ظل المغرب لعقود من الزمن ينبه المجتمع الدولي إلى أن مشكلته مع النظام الحاكم في الجزائر ليست مشكلة ثنائية محدودة وعابرة ومحصورة في ملف النزاع حول الصحراء، وإنما هي مشكلة بنيوية في طبيعة هذا النظام الهجين والعدواني الذي لا يحترم التزاماته تجاه العلاقات الطبيعية والقانونية التي ينبغي أن تحكم تدبيره لسياسته الخارجية، وأن تسود في علاقاته بجواره وبمحيطيه الإقليمي والدولي، وأن تضبط توجهاته الديبلوماسية في التدبير الحكيم للخلافات والنزاعات والتوترات الحادثة، ورؤيته لمستقبل شعبه بين الشعوب والأمم ولأفق التعاون مع الهيئات الإقليمية والمنظمات الأممية لإيجاد الحلول المناسبة لمعضلات التنمية والأمن والسلام والتعايش، ونزع فتائل الحروب والتمكين للآليات التفاوضية والقوة الاقتراحية الإيجابية، والمبادرات الحوارية من أجل فض الخلافات مهما بلغت تعقيداتها. وكان متوقعا بتزايد حالات التصعيد مع الدول، أن تصيب ديبلوماسية التطاول والتنطع والعدوان والتدخل في الشؤون الداخلية للدول في مقتل علاقات دولة العصابة الحاكمة في الجزائر مع سائر الدول والشعوب التي تقترب منها إن بجوار أو باتفاقيات أو بمعاهدات صداقة وشراكة أو حتى بتنافس وتدافع في ميادين اقتصادية أو رياضية محكومة بقواعد المنافسة الشريفة والبناءة، وذلك في ظل اعتداد نظام العصابة إلى حد الهوس والجنون المرضي بما تدعيه من قوتها الخارقة والضاربة التي يركع لها الجبابرة وتنبطح لها الدول والشعوب، والتي لا ترضى إلا بأن يسير الجميع في ركبها وفي فلكها ظالمة أو مظلومة… لقد استخدم نظام العصابة الحاكم في الجزائر ديبلوماسيته الخارقة للعادة في إذكاء النزاعات والحروب والاستثمار في الكراهيات والنزاعات وتعطيل المصالحات والحلول للأزمات، إلى درجة أن استفاق الجميع مع المتغيرات الإقليمية والدولية في مسائل فض النزاعات والجنوح للسلام والحوار والتفاوض، على أن الطرف الوحيد الذي يغرد خارج السرب ويستنزف الغالي والنفيس من قدراته ومكتسبات شعبه وثرواته وموارده لاستمرار نزيف التوتر واصطناع النزاع تلو النزاع والتلويح بالحروب والخراب والدمار، هو هذا النظام الوحيد المعزول والمجنون والمهووس بالكراهية والعنف، إلى حد الارتماء في أحضان الإرهاب وقطع العلائق ظاهرا أو باطنا، ليس مع المغرب فحسب بل مع العديد من الدول والشعوب التي تحرض عليها العصابة عبر أبواقها الإعلامية وعبر أزلامها وخدامها في بقاع العالم. استفاقت إسبانيا كما فرنسا وكما مالي وكما ليبيا وكما النيجر وكما موريتانيا وكما تونس وكما سورياالجديدة ولبنان وغيرها من دول الجوار، أو من محيط الجزائر المتوسطي والعربي والإفريقي على هول وحجم التصرفات الديبلوماسية الرعناء للعصابة الحاكمة في الجزائر التي تتدخل بكل ما أوتيت من حيل ودسائس ومؤامرات وتطاولات واستفزازات وابتزازات في شؤونها الداخلية واستثمارها القوي في كل أعمال التخريب والإرهاب والطعن في سيادات هذه الدول وغدرها باستغلال ضعفها ومعاناتها أو استغلال ثقتها وصداقتها. بإمكان العصابة أن تخرق أي اتفاقية ملزمة، وأن لا تلتزم بأي حدود في تدبير خلافات طارئة، وأن تدفع بالمصالح المشتركة إلى الخراب، بمجرد رد فعل من العصابة تجاه موقف سيادي لدولة شريكة أو صديقة أو جارة، لا يساير اختيارات العصابة، وطالما تم تنبيهها إلى عدم استخدام العقود التجارية والمصالح المتبادلة سلاحا للضغط على الدول الشريكة، مثلما فعل حلف الناتو في توبيخه للعصابة على ما اجترحته في عز الحرب الدائرة في أوكرانيا من استخدام الغاز كسلاح جيوسياسي لتهديد الأمن الطاقي الأوروبي بعد تلويحها بفسخ عقد توريد الغاز، وقرارها بقطع أنبوبه المغاربي عن أوروبا، بهدف ابتزاز الدولة الإسبانية إثر إبدائها موقفا إيجابيا من مغربية الصحراء ودعمها للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية المغربية، وإنهائها أسطوانة الانفصال. والأمر نفسه يحدث اليوم مع فرنسا عبر ممارسات ديبلوماسية رديئة وبئيسة للعصابة تمس بالسيادة الفرنسية، وتلقي بالشعب الجزائري ومصالحه حطبا في نيران الأحقاد والكراهيات التي توقدها العصابة حولها. لقد صرخت دولة مالي من الألم الصامت الذي تعانيه مع جوارها الجزائريالشمالي، وخرجت من صمتها لتصف من منبر الأممالمتحدة ما تعانيه من غدر العصابة ورغبتها المستحكمة في إطالة الأزمة المالية بدعمها المكشوف للإرهاب وانتهاك سيادة مالي من طرف "الحثالة الديبلوماسية الجزائرية" بتعبير وزير الدولة المالي المتحدث باسم الحكومة المالية عبد الله مايغا، وهي الحثالة التي لم تكن قط طيلة فترة الأزمة المالية شريكا للسلام وإنما طرفا خبيثا في دفع دولة مالي إلى مزيد من الفتن الداخلية المستطيرة. لا تكف العصابة وبشكل مبالغ فيه ومفضوح عند أي لقاء ديبلوماسي مع دولة، عبر رئيسها أو وزير خارجيتها أو سفيرها، عن الترويج الدعائي لعلاقاتها المتميزة والمتينة والتأكيد بمناسبة وبدون مناسبة على ما تسميه تطابق وجهات النظر مع هذه الدولة الشقيقة والصديقة والأخت والحبيبة التي تتحول بقدرة قادر وفي رمشة عين إلى عدو مخلط وشيطان كبير كما في الأوصاف التي أغدقها ولا يزال إعلام العصابة على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم تسلم أياديها البيضاء على الجزائر من عض كلاب العصابة… هذه التصرفات الانفعالية والعشوائية وغير الديبلوماسية التي تفتقر إلى الرشد والحكمة وإلى الحد الأدنى من اللياقة واللباقة، وكف الأذى ورعاية المصالح المشتركة والحفاظ على خط الرجعة، تجعل أي اتفاق أو علاقة صداقة أو شراكة مع دولة العصابة بدون مصداقية أو موثوقية، وعرضة لتهديدات الأنف الوصائي والاستعلائي والانحشاري النازف للعصابة. تكشف تطورات الأحداث في الشرق الأوسط كذلك عن الدور التخريبي الذي لعبته وتلعبه العصابة الجزائرية في سوريا ولبنان خاصة، حيث سارعت في الأيام القليلة الماضية إلى تكثيف عمليات لملمة وطي فضائحها مع نظام بشار ومع ميليشيات حزب الله، وكان آخر هذه العمليات المستعجلة استدعاء سفيرها بلبنان بدون سابق إعلام، جراء افتضاح تورطه ونظامه في أعمال مشبوهة وإجرامية وفي تدخلات سافرة في الشؤون الداخلية والسيادية اللبنانية. علما أن الاستدعاء الدائم للسفراء وسحبهم، وكذا التغيير المتكرر لوزراء الخارجية، وتدبيج عدد كبير من البلاغات الاحتجاجية لهذه الخارجية ضد الدول، في العشر سنوات الأخيرة من أنفاس العصابة، يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن مشكلة العصابة ليست مع المغرب ولا مع كفاءاتها من سفراء ووزراء، وإنما مع سياستها الخارجية الفاشلة والمنتهية الصلاحية، ومع المجتمع الدولي برمته والذي تعيش العصابة على هامشه، وترفض التقيد بقوانينه واحترام ضوابطه، وتعتبر التدخل في الشؤون الداخلية للدول حقا لها ومن اختصاص خارجيتها، باعتبارها القوة المحورية الضاربة التي لا تُسأل عما تفعل، والجهة الإقليمية الوصية على الشعوب والدول، و"رجل الإطفاء الذي يشعل الحرائق" بتعبير بيان خارجية دولة مالي عند صرخته المدوية في وجه ديبلوماسية العصابة: "لن نسمح لأي جهة خارجية بتنفيذ استراتيجية: رجل الإطفاء الذي يشعل الحرائق".