بعد محنة التعذيب الفظيع الذي كان ضحيته بدار المقري بالرباط، طيلة شهرين (من يوليوز إلى شتنبر 1963)، وعدم تقديمه إلى المحاكمة رفقة باقي قادة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية (صدر فيها حكم بالإعدام على كل من محمد الفقيه البصري وعمر بنجلون، وسنتين موقوفة التنفيذ في حق عبد الرحمان اليوسفي، قبل أن يصدر على الجميع عفو ملكي بعد أحداث 23 مارس 1965)، لن يعتقل مجددا سي محمد منصور سوى في شتنبر 1981، أي بعد 18 سنة كاملة. وهي مرحلة زمنية من عمره، قضاها في مواصلة دوره النضالي الحزبي، الوطني والتقدمي، ضمن الحركة الإتحادية. كانت علاقته قد تقوت بشكل كبير مع القائد الإتحادي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد ومع الدكتور عبد اللطيف بنجلون ومع الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي (مع علاقة خاصة جدا بالشهيد عمر بنجلون، الذي كان يرى فيه صورة ثانية لشخصية الشهيد المهدي بنبركة). اصطف محمد منصور، ضمن الفريق السياسي لعبد الرحيم بوعبيد، بوعي واختيار، منذ 1967، مع بروز صراع الأجنحة داخل حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية بين الجناح السياسي بقيادة سي عبد الرحيم والجناح النقابي بقيادة عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق (الأمين العام للمركزية النقابية القوية حينها «الإتحاد المغربي للشغل»). مثلما سجل، ضمن مسار التزاماته السياسية حينها، أنه كان أيضا على مسافة خاصة من التوجه الذي ذهب فيه رفيقه ضمن جناح المقاومة وجيش التحرير، المرحوم محمد الفقيه البصري. كانت قوة حضور سي محمد منصور حزبيا، آتية من قوة حضوره ضمن النسيج الخاص لجناح المقاومة وجيش التحرير، وكذا قوة علاقاته التنظيمية مع الجسم النقابي، من خلال تجربته السابقة كأول رئيس لغرفة التجارة والصناعة بالدار البيضاء، وكذا قوة علاقاته مع شبكة التجار الصغار والمتوسطين. دون إغفال الدور الذي ظل يلعبه كبرلماني، نجح في كل الإستحقاقات الإنتخابية التي شارك فيها الإتحاديون (برلمان 1963، برلمان 1977، برلمان 1984)، وكان عضوا دوما في لجنة المالية. ولأن الشئ بالشئ يذكر، فقد كان دوره الرمزي وقيمته الوطنية جد مؤثرة ببرلمان 1963، حين تقدم الفريق النيابي الإتحادي بملتمس الرقابة الشهير لإسقاط حكومة أحمد باحنيني (شقيق امحمد باحنيني) في شهر يونيو من سنة 1964. ولا تزال ذاكرة ذلك الجيل المغربي، تذكر جيدا تلك المداخلة القوية والرفيعة، لرئيس ذلك الفريق البرلماني، الدكتور عبد اللطيف بنجلون، بأناقته الطنجاوية، التي كان يرد فيها على تدخلات كل من أحمد باحنيني والوزير أحمد العلوي، اللذان تساءلا في استنكار، في محاولة منهما لتبخيس قيمة من تقدموا بملتمس الرقابة ذاك، قائلين: «من أنتم؟». كان من حسن حظ المغاربة، أن العاهل المغربي المرحوم الحسن الثاني، قد أمر بالبث المباشر عبر التلفزيون لمناقشات تلك الجلسات البرلمانية، فكانت نسب المتابعة جماهيريا جد عالية وكبيرة. وحين تناول الدكتور بنجلون الكلمة (كان منسق الفريق من وراء الستار هو الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، الذي كانت السلطات بمدينة طنجة قد زوت النتائج ضده، رغم أنه هو الفائز في انتخابات يونيو 1963)، أقول حين تناول الكلمة رئيس ذلك الفريق النيابي المعارض، كان صوت الحقيقة هو الذي يحكي، وصوت التاريخ هو الذي يسجل. كان رده مفحما، حين شرع يقدم بالدليل والوثائق، أن من كانوا يطعنون في نزاهة من تقدموا بملتمس الرقابة ذاك، هم ممن باعوا المغرب وسلطانه الشرعي، الملك الوطني محمد الخامس، ما بعد 20 غشت 1953، وممن اصطفوا مع سلطان فرنسا بنعرفة. قائلا في سياق ترتيب ردوده المفحمة: «تتساءولون من نحن؟. نحن فينا محمد منصور الذي زلزل الإستعمار الفرنسي وحكم بثلاث إعدامات وظل قبره مفتوحا لسنوات ينتظر جتثه، ولا يزال مفتوحا إلى اليوم بمقبرة سجن العادر بالجديدة». هكذا، فإن محمد منصور قد واصل دوره النضالي سياسيا، منذ إطلاق سراحه سنة 1964، ضمن الحركة الإتحادية، وكان من صناع الحركة التصحيحية ل 30 يوليوز 1972، ومن القادة الكبار الذين هندسوا وساهموا في تأسيس حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وفي عقد مؤتمره الإسثتنائي ليوم 11 يناير 1975. المؤتمر الذي سيتم فيه اختياره عضوا بمكتبه السياسي، إلى جانب عبدالرحيم بوعبيد، عبد اللطيف بنجلون، عمر بنجلون، محمد عابد الجابري، محمد اليازغي ومحمد الحبابي. كانت رمزية الإختيار واضحة من الناحية السياسية، لأنها ترجمان، لتواصل مسيرة جيل «الحركة الوطنية»، كما تبلور منذ نهاية الأربعينات. الجيل الذي كان، من خلال جناحه السياسي (التقدمي) وجناح المقاومة وجيش التحرير، لا يزال يعتبر أن مهمته في تحقيق مشروع «تحرير الإنسان المغربي» من الأسباب المكبلة لتقدمه، مؤسساتيا وتنمويا، لا تزال قائمة وأنها ذات شرعية ملحة، نضاليا وتاريخيا ووطنيا. بالتالي، فإن منصور، في وعيه، كان متصالحا تماما مع قناعاته التي خرج من أجل تحقيقها منذ 1944، المتمثلة في المساهمة في تطوير واقع المغاربة، بما يحقق «سيادة القرار الشعبي الديمقراطي، المؤسساتي والحر». كانت تلك قناعات منصور، الذي ظل دوما يؤمن بما كان يصفه باستمرار ب «الخير في الشعب المغربي». وأنه كان مقتنعا أن الآلية التنظيمية، من خلال الحركة الإتحادية، المؤهلة لذلك، هي تلك التي يؤطرها تصور قائد سياسي كبير، رفيقه منذ 1942، عبد الرحيم بوعبيد. بصيغة العناوين الصحفية الكبرى، التي يرتاح إليها دوما زملاؤنا في مهنة المتاعب، يمكن بلا تردد القول، لتحديد الهوية السياسية لمحمد منصور، ضمن الحركة الإتحادية وضمن الحركة النقابية، أن الرجل كان: «بوعبيديا». وأنه تنظيميا، وإنسانيا، ستتقوى علاقاته مع كوكبة من قادة الحركة الإتحادية الفاعلين هم: عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي، عمر بنجلون ومحمد عابد الجابري ومولاي المهدي العلوي. بل إن هؤلاء القادة الكبار لتلك الحركة الإتحادية، لم يترددوا في أن يختاروه، لأمانته الكبيرة ومصداقيته المجربة وعفته العالية، لتكون مؤسسات اتحادية حزبية وازنة مسجلة في اسمه (من ضمنها مؤسسة دار النشر المغربية لعقود). مثلما كان عليه إجماع في كل مؤتمرات حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، التي أعيد دوما انتخابه عضوا في مكاتبها السياسية، إلى أن قدم استقالته سنة 2003، مباشرة بعد استقالة رفيقه الكبير عبد الرحمن اليوسفي من العمل السياسي (وليس فقط من الحزب) في ذات السنة. وفي الطريق بين انتخابه عضوا بالمكتب السياسي لحزب الإتحاد الإشتراكي سنة 1975، ومغادرته سفينة المسؤوليات السياسية سنة 2003، سيواجه محنة الإعتقال مجددا في شتنبر من سنة 1981 («مرة أخرى» كما ستقول المحامية والحقوقية جيزيل حليمي، وهي تستغرب من ذلك الإصرار على اعتقاله مجددا). كان المكتب السياسي لحزب الإتحاد قد أصدر بلاغه الشهير في 5 شتنبر 1981، بعد قبول العاهل المغربي الحسن الثاني رحمه لله، في مؤتمر نيروبي الثاني لمنظمة الوحدة الإفريقية، بفكرة تنظيم الإستفتاء بالصحراء الغربية للمغرب، في محاولة لسحب البساط من الجزائر التي كانت تستعمل تلك الورقة في المحافل الدولية ضد حقوق المغرب المشروعة في استكمال وحدته الترابية، وتدعم جبهة البوليزاريو عسكريا وديبلوماسيا وسياسيا. وهو البلاغ الشهير الذي قال بعدم أحقية قبول فكرة الإستفتاء بدون العودة إلى استفتاء الشعب المغربي أولا حول قبوله أو عدم قبوله لذلك. مما كانت نتيجته صدور قرار باعتقال كل أعضاء المكتب السياسي للحزب، في مقدمتهم عبد الرحيم بوعبيد. كانت زوجته، السيدة فريدة آكاردي منصور، متواجدة حينها ببروكسيل لأسباب عائلية، حين جاءت الشرطة ليلا لتعتقله. ومما يحكيه نجله زكريا منصور، أنه في حوالي الساعة الثانية عشرة ليلا، دق جرس الباب، فنزل يستطلع من الطارق في تلك الساعة المتأخرة، وما أن فتح الباب حتى وجد نفسه أمام كوكبة من الأفراد بلباس مدني، بادر اثنان منهما، شداد غلاض، إلى اعتقاله، قائلين له: «هل أنت هو محمد منصور؟». سألهم من يكونون، فأكدوا له أنهم من الشرطة، فأخبرهم أنه إبن محمد منصور بعد أن طلب منهم إطلاعه على أوراقهم الثبوتية، وهو ما استجابوا له. كان حينها والده، بعد أن وصلتهم جلبة ما يقع قرب باب البيت قد نزل بلباس النوم وببلغة في قدميه، فتقدموا منه لاعتقاله فطلب ابنه منه عدم مرافقتهم قبل تغيير ثيابه، فسمحوا له بذلك، ثم نزل إليهم وقال لهم بهدوء: «على بركة لله». لحظات بعدها، بلغ إلى علم العائلة أنه قد تم أيضا اعتقال عبد الرحيم بوعبيد بالرباط واعتقال محمد الحبيب الفرقاني عند مدخل مدينة مراكش، فتوجه نجله زكريا منصور عند إبن عمه «محمد منصور» المناضل النقابي بمؤسسة الماء والكهرباء بالدار البيضاء، ومعه توجها إلى بيت محمد الوديع الأسفي رحمه لله حيث كان غالبية قادة التنظيم المحلي للحزب بالدار البيضاء متواجدين هناك. تم إبلاغهم بخبر الإعتقال، لتنطلق معركة أخرى جديدة للعائلة. وصلت السيدة فريدة منصور في الغد، وبدأت إجراءات البحث عن مكان اعتقال زوجها، على عادتها في جرأتها وصلابتها في دق كل الأبواب، لتتأكد أن محمد منصور معتقل في ذات الزنزانة عند الشرطة ثم في سجن لعلو بالرباط رفقة صديقه ورفيقه الكبير عبد الرحيم بوعبيد ومعهما محمد الحبيب الفرقاني، فيما الشرطة لم تستطع بعد وضع اليد على كل من محمد اليازغي ومحمد الحبابي (لم يسلما نفسيهما سوى بعد أن بلغتهما رسالة من عبد الرحيم بوعبيد بذلك). الجديد هذه المرة، هو أنه قد سمح للعائلة بزيارته في سجن لعلو بالرباط، حيث وقف الأبناء في البارلوار يتواصلون مع والدهم، وقد كبروا، مثلما كانوا يقفون لرؤيته في بارلوار السجن المدني بالدار البيضاء زمن الإستعمار وهم صغار. عمر كامل قضته العائلة بين السجون والمعتقلات، ومحمد منصور بقي هو هو، ذات رجل الموقف الوطني، رجل النزاهة الفكرية، رجل الشجاعة في القول وفي الوفاء لرفاق الطريق. فيما رفضت زوجته السيدة فريدة أن تزوره في سجن لعلو، لأن غضبها كان عاليا، من بلد لم ترحم سن زوجها (كان قد أصبح في 60 سنة من عمره)، ولم تقدر أنه خرج للموت من أجل استقلال بلده وعودة ملك البلاد الشرعي محمد الخامس إلى عرشه. كانت المرارة في الروح وفي الحلق كبيرة، وكان المشهد سيكون عبثيا لو ذهبت لزيارته (كما تقول السيدة فريدة). حضرت السيدة منصور إلى المحكمة الإبتدائية بديور الجامع بالرباط، ومنعت من دخولها، حيث سمح فقط لزوجة سي عبد الرحيم بوعبيد بالدخول. ولأن ابنها زكريا كان يحمل كاميرا تصوير سيتم اعتقاله من قبل عناصر أمنية، وحدتث جلبة كبيرة، تطلبت تدخل الدكتور فتح لله ولعلو (وهو حينها رئيس الفريق النيابي الإتحادي بالبرلمان)، فتم إطلاق سراحه، قبل أن يأتي القرار بالسماح لها وحدها بالدخول، حيث حاولت الدخول رفقة زوج إحدى بناتها، مما تسبب في جلبة وازدحام ومواجهة مع الشرطة انتهت بفتح باب المحكمة الخارجي عنوة ودخل الجميع إلى داخل المحكمة. المحكمة التي ستصدر أحكامها بالسجن النافذ سنة واحدة على كل من عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد الحبابي (والتي قال فيها ذلك القائد الإتحادي قولته الشهيرة: «هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر. ونحن نقول: «رب السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت وألا أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية»)، فيما حكم على محمد منصور بسنتين سجنا موقوفة التنفيذ وعلى محمد الحبيب الفرقاني سنة واحدة موقوفة التنفيذ. وحين جاءت إدارة سجن لعلو لتطلب من منصور مغادرة الزنزانة والسجن، رفض قائلا: «لن أخرج إلا مع رفاقي». لكن عبد الرحيم بوعبيد هو الذي أقنعه، بعد محاولات عدة ونقاش مطول، في أن يغادر سجن لعلو، فخرج منصور، بلحيته البيضاء باكيا من أبواب ذلك السجن.