سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
عبد الحميد أبو سليمان، رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي ل "التجديد": كلما مضى الوقت كلما احتاج الإنسان أن يعيد تنزيل مفاهيم القرآن الكريم على الواقع المتغير
أكد الدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان المدير العام الأسبق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، أن هناك جهودا هائلة، في العناية بالقرآن الكريم، لكن هذا لا يكفي، إذ المطلوب بحسبه كيف ينزل على واقع الإنسان، مشيرا إلى أنه كلما مضى الوقت كلما احتاج الإنسان أن يعيد تنزيل مفاهيم القرآن الكريم على الواقع المتغير، لكي يحقق أهداف ومقاصد القرآن الكريم، وناقش الأمين العام مؤسس الأمانة العامة للندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض بالمملكة العربية السعودية، في هذا الحوار الذي خص به ''التجديد''على هامش مشاركته بأشغال ''المؤتمر العالمي الأول للشباب الباحثين في موضوع ''جهود الأمة في حفظ القرآن الكريم وعلومه'' الذي احضتنته فاس الأسبوع الماضي، (ناقش)مركزية القرآن في عملية الإصلاح الشامل، مشددا على أن المسؤولية ملقاة على المفكرين المربين والأسرة كقوة حقيقة لقيادة التغيير والإصلاح... كيف تقيم جهود الأمة في العناية بكتاب الله؟ في حفظ الكتاب وتقديسه لا شك أن هناك جهودا هائلة، وبالتأكيد أن القرآن الكريم كما أنزله الله سبحانه وتعالى، تعهد الله بحفظه ويسر للعلماء في مختلف المجالات الحفاظ عليه، لكن هذا لا يكفي، والمطلوب كيف ينزل على واقع الإنسان، وكيف يفعل، وهنا يأتي الجهد الذي قصرنا فيه، وأصبح كتاب الله يقرأ للتلاوة، ودائما الاستدلال والفهم يأتي من تطبيقات تاريخية، فالقرآن الكريم له مفاهيم، والمطلوب فهم الواقع لإعادة التنزيل، فكلما مضى الوقت كلما احتاج الإنسان أن يعيد تنزيل مفاهيم القرآن الكريم على الواقع المتغير، لكي يحقق أهداف ومقاصد القرآن الكريم، وهنا وجه التقصير. أي إضافة نوعية للمؤتمر الأول للباحثين في القرآن الكريم وعلومه المنعقد أخير ا بمدينة فاس؟ لا شك أنه سلط الضوء على ما بذل من هاته الجهود، إلا أنه يجب الآن العناية بكيفية تطوير التعليم والتربية، لكي تنزل مفاهيم القرآن على إنسان العصر، نرجو أن تكون هاته بداية جيدة لتنبئ العلماء والكوادر الشرعية لهاته الجوانب. ما مركزية القرآن في عملية الإصلاح الشامل؟ دون القرآن الكريم، أنت أمام إنسان حيوان، هو الذي يعبر عن الفهم الصحيح للطبيعة الإنسانية وتحقيق الذات، فهو يرشد وهو يحول هذا الترشيد السليم في فهم الطبيعة الإنسانية وتحقيق الذات، ويجعله مسؤولية روحية وأخلاقية، المشهد الحالي يدرك الكثير من هذا، لكنه في الغالب يقترب منها خاصة في الحضارة المادية، ويقترب منها بشكل مصلحي، إنما هنا العدل والمساواة والإحسان والسلام، كلها بالنسبة للمسلم، صفات صحيحة للبشر، لكن المسلم يتميز باعتبارها التزام أخلاقي وروحي، إلى جانب أن تحقق مصلحته وذاته. ما هي القضايا التي يشتغل عليها المعهد العالمي للفكر الإسلامي حاليا؟ المعهد العالي للفكر الإسلامي أساسا ينطلق من مفهوم بسيط، إذ يعتبر أن الأمة لا تنقصها موارد، الأمة لا تنقصها قيم وأهداف سامية، والأمة في حال سيء، هذا لابد أن يدركه العقل المسلم، والتكوين النفسي للشخصية المسلمة، مثل بنو إسرائيل لما استعبدوا، والأمة الإسلامية لا شك أنها أيضا استعبدت في تاريخها السياسي لأسباب كثيرة، هنا الله سبحانه وتعالى حين أراد أن يصلح حال بني إسرائيل، الذين نحن مثلهم الآن، أمة مستعبدة، فمن هنا العدل له صفتان، الصفة الأولى هي الخوف، وهذا هو واقع الأمة، والصفة الثانية هي السلبية، ''اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون''، الأمة الإسلامية التي هي مليار ونصف، تريد من الأممالمتحدة، من الاتحاد الأوروبي، من الشرعية الدولية أن تجد لنا حلولا، وترفع عنا ما بنا من مظالم !، الله سبحانه وتعالى وضع للمسلمين إصلاحا فكريا ووجدانيا، الأول أتانا عن طريق الوحي، فالقرآن الكريم فيه كل شيء، يجب أن يؤخذ في كليته كما يجب، المطلوب أن نأخذ هذا بجد، لكن التكوين لا يكون إلا في الطفل، المطلوب من يستطيع أن يحرر وجدان الطفل، ليس المؤسسات إطلاقا، فطبيعتها الحفاظ على الوضع القائم دون تغيير، فأداة التغيير الحقيقية هي الوالدان، ليأتي دور المفكر والمربي الذي يحمل على عاتقه مسؤولية توعية الوالدين والأسرة، إلى ما فيه مصلحة الأبناء، ليتحقق التغيير المنشود، المدرسة لها دور تربوي، لكن دورها الأساسي هو التعليم، والمطلوب خلال هاته المرحلة التعاون بين المربيين والمعلمين والأطر لإصلاح نفسية الطفل والتعامل معه، ليحرر ضميره ووجدانه، ويجعله الإنسان الخليفة الذي يمثل الرؤية القرآنية الحضارية بإذن الله. أما المعهد له أزيد من 15 مشروعا، وأنجز حوالي 300 كتاب في مختلف قضايا الفكر الإسلامي، تولى تجربة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وهي الجامعة التي خرجت شبابا من نوع مختلف وقدرات متميزة، وبالتالي هو يعمل على القضية الفكرية والوجدانية، وعنده مجلتان بالإنجليزية والعربية، وبالتالي هناك جهود كبيرة والحمد لله، لكن كما ترى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، تحدث الانطلاقة بعد 13 سنة، إذ كانت الأمور تسير من سيء إلى أسوء، فلما حصل العد التنازلي، وفي عشر سنوات تغير العالم كله، إذا علينا الصبر لنزيل ما هو موجود من انحرافات، ولبناء التصور الوجداني ومقاومة الفكر المشوه، هذا يأخذ الوقت، وعلينا الصبر، وحين يحدث الانطلاق، التغيير سيكون بسرعة البرق. تعتقدون أن العقل الإسلامي ما يسمى مرحلة كمون أو تشوه، للقيام بواجبه نحو الإنسانية عامة، ما أسباب ذلك؟ أولا التنزيل الكامل، هو التنزيل النبوي على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك بطبيعة الحال، على الإنسان أن يقارب في إدارة الحياة لتحقيق المصالح، وتحقيق الكونية الإنسانية بقدر ما يستطيع، حيث هناك تفاوت بين الناس، وتتفاوت الشعوب في الاستفادة من الرؤية الكونية، والذي حدث تاريخيا على عهد سيدنا عثمان، أن ذلك الجيل تقريبا ضعف في وجوده وتأثيره، وهنا أيضا كان تحديد الإمبراطوريتين الفاريسية والرومانية، جعل القضايا تتجند كجند جيش الفتح، حيث كانت القبلية قوية، وهنا يكمن السبب الذي جعل معاوية بن أبي سفيان يستطيع أن يتغلب على سيدنا علي ثم الحسين بسبب الطبيعة القبلية التي عبر عنها الأمويون، بينما المدرسة القرآنية، سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما، ودارت معركة قوية بين الفئتين طول العهد الأموي، كان فيها الحسن والحسين وابن الزبير والنفس الزكية، وغيرهم، من هنا بدأت عوامل وتصورات تدخل على الإسلام، وبدأ يحدث المزيد من التوسع، والمزيد من الثروة وصناعاتها، إلا أن روح الإسلام بدأ ينالها بعض الضعف، حيث مفاهيم الإسلام وتطبيقاتها بدأ ينالها الضعف، وبدأ هذا الأمر يتراكم، إلى أن جاء العهد العباسي، فتم الفصل بين مفكري الأمة ومثقفيها، وشؤون الحكم والدولة في القضايا الشخصية، وفي هذه الآونة ضعف العلماء المفكرون، ولم يعد لهم اتصال ولا دراية بالحياة العامة، وحكام الدولة ليس لهم قاعدة فكرية، ودائما الضعيف يكون عنيفا، ومن يعارض إلى السجن، ومن يختلف مع رجال الفكر يجعله في مواجهة الأحاديث النووية أو أقوال الفقهاء، كل هاته العوامل انتهت بالأمة إلى الانحطاط، وتشوه الفكر، وعدم وجود هدف في الحياة، والهامشية، هذه هي تقريبا مسيرة العقل المسلم التي انتهت به في النهاية إلى الاستقالة، وجعلت الأمة سلامية مهمشة وضحية أيضا، هنا أصبحت الأمة الإسلامية في حاجة لاستعادة رؤيتها الإنسانية، وما يجري الآن من بشاعات وحروب وإبادات، هذه كلها تعود لما نسميه قانون الغاب والافتراس، بينما المفروض الإسلام هو انتماء لجميع مراحل الوجود، ''إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا''، ''هو الذي خلقكم من نفس واحدة''،'' ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين''، '' أن تبروهم وتقسطوا إليهم''، الله عز وجل يوصي بالجار، وبذوي القربى، وببر الوالدين، هذه الرؤية هي التي يحتاجها هذا العصر بما لديه من مخالب نووية وغيرها، هذا هو الطريق لنعيد الفهم، وليكون دور المفكرين والمربين، في توعية الآباء، وهم أحرص الناس على تربية أبنائهم، وينشؤوا جيلا كالجيل الذي أنشأه الله سبحانه وتعالى من بني إسرائيل بعد أن أصلح عقيدتهم وفكرهم، وبعد أن أعاد تربيتهم في سناء، وبالتالي فالمسؤولية ملقاة على المفكرين والمربين والأسرة كقوة حقيقة لقيادة التغيير والإصلاح، فالتغيير لن يأتي من الأنظمة التي طبيعتها هي الحفاظ على الوضع القائم وليس التغيير، فالتغيير تلعب فيه الأسرة والمربون دورا محوريا في خلق جيل جديد بعقلية جديدة وثقافة جديدة.