أعادت التطورات الأخيرة التي شهدها مجلس جماعة أصيلة الجدل داخل حزب الأصالة والمعاصرة بشأن حدود الانضباط الحزبي، بعد أن نجح جابر العدلاني، النائب الأول للرئيس الراحل محمد بن عيسى، في إسقاط لائحة المكتب الجماعي التي كانت محط توافق داخلي، وتعويضها بلائحة بديلة مدعومة من مستشارين داخل الحزب وآخرين من المعارضة. وجاء هذا "التمرد الانتخابي" بعد دقائق فقط من انتخاب طارق غيلان رئيساً للجماعة، بتزكية رسمية من الحزب، وبأغلبية 22 صوتاً من أصل 28. غير أن ما بدا لحظة توافق سياسي سرعان ما تحوّل إلى انقسام داخلي، بعدما تمكن العدلاني من تمرير لائحته ب16 صوتاً، مقابل 12 فقط للائحة المدعومة من الرئيس، في سابقة أحدثت صدمة داخل التنظيم على المستويين المحلي والجهوي. ويأتي هذا الوضع، الذي لم يصدر بشأنه إلى الآن أي موقف رسمي من طرف الأمانة الجهوية أو المكتب السياسي للحزب، في ظرفية دقيقة تسبق بنحو عام موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، تليها الانتخابات الجماعية والجهوية سنة 2027. وما يزيد من حساسية الوضع، هو أن مدينة أصيلة شكّلت خلال السنوات الماضية واحدة من أبرز القلاع الانتخابية للحزب، بفضل الحضور القوي للراحل محمد بن عيسى، الذي لطالما وفّر غطاءً سياسياً وتنظيمياً مكّن "البام" من بسط نفوذه محلياً دون منازع. ويطرح هذا التطور المفاجئ سؤالاً مركزياً داخل الحزب: هل تلجأ القيادة الجهوية إلى تفعيل المسطرة التأديبية في حق من يُنظر إليهم ك"متمردين" على التوافق الداخلي، انسجاماً مع ما دأبت عليه في محطات سابقة؟ الإجابة عن هذا السؤال تظل معلّقة، لكن تجارب مماثلة غير بعيدة في الزمن توحي بأن اللجوء إلى إجراءات تأديبية يبقى وارداً بقوة. ففي فبراير الماضي، أطلق الحزب مسطرة قانونية لعزل ثلاثة مستشارين جماعيين بمجلس جماعة طنجة، بعد تصويتهم ضد نقطة مدرجة في جدول أعمال دورة رسمية، رغم وجود اتفاق مسبق داخل الفريق الحزبي. وقد وصف الحزب حينها التصويت بأنه "إخلال واضح بواجب الانضباط الحزبي"، وسبق أن جرى تجميد عضويتهم مؤقتاً بسبب مخالفة قرارات مؤسسات الحزب خلال دورة أكتوبر 2023. ووفق مصدر حزبي حينها، فإن هذه الخطوة جاءت في إطار تبنّي الحزب ل"ميثاق أخلاقيات" يُلزم أعضائه باحترام القرارات الجماعية المنبثقة عن مؤسساته التقريرية، معتبراً أن المسطرة التأديبية تهدف إلى حماية مصداقية العمل السياسي ومواجهة كل أشكال الانحراف عن الالتزامات الحزبية. وبالعودة إلى السياق المحلي لأصيلة، تبدو الأمانة الجهوية أمام اختبار حقيقي: إما أن تتفاعل بحزم مع ما جرى حفاظاً على وحدة التنظيم ومصداقيته، أو أن تتجه إلى تهدئة الوضع الداخلي تفادياً لتعميق التصدعات، ولو على حساب مبدأ الانضباط التنظيمي. وفي غياب موقف رسمي، يبقى الرأي العام المحلي في أصيلة يترقّب ما إذا كانت القيادة الجهوية ستكتفي بتسجيل ما جرى كخلاف عابر، أم أنها ستتعامل معه كخرق صريح لخط الحزب وتوجهاته، خصوصاً وأن ما حصل لم يكن مجرد اختلاف على التمثيلية، بل إعادة تشكيل فعلية لمراكز النفوذ داخل الجماعة، قد تؤثر على استعدادات الحزب للمحطات الانتخابية المقبلة، في مدينة اعتادت أن تُسلّم نتائجها ل"البام" دون عناء.