أفرزت عملية انتخاب هياكل المجلس الجماعي لمدينة أصيلة واقعاً سياسياً جديداً داخل الأغلبية، بعدما قاد النائب الأول للرئيس الراحل محمد بن عيسى، جابر العدلاني، لائحة بديلة لتشكيلة المكتب، تمكّنت من الفوز ب16 صوتاً، مقابل 12 صوتاً فقط للائحة التي تم التوافق بشأنها عقب تزكية الدكتور طارق غيلان رئيساً للجماعة. النتائج التي أسفرت عنها هذه الجلسة لم تعكس التفاهمات السياسية التي سبقت انتخاب الرئيس، والتي كانت تقضي بالإبقاء على نفس تشكيلة المكتب السابق كحل توافقي يضمن الاستمرارية المؤسساتية في مرحلة انتقالية حساسة. غير أن حسابات اللحظة السياسية طغت على منطق الالتزام بالتفاهم، بعدما تم الدفع، في إطار تحرك احترازي داخلي، نحو تقديم لائحة موازية تحسّبا لسيناريو مفترض لتقديم لائحة منافسة من داخل الأغلبية. وبينما التزم الطرف الذي كان يُفترض أنه مصدر القلق السياسي بمخرجات الاتفاق، جاءت المفاجأة من الطرف الذي استُند إليه في بناء ذلك التوازن، ليقود خطوة قلبت المعادلة، وأنهت عملياً هيمنة حزب الأصالة والمعاصرة على أغلبية تركيبة المكتب، رغم احتفاظه بمنصب الرئاسة. وأعاد هذا المستجد، الذي حمل بصمات تحالف غير معلن مع مكونات من المعارضة، وعلى رأسها مستشارون من حزب الاتحاد الدستوري، رسم تموقعات الفاعلين داخل المجلس، وخلق دينامية جديدة قد تؤثر على استقرار التسيير خلال المرحلة المقبلة. وبتزامن هذا التحول مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة سنة 2026، والجماعية والجهوية سنة 2027، ما يجعل من مدينة أصيلة نقطة ارتكاز استراتيجية بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، بالنظر إلى موقعها الرمزي والانتخابي داخل الجهة، وسوابقها في تحقيق نتائج مريحة بفضل شبكة دعم متينة كان يقودها الراحل محمد بن عيسى. ويأتي هذا التصدع في وقت يُنتظر فيه من قيادة الحزب أن تُوضح موقفها إزاء ما حدث، خصوصاً في ظل سوابق تنظيمية مشابهة، من أبرزها قرار الحزب بداية العام الجاري تفعيل مساطر تأديبية في حق ثلاثة مستشارين جماعيين بمجلس جماعة طنجة، بعد مخالفات انضباطية متكررة، اعتُبر بعضها بمثابة "خرق سافر لتوجيهات الفريق الحزبي". وفيما لم تصدر أي مواقف رسمية عن الأمانة الجهوية إلى حدود الآن، يبقى الرأي العام المحلي ومعه المتتبعون داخل الحزب، في انتظار ما إذا كانت القيادة ستتعامل مع واقعة أصيلة بالصرامة ذاتها، أم أن الظرفية السياسية ستدفعها إلى تغليب خيار التهدئة على حساب آليات الضبط والانضباط التنظيمي. وفي جميع الأحوال، تبدو المرحلة المقبلة داخل جماعة أصيلة محكومة بتوازن جديد، لا يعكس بالكامل نتائج التفاهمات السابقة، بل يعكس حدود التماسك الداخلي، ويضع "البام" أمام استحقاق حقيقي يتعلق بإعادة ضبط البيت التنظيمي من الداخل، استعداداً لمحطات انتخابية لن تُرحم فيها الحسابات غير الدقيقة.