاف إليه انتشار الرشوة بشكل فظيع بين الإداريين و الموظفين و الحراس و المسؤولين و ذلك لتسهيل دخول الممنوعات بشتى أنواعها و السماح بممارسة شتى أنواع الانحراف داخل الفضاء السجني و غض الطرف عليها حسب التقارير الرسمية للجمعيات الحقوقية كانت آخرها فضيحة إدخال معتقل لفتاة يدعي أنها زوجته مع وقف التنفيذ، في حقيبة بلاستيكية إلى زنزانته بعين البرجة في الدارالبيضاء. و إلى ذلك و من أجل تجاوز الوضع فإن إدارة السجون و إعادة الإدماج في المغرب عمدت منذ سنة 2008 إلى شرعنة الجنس داخل السجون عن طريق تزويج سجناء بسجينات بمختلف السجون المغربية للقضاء على مثل هذه الممارسات الشاذة و بالتالي تخفيض نسبة الإصابة بالأمراض وخاصة المنقولة جنسيا في السجون ،حيث أكدت التقارير الرسمية أن النسبة المئوية للإصابة بمرض فقدام المناعة المكتسبة الإيدز داخل السجون تفوق نسبة انتشاره خارجها وقدرت تلك الدراسات نسبة 0,6 في المائة من مجموع نزلاء السجون مقابل 0,1 في المائة خارجها. و يرجع الأخصائيون ارتفاع نسبة مرض الإيدز داخل السجون بصفة عامة إلى طبيعة السجن ، حيث تنتشر الممارسات الشاذة بين بعض المحكومين عليهم بممد طويلة الأمد ،كما يسهل انتقال هذا الداء بين النزلاء بفعل استعمالهم لأدوات مشتركة خاصة بالنظافة الصحية غير معقمة. بحيث يسمح للأزواج السجناء بالخلوة الشرعية مرة كل شهر لمدة يوم كامل ،علما أن مديرية السجون المغربية تعمل و منذ مدة رغم غياب نص قانوني صريح على إعطاء السجناء ذوي السيرة الحسنة الخلوة الشرعية مع زوجاتهم مكافأة لهم على استقامتهم واحترامهم للقوانين السجنية الجاري بها العمل.