ترامب يبقي سياسته الجمركية رغم الإجراءات الانتقامية من الصين    الطالبي العلمي: احترام الوحدة الترابية للدول يشكل الحجر الأساس لمواجهة تحديات المنطقة    الممثل الخاص للأمين العام للحلف: المغرب شريك فاعل لحلف شمال الأطلسي في الجوار الجنوبي    المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة يحقق قفزة في التصنيف العالمي    عراقة المغرب في سيمفونية ساحرة.. طهور يفاجئ الجمهور بعمل استثنائي    السكوري يروّج لجهود المغرب بجنيف    مشاريع سينمائية مغربية تبحث عن التسويق في "ملتقى قمرة" بالدوحة    حكيمي: اللقب مع المغرب سيكون رائعا    توقف كامل للربط البحري بين طنجة وطريفة بسبب سوء الأحوال الجوية    تطورات جديدة في ملف بعيوي والمحكمة تؤجل المحاكمة إلى الجمعة المقبل    إصابة 12 جنديًا في انقلاب شاحنة عسكرية بإقليم شفشاون    الملياني يبرز أبعاد "جيتيكس أفريقيا"    الحكومة تمكن آلاف الأجراء من الاستفادة من التقاعد بشرط 1320 يوما عوض 3240    انطلاق أشغال الندوة الدولية بالسعيدية حول تطوير الريكبي الإفريقي    جلالة الملك يهنئ رئيس جمهورية السنغال بمناسبة الذكرى ال65 لاستقلال بلاده    رغم اعتراض المعارضة الاتحادية على عدد من مقتضياته الحكومة تدخل قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ في غشت القادم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء سلبي    إير أوروبا تستأنف رحلاتها بين مدريد ومراكش    تراجع أسعار النفط بأكثر من 6 بالمئة متأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة    "البيجيدي" يطلب وزير التجارة إلى البرلمان بهدف تحديد تأثير رسوم ترامب التي بقيت في حدها الأدنى على صادرات المغرب    عشرات الوقفات الاحتجاجية بالمدن المغربية للتنديد بحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة    تعادل أمام زامبيا في ثاني مبارياته بالبطولة .. منتخب للفتيان يقترب من المونديال ونبيل باها يعد بمسار جيد في كأس إفريقيا    أخبار الساحة    الاضطرابات الجوية تلغي رحلات بحرية بين المغرب وإسبانيا    ثمن نهائي كأس العرش .. «الطاس» يحمل على عاتقه آمال الهواة ومهمة شاقة للوداد والرجاء خارج القواعد    عزل رئيس كوريا الجنوبية    الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات التواصل والآفاق – 28-    مطالب لتدخل السلطات لمحاصرة وجود "كنائس عشوائية" في المغرب    هجوم مسلح على مقهى.. الأمن يوقف أحد المشتبه فيهما ويواصل البحث عن شريكه    دي ميستورا يحل بالعيون المغربية    زيارة رئيس مجلس الشيوخ التشيلي إلى العيون تجسد دعماً برلمانياً متجدداً للوحدة الترابية للمغرب    صانع الألعاب الأسطوري دي بروين يطوي صفحة مانشستر سيتي بعد 10 أعوام    على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن 28 شيخ أشياخ مراكش    الإعلان عن فتح باب الترشح لنيل الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2024    "أتومان" رجل الريح.. في القاعات السينمائيّة ابتداء من 23 أبريل    الرباط: انطلاق اللحاق الوطني ال20 للسيارات الخاص بالسلك الدبلوماسي    برلين: بمبادرة من المغرب..الإعلان عن إحداث شبكة إفريقية للإدماج الاجتماعي والتضامن والإعاقة    الصفريوي وبنجلون يتصدران أثرياء المغرب وأخنوش يتراجع إلى المرتبة الثالثة (فوربس)    تسجيل رقم قياسي في صيد الأخطبوط قيمته 644 مليون درهم    مقاطعة السواني تنظم مسابقة رمضانية في حفظ وتجويد القرآن الكريم    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    بعد إدانتها بالسجن.. ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان    30 قتيلاً في غزة إثر ضربة إسرائيلية    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    السياسي الفرنسي روبرت مينار يصف النظام الجزائري بالفاسد واللصوصي    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حديث في شأن الاستمرارية البيداغوجية
نشر في هسبريس يوم 29 - 04 - 2020

أربعون يوما مرت وأبناؤنا في البيت. والمدرسة، ذلك الحاضر الغائب المتشبث بالحق في الوجود، تراهن على خطة الاستمرارية البيداغوجية لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا المشؤوم وتأمين الحق في التعلم للجميع وإنْ بإمكانيات محدودة وبآليات مختلفة مدعومة بمبادرات وتعبئة الاستثنائية.
في إطار التدابير الاحترازية الرامية إلى الحد من انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) الذي اجتاح دول العالم ومنها المغرب؛ وانسجاما مع مقتضيات مرسوم بقانون رقم 2.20.292 بتاريخ 23 مارس 2020 المتعلق بسنّ أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها؛ دعت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في عدد من بلاغاتها ومراسلاتها إلى:
1 - توقيف الدراسة الحضورية بجميع الأقسام والفصول بمؤسسات التربية والتكوين العمومية والخصوصية ابتداء من يوم الاثنين 16 مارس 2020. كإجراء وقائي يسعى إلى تجنب تفشي "فيروس كورونا" وإلى حماية صحة التلميذات والتلاميذ والمتدربات والمتدربين والطالبات والطلبة وكذا الأطر الإدارية والتربوية العاملة بالمؤسسات وجميع المواطنين؛
2 - الإقرار بأن التوقف الاضطراري عن الدراسة ليس عطلة مدرسية استثنائية وإن الدروس الحضورية ستعوض بدروس عن بعد تسمح للتلاميذ والطلبة والمتدربين بالمكوث في منازلهم ومتابعة دراستهم عن بعد.
3 - وضع وتفعيل خطة الاستمرارية البيداغوجية عن طريق آلية التعلم عن بعد. حيث أقدمت على تعبئة فرق ومجموعات للإنتاج الرقمي وإنتاج الدروس المصورة وتفعيل المنصة الإلكترونية TelmidTice لتقدم دروس حسب الأسلاك والمستويات والمواد الدراسية. كما أطلقت عبر قنوات تلفزية وطنية برامج تتضمن حلقات تعليمية ودروس وفق تدبير يومي مضبوط وشامل، كما دعت إلى إحداث أقسام افتراضية وفق ما توفره منصة Microsoft Teams من خدمات الممارسات التفاعلية لفائدة المتعلمات والمتعلمين، وما توفره، كذلك، من خدمات لاستمرار عمليات التأطير والمواكبة لفائدة مختلف المتدخلين والفاعلين في الشأن التربوي.
4 - دعوة مختلف الفاعلين التربويين إلى التفكير في مبادرات وبدائل بيداغوجية ممكنة وملائمة من أجل ضمان الاستمرارية البيداغوجية وإعداد خطط للدعم البيداغوجي يمكن إنجازها عند عودة المتعلمات والمتعلمين إلى مدارسهم تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المجالية والمحلية.
5 - الإعداد للمرحلة الرابعة التي سترتبط بحصاد السنة الدراسية و الامتحانات الإشهادية سواء على مستوى مرحلة الإعداد وتأهيل المتعلمات والمتعلمين في إطار تفعيل مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص أو على مستوى الموضوع أو على مستوى إجراءات الإنجاز.
كلها تدابير تستهدف تأمين السنة الدراسية وضمان الحد المعقول من تكافؤ الفرص في محاولة جادة من الوزارة الوصية للتقليص من حدة تأثير الكثير من المتغيرات المرتبطة بشروط تعميم التعليم عن بعد وتعميم الاستفادة من خدماته بين المتعلمات والمتعلمين في سياقات اجتماعية ومجالية فارقة ومؤثرة.
للتاريخ، وجب التأكيد على أن وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بكل المنتمين إليها (مدبرات ومدبّرين، مؤطرات ومؤطرين، مدرّسات ومدرّسين)، في سياق وطني استثنائي، وفي فترة زمنية قياسية، و بشروط وإمكانيات محدودة، اجتهدت وبادرت، تفاوضت ووفرت، دعّمت وجنّدت وعبّأت وواكبت. فاستطاعت أن تفعّل منصة التعليم عن بعد التي ارتبط تاريخ وسيرورة وجودها ببرنامج جيني GENIE الذي تم اعتماده في إطار الاستراتيجية الوطنية لتعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات منذ سنة 2006. كما استطاعت أن توفر رصيدا غير مسبوق من الدروس المصورة والأنشطة التفاعلية لفائدة المتعلمات والمتعلمين ووضعه رهن إشارتهم، بل وحتى لفائدة أطفال ما قبل المدرسة. لقد وضعته رهن إشارتهم في بيوتهم، عبر هواتفهم وحواسبهم إن وجدت، وعبر قنواتهم التلفزية الوطنية، بل، في حالات، حتى يدا بيد، عن طريق وسطاء آخرين في البوادي والقرى النائية من أعوان السلطة وممثلين جماعيين وفاعلين جمعويين وأمهات وآباء. إنها، حقا، مجهودات جبارة. ساهم فيها الجميع، كل حسب قدراته وإمكانيات ومستوى تدخله. بل إن هؤلاء المدرسات والمدرسين والمفتشات والمفتشين والمدبرات والمدبرين، في غالب الأحيان، اعتمدوا ولا زالوا يعتمدون على إمكانياتهم الذاتية المحدودة والتي قد تكون على حساب أمور أخرى في معيشهم اليومي (الحواسيب – الهواتف - أجهزة التصوير - إمكانيات التعبئة والتشغيل من ربط بشبكة الأنترنيت وبرامج للمعالجة والمونتاج - .....) من أجل ضمان مساهمتهم وتأمين انخراطهم والقيام بواجبهم والتعبير عن تضامنهم والتزاماتهم الوطنية والإنسانية.
كما أن دور هؤلاء الفاعلين بمختلف مستوياتهم ومواقعهم لم يقتصر على المساهمة في تأمين تفعيل التعليم عن بعد، ولكن، أيضا، المشاركة في التعبئة الوطنية لتفعيل التدابير الاحترازية ومواجهة هذا الوباء الفتاك، عبر وصلات وحملات تحسيسية وتوعوية استهدفت المتعلمات والمتعلمين وأسرهم وباقي المواطنات والمواطنين، عبر مختلف القنوات والأدوات المتاحة والممكنة.
لكن السؤال الحقيقي ونحن نتحدث عن الاستمرارية البيداغوجية كشكل من أشكال التدبير و"النضال البيداغوجي" هو: أبإمكان التعليم عن بعد، حتى لو توفر شرط تعميمه، أن يضمن الاستمرارية البيداغوجية في معناها العميق؟ أو بصيغة أخرى أيمكن اعتبار الاستمرارية البيداغوجية هي التعليم عن بعد والتعليم عن بعد هو الاستمرارية البيداغوجية؟
إن ضمان علاقة المتعلم(ة) بالتعلمات والحفاظ عليها، مهما كانت الطرق المعتمدة في ذلك، هي لا تمثل إلا وجها ظاهرا وجزئيا للاستمرارية البيداغوجية. بينما الوجه المستتر والأكثر قوة في الاستمرارية البيداغوجية هو ليس التعلمات، في حد ذاتها، ولكنه المدرس(ة) الأستاذ(ة) بشخصه ، بإمكانياته، برصيد الثقة التي يحظى بها، برصيد السلطة الناعمة التي يمتلكها. وهذا ما دفع، في اعتقادي، بعض الدول إلى الاكتفاء بإطلاق مفهوم استمرارية التعلمات( la continuité des apprentissages) بدل مفهوم الاستمرارية البيداغوجية (la continuité pédagogique) للتعبير عن الإجراءات المتخذة لتفعيل آلية التعليم عن بعد التي تضمن حضور التعلمات في حياة المتعلمات والمتعلمين أثناء فترة الحجر الصحي.
إن المدرسة، كما تفيد تدخلات فيليب ميريو Philippe Meirieu هذا الوجه البيداغوجي الفرنسي المعروف في الكثير من المنابر" ليست فضاء للتعلم الفردي وإنما هي فضاء زماني ومكاني يجتمع فيه الأطفال المختلفون للتعلم معا". و" سيكون من الوهم الاعتقاد بأنه يمكن استبدال المدرسة بآليات ووسائط للتعلم الفردي مهما كانت متنوعة ومتطورة". وأن المدرسة ليست مؤسسة " تعبر عن تكافؤ الفرص" ولكنها " مؤسسة للنضال من أجل المساواة في الحق في التعليم". ومن ثمة، فالمدرسة كمؤسسة اجتماعية في صورتها الحالية هي نتاج سيرورة نضالية طويلة هدفها أن تصبح فضاء آمنا وأمينا يوفر فرصا عادلة ومنصفة للتعلم الذاتي والجماعي. فضاء لتعلم المشترك وفضاء للعمل المشترك من أجل بناء مجتمع يقوم على المشترك.
يُعدّ الطفل/المتعلم(ة) موضوع علاقة حقيقية ومستدامة بين المدرسة والأسرة، يتقاسمان معا حاضره لأنه موضوع اشتغال وانشغال لهما معا، كما يتقاسمان مستقبله باعتباره مشروعا استثماريا مشتركا يستوجب تحقيقه الفعل الواعي المشترك بينهما. والمدرسة مؤسسة اجتماعية مجتمعية توجد في قلب المجتمع، فهي تتفاعل مع الأسرة في ظل ثوابت وأطر مرجعية ناظمة ومنظمة للعلاقة بينهما. لكنها، أي المدرسة، تحيا في استقلالية عن هذه الأسرة بصيغة المفرد والجمع ولها كيانها المستقل. لأن المدرسة إذا أصبحت تابعة للأسرة حتما ستتخلى عن دورها في تحقيق مبدأ الولوج العادل والمنصف للمعرفة والتعلم، وتصبح مرتبطة بانتماءات اجتماعية تفسد استقلاليتها.
إن الأسرة شريك أساسي للمدرسة، يتحملان مسؤولية التنشئة الاجتماعية للطفل / المتعلم(ة)، ويتقاسمان مسؤولية السهر على مساعدته على تحسين جودة تعلماته وبناء مشروعه الشخصي. لكن، مع ذلك، لا يمكن للمدرسة أن تحلّ محلّ الأسرة وتقوم بوظيفة المواكبة التربوية الوالدية. كما لا يمكن للأسرة أن تحل محل المدرسة وتقوم بوظيفة المواكبة التربوية المدرسية. إنهما دعامتان أساسيتان لا تستغني إحداهما عن الأخرى، يتكاملان في أدوارٍ ومهام كما يختلفان في مهام وأدوار أخرى، لذلك من الصعب الحديث عن إمكانية نقل المدرسة إلى البيت.
الحديث عن الاستمرارية البيداغوجية بدل الحديث عن استمرارية التعلمات هو حديث في العمق عن العلاقة البيداغوجية التي تقوم عند وجود طرفين هما المدرس(ة) والمتعلم(ة). فالمدرس(ة) الأستاذ(ة) بقوة ما يمتلكه من أدوات بيداغوجية، وبفعل حضوره المادي أو الرمزي كوجود دال ورامز في مخيلة الأنا التلاميذية والأنا الأسرية والمجتمعية، يجعل المتعلم(ة) ، سواء كان فضاء تواصلهما ماديا أو افتراضيا، في علاقته مع ذاته، يعي ما يعرف(المعارف) ويعي ما يستطيع فعله (المهارات) ويعي ما هو عليه (المواقف) . كما يجعله، في علاقته بالآخرين يعي ما يعرفه هؤلاء وما يستطيعون فعله وما هم عليه. وتتحقق عملية المعرفة هاته عبر آلية التفاوض(التفاوض مع الذات) وعبر آلية التفاعل(التفاعل مع الآخر) وعبر آلية التحليل(تحليل وضعية الاكتساب) وعبر آلية التقدير(تقدير مستوى درجة نمو الكفايات) وعبر آلية المقارنة (مقارنة المستويات والقدرات والإمكانات) وعبر آلية الاستنتاج (استنتاج التموضعات الخاصة بالذات والآخر) ثم عبر آلية التعميم (تعميم المعرفة وتعميم المهارة وتعميم الموقف بجعلها تنتقل من فرد إلى آخر ومن جماعة إلى جماعة ).
للمدرس(ة) أدوار لا يمكن الاستغناء عنها وخصوصا في المستويات الدراسية ما قبل الجامعي . لأنه في الوضعيات المفترضة لإنتاج التعلم يمثل رمزا للبيئة الآمنة للتعلم وحارسها الوفي بحواسه التي لا تملّ ولا تكلّ . كما يمثل الشرارة (الموقد) التي تنطلق داخل المتعلم كي يتحرك وينتفض ويتعبأ، كي يفكر و يسائل، كي يعمل وينتج، كي يشارك ويتقاسم. كي يعيش ويتمتع. إنه(ا) ، في حضرة هذا المدرس(ة) الأستاذ(ة) يصبح في وضعية تسمح له بممارسة مهمته بصفته متعلما، وبصفته مشاركا في بناء المعرفة القابلة للتعميم، وبصفته محفزا للآخرين على التعلم، وبصفته مسهما في خلف فرص التعلم وتحسين بيئة التعلم، وبصفته موردا ومصدر دفع ومصدر طاقة تمكن ذاته، كما تمكن الآخرين من تعبئة مكتسباتهم لمواجهة الوضعيات التعلمية والتفاوض معها بهدف تملكها والسيطرة عليها. وتلك هي غاية أفعال وأنشطة التعلم وغاية الممارسات البيداغوجية ووظيفة من وظائف المدرسة الأساسية.
هذا الأمر لا يستطيعه المتعلم(ة) وحده في علاقته بالمعرفة مهما كانت الوسائط التي يتوفر عليها. ومهما كانت الشخوص الموضوعة رهن إشارته ومهما كانت محفزاته الداخلية فعالة ومؤثرة. ولو كان الأمر ممكنا لكانت الدعوة إلى مجتمع بلا مدرسة قد انتصرت.
إن التعليم عن بعد في غياب الحضور الرمزي والافتراضي للمدرس(ة) قد يكون له إيجابيات لا يمكن إخفاؤها أو إنكارها، لأنه يسهم في تحرير المتعلم(ة) من سلطة الزمن (زمن التعليم) وسلطة التدافع وسلطة المواجهة المباشرة مع الآخرين في سياقات نفسية مؤثرة. كما يمكن أن يكون وسيلة داعمة لتعاقدات حول حواصل التعلم ومنتوجاته بعيدا عن سياقات التنافس والإكراهات البدنية والنفسية التي قد يتعرض لها بعض المتعلمات والمتعلمين داخل الحرم المدرسي. كما أنه يعطي إمكانيات أوسع لاشتغال سلطة زمن التعلم وانفراديته وتفرده وتنوعه فيجعل المادة المعرفية بصفتها موضوعا للتعلم لا تخضع فقط لنقل ديداكتيكي يمارسه المدرس(ة) كشكل من أشكال التدخل لتهييئ المعرفة وتكييفها مع الحاجات المفترضة لجماعات التعلم حسب الفصول والمستويات الدراسية، وإنما، أيضا، تخضع لتفاعل ديداكتكي وتفاوض ممكن من طرف المتعلم(ة) ،نفسه، وفق إمكانياته الحقيقية، بعيدا عن كل " مضايقة ديداكتيكية" من طرف المدرس(ة) أو الزميلات والزملاء.
لذلك، فإن التعليم عن بعد يستطيع تحقيق أهدافه كمكون من مكونات الاستمرارية البيداغوجية للمدرسة في البيت، بشكل أفضل، عندما يرتبط المتعلم(ة) بمدرسه ارتباطا، كيفما كانت نوعية هذا الارتباط. لأن نشأة العلاقة بين المدرس(ة) والمتعلم(ة) في المدرسة لا يكون موضوعها المعرفة وفقط، ولكن يكون موضوعها، أيضا وبشكل أساس، التربية بما تعنيه من سلطة ناعمة قد لا يقاوم متعتها المتعلم(ة) ومن شحنات وترددات عاطفية يصعب على غير أطرافها تفسيرها. وكلنا نتذكر علاقتنا بكثير من مدرساتنا ومدرسينا وخصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة. كما نستحضر كيف يمارس علينا من جعلناهم قدوة لنا سلطتهم الناعمة في توجيهنا وقيادتنا نحو تحقيق ما يرغبون فيه من أهداف.
إن الاستمرارية البيداغوجية ليست تمكين المتعلمين من المعارف فالمعارف موجودة حيثما ولوا وجوههم ولكنها تكمن في استمرارية حضور هذا المدرس(ة) الأستاذ(ة) بصفته(ا) الموقد لشرارة استئناف سيرورة التعلم والإنماء واستكمال النضج، وبصفته(ا) المواكب(ا) لمختلف التفاوضات والتفاعلات التي تنتج هذا التعلم وهذه الدرجات من الإنماء، وبصفته(ا) الضامن(ة) لتدفق صبيب الثقة في الذات التي يحتاجها المتعلم(ة) وصبيب الثقة في الآخرين التي يحتاجه هذا المتعلم(ة).
إن سؤال الثقة في المعرفة والقدرة والجانبية عند المتعلم(ة) لا يجد الجواب الشافي عنها إلا عند مدرسته ومدرسه. إذ كثيرا ما تفشل عملية التفاوض بين المتعلم(ة) وأحد أفراد أسرته حول موضوع تعلم ما أو معرفة ما أو مهارة ما أو سلوك ما. بل أن كثيرا من المتعلمين ينحازون أكثر لمدرسيهم في موضوع المعرفة ولصدقيتها من تحيزهم لأمهاتهم وآبائهم.
من هذا المنظور، ما المطلوب في الوضعية الراهنة؟
إن المطلوب في الوضعية الراهنة ليس الوقوف على ما اكتسبه المتعلمات والمتعلمون من معارف خلال فترة الحجز الصحي عبر التعليم عن بعد بمختلف آلياته الرسمية وغير الرسمية ، مما يعني أننا أمام 75 % من التعلمات المحصلة و التي سبق اكتسابها في الحصص الحضورية في المدرسة إلى غاية تاريخ توقف الدراسة الحضورية. وهي التعلمات التي يفترض أن تكون موضوع تقييم إشهادي ضمانا لتكافؤ الفرص وتقليصا لحد آثار المتغيرات الخارجة عن إرادة المدرسة والأسرة معا. كما أن المطلوب ليس الوقوف على مدى تمكّن الوزارة الوصية، عبر آلياتها المتوفرة، ومن خلالها المدرسات والمدرسين، من الوصول إلى أكبر قدر من المتعلمات والمتعلمين لتزويدهم بالمعارف في شكل دروس مصورة أو تفاعلية أو تمارين تطبيقية أو أنشطة داعمة. أو حتى الوقوف عن الفئة الأكثر اجتهادا أو الأكثر انخراطا في تفعيل خطة الاستمرارية البيداغوجية. لأن كثرة المتغيرات ذات الصلة بالموضوع تجعل النتائج المتوصل إليها غير صادقة وليست ذات مصداقية. فكثير من هذه المتغيرات لا ترتبط بالمدرسة، في حد ذاتها، كما لا ترتبط بالأسرة وحدها، ولا ترتبط بالمتعلم(ة) لذاته(ا) ، ولكنها ترتبط بالدولة وبالمجتمع عامة، وبالنموذج التنموي المعتمد والذي أكد فشله وهشاشته وعجزه في تلبية الحاجات الحقيقية والضرورية لجميع الشرائح المجتمعية، بشكل عادل ومنصف. ومن ثمة، لا يمكن لوزارة التربية الوطنية ومعها الأسرة ومعهما المتعلم(ة) دفع فاتورة تعثر تنموي بنيوي ومركب، له امتداد في الزمان والمكان، ويقتضي الأمر محاسبة الكثير من القطاعات على تملصها من دورها الطبيعي في تفعيل المشاريع التنموية والاستراتيجيات الوطنية، بشكل عام، وفي تنمية قطاع التربية والتكوين، بشكل خاص، باعتباره قاطرة التنمية ودعامة أساسية لتحقيق التنمية البشرية المستديمة.
ولكن المطلوب، اليوم، الوقوف على فعالية الممارسات البيداغوجية التي تم اعتمادها إن كانت حققت و تحقق أهداف الاستمرارية البيداغوجية التي دعت الوزارة الوصية إلى تفعيلها كخطة لمواجهة تحديات فيروس كورونا. وباعتبارها آلية لدعم بقاء المتعلمات والمتعلمين في البيت (لا خروج – لا أقران – لا سفر – لا ولا ...) وتعزيز قدرتهم على تحمل تحولات عميقة وغير منتظرة في حياتهم وفي وضعيات قد تكون غير عادية وغير محتملة. وأيضا الوقوف وبشكل أكثر قوة على طبيعة العلاقة القائمة حاليا بين المدرسة والأسرة لتقييم فعالية الآليات المعتمدة في تجسير التواصل بينهما، لقد كشفت فترة توقف الدراسة والحجر الصحي عن تدني مستوى هذا التجسير بين الأسرة والمدرسة وهشاشة أدوار جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وعدم قدرتها على القيام بدورها كوسيط شرعي بين المدرسة والأسرة.
كان المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في الرافعة الثانية والعشرين من رؤيته الاستراتيجية قد دعا المسؤولين والمدبرين والفاعلين التربويين إلى تمكين الأسر من آليات لمواكبة أبنائهم ودعم وتتبع تحصيلهم الدراسي وإلى إشراكهم في بناء وتحقيق مشروع المؤسسة والإسهام المنتظم في العناية بالمدرسة، وإلى تمتين دور جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وتوفير فضاءات للحوار والتنسيق داخل المؤسسات التعليمية. كما دعت الرؤية، نفسها، هذه الجمعيات إلى تجديد منهجيات عملها وتقوية تعاونها مع المؤسسة التعليمية ومشاركتها الفعلية في التدبير والتتبع. وأكثر من ذلك، دعت هذه الرؤية إلى إقامة مدرسة أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وإلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة الأسر وإلى تحقيق مدرسة للجميع توفر خدمات لأفراد المجتمع كافة في مجالات شتى وتلبي حاجات هذه الأسر في التعلم والتثقيف والتوعية والتكوين المهني. وهي كلها تطلعات لا زالت في قاعة الانتظار لعل الزمن المفترض لتنزيل مقتضيات القانون الإطار 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي يسمح بوضع تدابير كفيلة بأجرأتها.
وأخيرا، إن المطلوب منا جميعا، اليوم، هو نوعين من التفكير:
تفكير مرحلي ينصب على نوعية العلاقة التي يجب أن تضمنها الاستمرارية البيداغوجية بين المدرس(ة) الأستاذ(ة) وتلامذته وموضوع هذه العلاقة، وعلى كيفية تمتين أواصر التواصل والتفاعل بين المدرسة والأسرة؛
تفكير استراتيجي ينصب على موقع المدرسة ضمن مشروع النموذج التنموي الجديد، والتفكير في أدوار مدرسة ما بعد "كرونا"، تلك المدرسة الداعمة الدامجة المواطنة، مدرسة النضال من أجل ضمان تعليم جيد للجميع متنوع المداخل والحوامل والمقاربات، تعليم منصف وعصري وذي جدوى، تلك المدرسة التي تجعل المتعلم(ة) في تنوعه وتنوع حاجاته هدفها ومنطلق كل أفعالها وممارساتها التربوية والتعليمية والتوجيهية والتكوينية. مدرسة الأسرة التي تؤهلها للقيام بأدوارها في المواكبة التربوية الوالدية. تلك المدرسة التي توجد في قلب محيطها فتنتج شروط تنميته وفق خصوصياته المجالية، ومدرسة المجتمع التي تسهم في تحصين أصالته وترسيخ هويته والتشبث بثوابته كما تسهم في بناء مستقبله وانفتاحه على محيطه وتعزيز مكانته بين دول المعمور.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.