في خطوةٍ أثارت جدلا واسعا وأثرت بعمق في الأسواق العالمية، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن فرض تعريفات جمركية قياسية على الواردات، ما تسبب في اضطراب اقتصادي عالمي وانهيار في مؤشرات البورصة وعودة شبح الركود والتضخم الركودي إلى واجهة النقاش الاقتصادي الدولي. وبينما سارعت دول كثيرة إلى تقييم الخسائر وإعادة النظر في علاقاتها التجارية مع الولاياتالمتحدة، رأت بعض الأصوات في المغرب بصيص أمل في فرض تعريفة "مخففة" بنسبة 10 بالمائة فقط على المنتجات المغربية. إلا أن هذا التفاؤل السطحي يخفي وراءه فهماً قاصراً لطبيعة النظام التجاري العالمي ومحدودية الدور الذي يمكن للمغرب أن يلعبه في هذه المعادلة غير المتوازنة.
تشير المعطيات الواردة في مدونة "ذا مورش كرونيكلر" إلى أن طريقة إدارة ترامب للتعريفات كانت تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية أو الفهم العميق لتشابكات الاقتصاد الدولي. فالقرار لم يُبْنَ على دراسات تحليلية معمقة أو تفاهمات متعددة الأطراف، بل اتبع معادلة بدائية تقضي بأخذ العجز التجاري الأميركي مع كل بلد، تقسيمه على اثنين، واعتماد النتيجة كأساس لنسبة الرسوم الجمركية. وبالتالي، فإن المغرب الذي لا يسجل فائضاً في الميزان التجاري مع الولاياتالمتحدة، خضع تلقائياً لنسبة 10 بالمائة وهي النسبة الدنيا المعتمدة.
هذه النسبة، رغم انخفاضها مقارنة بتلك المفروضة على قوى كبرى مثل الصين (34 بالمائة) أو الاتحاد الأوروبي (20 بالمائة)، لا تعني إطلاقاً أن المغرب قد كسب امتيازاً تنافسياً أو أن الفرصة سانحة لتعزيز حصته في السوق الأميركية. فالصناعات المغربية الموجهة نحو التصدير، مثل النسيج والسيارات، تعتمد على سلاسل توريد معقدة وقدرات إنتاجية محدودة يصعب أن تحل محل موردين عالميين بين عشية وضحاها. كما أن الاستقرار المطلوب لإبرام شراكات طويلة الأمد أو استقطاب استثمارات صناعية جديدة يبقى غائباً في ظل بيئة تجارية دولية تتسم بالتقلب والضبابية، فمن ذا الذي سيقامر بنقل مصانعه إلى الدارالبيضاء وهو يعلم أن المزاج السياسي في واشنطن قد ينقلب في أي لحظة؟ يُذكّرنا هذا المنطق الانتهازي بموقف مشابه اتخذته المملكة عام 2022 عندما قررت الخطوط الملكية المغربية زيادة رحلاتها إلى موسكو في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أملاً في استغلال الفراغ الذي خلفه انسحاب شركات الطيران الغربية. ولكن سرعان ما جاء الرد من شركات التأمين الأوروبية التي تؤمن أسطول الشركة، حيث هددت بتعليق التغطية، مما كشف حجم التبعية للنظام الاقتصادي الغربي وأجبر المغرب على التراجع. التسرع في قراءة المشهد الدولي وتغليب المكاسب السريعة على المصلحة الاستراتيجية كلف المغرب الكثير في تلك الواقعة، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه اليوم ولكن في شكل آخر. الولاياتالمتحدة، التي لطالما اعتُبرت حامية النظام التجاري العالمي، تبدو اليوم وكأنها تحاول إعادة تشكيل النظام وفق مصالحها الضيقة، مدفوعة بهاجس فقدان السيطرة على اقتصاد عالمي يتغير بوتيرة متسارعة. وبالنسبة لدولة مثل المغرب، فإن هذا التحول ليس مجرد خبر اقتصادي بل تهديد مباشر لاستقرارها الاقتصادي. فالنموذج المغربي القائم على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق استقرار في الميزان التجاري يعتمد على قواعد لعبة واضحة، على احترام العقود، وعلى إمكانية التخطيط بعيد المدى. كلها عناصر تُنسف حين تدخل الأهواء السياسية في صلب السياسات الاقتصادية. علاوة على ذلك، فإن القدرة على التصدير إلى الأسواق الأميركية ليست مجرد مسألة رسوم جمركية. فهناك شروط تقنية وتنظيمية معقدة تتعلق ببراءات الاختراع، وشهادات الجودة، وآليات الدفع، والامتثال لمعايير البيئة والعمل، وكلها تخضع لرقابة أميركية صارمة. وبالتالي، فإن أي تصعيد إضافي من قبل الإدارة الأميركية، سواء في شكل إجراءات رقابية أو ضغوط مالية، يمكن أن يخرج المغرب من المعادلة بكل بساطة، دون أن يكون له حليف حقيقي قادر على حمايته. وفي ظل هذا المشهد الملبد بالغيوم، تطرح " ذا مورش كرونيكلر" تساؤلاً جوهرياً: هل من الحكمة أن يستمر المغرب في اللهث وراء فتات نظام اقتصادي يحتضر؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة توجيه البوصلة نحو فضاءات بديلة تتيح له هامشاً أوسع من المناورة والسيادة؟ إن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) ما زالت تمثل فرصة غير مستغلة، حيث يمتلك المغرب كل المقومات ليكون رائداً فيها: موانئ حديثة، نظام مصرفي متطور، وشبكة علاقات دبلوماسية نشطة في القارة. كما تبقى أوروبا رغم أزماتها الداخلية شريكاً أكثر استقراراً، وأكثر احتراماً للقانون، وأقل تقلباً في سياساته التجارية.