الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا العرائش أنفو في صخب الحياة المعاصرة، يغيب التفكير العميق لتحل محله ردود الأفعال، وتُختزل مفاهيم العقل في القدرة على التأقلم لا على التساؤل. وبين من يتأمل الوجود، ومن يكرر ما قيل له دون مراجعة، تبرز أسئلة جوهرية عن دور الفكر في تشكيل وعي الإنسان، وخاصة في أوساط الجالية المغربية المقيمة بالخارج. هناك فرق جوهري بين من يفكر في الكون والحياة، ومن يدّعي العقل لكنه لا يرغب في التفكير. من يفكر، يعانق التساؤل، ويعيش قلق المعرفة، ويسير في دروب التأمل التي تقوده نحو وعي أكبر بذاته ومحيطه. أما من يكتفي بادّعاء العقل، فهو غالباً ما يكرر أقوال غيره، ويمشي مع القطيع، مطمئناً للوهم، خائفاً من كل فكرة جديدة. في السياق الإسباني، تعيش الجالية المغربية تحديات مزدوجة: الحفاظ على الهوية، والانفتاح على مجتمع مختلف. وهنا يُطرح السؤال: هل تعيش الجالية بعقل ناضج يفكر؟ أم أنها، أحياناً، تكتفي بتمثلات سطحية للعقل تُختزل في العمل والانضباط دون بناء وعي فكري حقيقي؟ العقل الحقيقي لا يعني فقط الامتثال للقوانين أو النجاح المهني، بل يتجلى في القدرة على مراجعة الذات، وفهم الواقع، والتفاعل النقدي مع الثقافات دون ذوبان أو انغلاق. فعلى العاقل أن ينضج بفكره، لا أن يكرر العادات خوفاً من الاغتراب. ومن هذا المنظور، على الجالية المغربية أن تعيش بفكر إنساني، يُقدّم الوعي على الانفعال، ويجعل من الاغتراب فرصة للنمو لا للانغلاق. وهنا لا بد أن نذكّر بحقيقة يغفل عنها الكثيرون: ليس كل من يصلي في المساجد صالح، وليس كل إمامٍ صالح، وليس كل من يدعي العقل صالح. فالصلاح لا يُقاس بالمظاهر، بل بالصدق مع الذات، وبالقدرة على التفكير، والمراجعة، والتصالح مع النفس قبل الآخرين. من أراد أن يكون صالحاً حقاً، فعليه أن يفكر... لا ليُقنع غيره، بل ليصل إلى مرحلة الصلح مع ذاته. وفي هذا السياق، يبرز قول مهم: في كلام القطيع، الراعي مسؤول عن رعيته، لكن في الفكر الفلسفي، الكل له الحق أن يكون راعياً على نفسه. العقل البشري لا يُختصر في التبعية لأحد، بل في القدرة على اتخاذ القرار، وتحمل مسؤولية التفكير والاختيار بشكل حر وناضج. وهنا، يبرز تناقض عميق في الواقع المعاصر الكل يدعي التدين، والكل يكره الفلسفة. والمتدين يظن أنه عاقل، بينما صاحب الفكر يعيش حراً بطريقة تفكيره. الفكر الحر لا يعرف الحدود، ولا التبعية العمياء، بل يطرح الأسئلة بلا خوف ويبحث عن الإجابات بعيداً عن ما يفرضه الآخرون. شباب الجالية بين العقل المدمر والفكر الناضج يواجه شباب الجالية المغربية تحديات فكرية متباينة. بين العقل المدمر الذي يقودهم إلى الاستسلام للأفكار الجاهزة والمقولات السطحية، وبين الفكر الناضج الذي يتطلب منهم التفكير النقدي، وامتلاك القدرة على التغيير والنمو، في سياقين ثقافيين مختلفين. جيل يعيش وأجيال عليها أن تعيش فكرًا، هذا هو المنطق. الجيل الحالي يحمل في طياته المسؤولية الكبرى، ليس فقط تجاه نفسه ولكن تجاه الأجيال القادمة. يجب أن يعيش اليوم بفكر ناضج ليتمكن من إضاءة الطريق للأجيال التي ستأتي بعده.