سبق للماريشال شرشل، رئيس الحكومة البريطاني وقائد الحرب إبان الحرب العالمية الثانية، أن قال: "المال هو عصب الحرب الأساس". وبالفعل، إنه بدون مال من غير الممكن خوض أي صراع، كيفما كان نوعه ومستواه. وهذا الدرس فهمه جيدا التيار السياسي – الديني، ليس في بلادنا وحسب؛ ولكن في كل الربوع التي امتد فيها. ولعل التنظيم الإرهابي "داعش" جسد ذلك بشكل واضح؛ وذلك باستيلائه على ثروات وخيرات المناطق التي يحتلها معتمدا على القتل والدماء وإرهاب الأفراد والجماعات، معتمدا على إيديولوجيا دينية بقراءة وهابية متطرفة حسب إرادة قادتها تحرم ما تريد وتبيح ما تريد. امتدت الإيديولوجية الدينية في كل البلدان التي تدين بالإسلام منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فاتخذت لنفسها مسميات عدة (الدعوة والتبليغ – الإخوان المسلمين – عدل وإحسان – عدالة وتنمية – نهضة – إصلاح – نصرة – داعش وغيرها). وامتدت في العصر الحالي إلى بلدان الشمال (أوربا وأمريكا وغيرها). وهذه الجماعات ما كان لها أن تعيش لولا الإمكانات المالية الهائلة التي كانت تحظى بها من الدول التي كانت تستخدمها في مختلف الأزمات، ومن أجهزة المخابرات المختلفة لاستخدامها ضد أعداء أمريكا والأنظمة المستبدة. لذلك، فهذه التيارات السياسية – الدينية كانت باستمرار تواجه اليسار والقوى الديمقراطية، باعتبارها عدوها الأول. ولعل لائحة ضحاياها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لأحسن دليل على ذلك: حسين مروة – مهدي عامل – فرج فودة – عمر بنجلون – بنعيسى آيت الجيد – بوملي المعطي – شكري بلعيد – محمد لبراهمي ... واللائحة طويلة.. ابتدأت الخطوات الأولى لهذه المكونات التي تبشر بالإيديولوجيا الدينية في بلادنا منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي، وظهرت على شكل "شبيبة إسلامية" منذ بداية السبعينيات، وحددت أهدافها في محاربة اليسار الماركسي الذي كان ملاحقا من لدن الحكم آنذاك. ولعل اللبيب سيفهم العلاقة بين الاثنين، خاصة أن غزواته الأساسية كانت اغتيال أحد أقطاب اليسار آنذاك، الشهيد عمر بنجلون. جاءت مجموعة الإصلاح بعد انسحاب بعض الأعضاء من "الشبيبة الإسلامية" وانطلقت بمنطق آخر، أكثر مهادنة للدولة وأكثر عداء لليسار في حملات مشتركة مع السيد عبد الكريم الخطيب حول دعم طالبان في أفغانستان والبوسنة وغيرها في ربوع الإرهاب. وهذا طبعا كان له ثمنه من أموال يتم درها من الجهات الشرق أوسطية بأشكال مختلفة من منح وسفريات وعشرات الحاويات للكتب مجانا التي يتم بيعها وجمع أموالها. وبذلك، يتم تحقيق الأهداف الإيديولوجية بترويج الفكر الوهابي والأهداف المالية بجمع الثروة. ومن ثم، استطاعوا استنبات الجمعيات والمدارس ورياض الأطفال التي تدر عليهم كذلك المداخيل المهمة، وامتدوا إلى الثانويات والجامعات. خطة تشبيك المجتمع وتطويقه وامتصاص أمواله ومقدراته بأساليب وحيل مختلفة. العم سام كان منتشيا بتقدم مشروعه الذي راهن عليه لتجديد قوة هيمنته على المنطقة وإضعاف كل القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية، وهو في ذلك ما فتئ يستخدم بعض الضغوط أو النصائح الملغومة. جاءت مرحلة المشاركة السياسية، ولم تعد الديمقراطية حراما مستوردة من الغرب، فشكل حزب السيد الخطيب الحاضنة التي ستلد "العدالة والتنمية" الذي سيلج البرلمان لأول مرة سنة 1997. واستمر الحزب في عمل مندمج بين الدعوي والسياسي، بتأثير قوي للدعوي على السياسي؛ لأن الإيديولوجيا تسهل الاستقطاب، والإمكانات المالية المتراكمة والمستثمرة تسهل العمل. بتشجيع أمريكي واستثمارا لنتائج حراك 20 فبراير الذي قاطعه الحزب، تقلد "العدالة والتنمية" رئاسة الحكومة. اعتبر الحزب الإسلامي، منذ ذلك الحين، أن الشعب قد فوّض له الحكم بما يريد كأنه وقع له شيك على بياض. استفاد من الصلاحيات الواسعة التي منحها دستور 2011 لرئيس الحكومة، وأصبح يبث عناصره في كل مواقع الثروة لخدمة مشروعه عبر جمعياته "المدنية". هذا ما يفسر تغييره لمدير "التعاون الوطني" و"وكالة التنمية الاجتماعية"؛ وهما منبع ثروة هائلة لجمعياته، خاصة بعد إقصاء السيد الحبيب الشوباني للجمعيات التي ناضلت لعقود من أجل تحسين أوضاع المواطنين والمواطنات وذوي الحاجيات الخاصة. لم يكتف السيد رئيس الحكومة بهذا؛ بل إنه عمل على تنصيب عناصر حزبه في كل الإدارات، آخرها ما تسرب من توظيف في الأمانة العامة للحكومة. وبالمقابل، عمل كل ما في وسعه على إضعاف القوى الديمقراطية واليسارية، وإضعاف جمعيات المجتمع المدني غير الموالي؛ ولعل أهمها معركة إصلاح صناديق التقاعد. إن رفض أي حوار حول الموضوع والسعي إلى إضعاف النقابات يضع البلاد في وضع متفجر؛ ذلك أن الوسائط الاجتماعية التي تنشد النضال السلمي والمشروع لن تستطيع ضبط الشارع بعد إضعافها، وأن الحكومة التي راكمت العديد من التراجعات على مستويات الحريات العامة والفردية وتكاليف المعيشة تراهن باستقرار البلاد وتلعب بالنار. [email protected]