المدير العام لONMT: هدفنا مضاعفة عدد السياح الإيطاليين أربع مرات    آسفي.. شخصان في قبضة الأمن بسبب حيازة السلاح الأبيض وتهديدات خطيرة    اعتقال المعتدي بالسلاح الأبيض على سيدة بالجديدة    السفارة الأمريكية توجه تحذيرا لرعاياها بالمغرب    تظاهرة لليمين المتطرف دعما لمارين لوبن وسط توترات تشهدها فرنسا    الرجاء يغادر كأس العرش على يد الاتحاد الإسلامي الوجدي    لسعد الشابي: الثقة الزائدة وراء إقصاء الرجاء من كأس العرش    جمال بن صديق ينتصر في بطولة الوزن الثقيل ويقترب من اللقب العالمي    من التفاؤل إلى الإحباط .. كيف خذل حزب الأحرار تطلعات الشعب المغربي؟    روسيا تكشف تفاصيل عن إقامة بشار الأسد في موسكو    أمن طنجة يوقف أربعينيا روج لعمليات اختطاف فتيات وهمية    السفارة الأمريكية تحذر رعاياها من مسيرة التضامن مع فلسطين في الرباط    أمن تيكيوين يوقف متهماً بإحداث فوضى والاعتداء على طاقم صحفي    القافلة الطبية الخامسة لطب الأعصاب تحل بالقصر الكبير    توضيحات تنفي ادعاءات فرنسا وبلجيكا الموجهة للمغرب..    مدريد تحتضن حوار الإعلاميين المغاربة والإسبان من أجل مستقبل مشترك    كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة بالمغرب تتحول إلى قبلة لكشافين أوروبيين.. وعبد الله وزان يثير اهتمام ريال مدريد    أساتذة "الزنزانة "10 يرفضون الحلول الترقيعية ويخوضون إضرابا وطنيا ليومين    وزارة الزراعة الأمريكية تلغي منحة مخصصة للمتحولين جنسيا    توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    آلاف المغاربة في مسيرة ضخمة دعماً لغزة ورفضاً للتطبيع    وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر بعد أشهر من التوتر بين البلدين    الرجاء يفتقد خدمات بولكسوت في "الديربي" أمام الوداد    ترامب يدعو لخفض أسعار الفائدة: الفرصة المثالية لإثبات الجدارة    وسط موجة من الغضب.. عودة الساعة الإضافية من جديد    المغرب يتوعد بالرد الحازم عقب إحباط محاولة إرهابية في المنطقة العازلة    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علي حرب – "السفير": مأزق الأحزاب الإسلامية
نشر في مغارب كم يوم 24 - 06 - 2012

الإسلاميون في طريقهم إلى الحكم. الثورة التي أنجبها جيل المعاناة من الشباب وجيل الرفض للظلم والاستبداد، فتحت لهم الأبواب للإمساك بالقرارات أو المساهمة فيها. أسئلة كثيرة جديدة تطرح لفهم مسارات الإسلام السياسي ونقدها، بعد إرهاصات مثيرة للقلق والخوف.. قلق على الديموقراطية وخوف على الحريات وحقوق المرأة، وتساؤل حول علاقات ينسجونها مع الغرب ونأي بالنفس عن فلسطين... نشرت «السفير» مساهمات كل من الشيخ شفيق جرادي والمفكر سعيد ناشيد والدكتور طلال عتريسي والدكتور قاسم عز الدين والدكتور مشير باسيل عون والأستاذ محمد السماك، ونائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية سجعان القزي والأستاذ هاني المصري، والدكتور أحمد بعلبكي والدكتور فؤاد خليل، والدكتور جورج قرم (الجزء الأول) والدكتورة ريتا فرج، والدكتور فؤاد إبراهيم والدكتور جورج قرم (الجزء الثاني) والدكتور عبد الحليم فضل الله والدكتور عبد الإله بلقزيز والدكتور فؤاد مرعي والدكتور محمد شقير والدكتور عبد الغني عماد والدكتور قاسم عز الدين (الجزء الثاني)، وتنشر اليوم مساهمة الدكتور علي حرب... على أن يبقى الباب مفتوحاً للنقاش.
1 قواعد اللعبة
ما يشهده العالم العربي، من حراك ثوري، في غير بلد، قد غير المعطيات وقلب المعادلات، بقدر ما فتح آفاقاً غير مسبوقة للتفكير والتعبير وللتخيل. ولا عودة إلى الوراء، إذ لا شيء، بعد الحدث، يعود كما كان قبله.
هذا ما فعله الناشطون والمدوّنون، من الأجيال الجديدة، ممن أطلقوا الحراك وفجروا الثورات في الميادين ومن على الشاشات. لقد غيّروا قواعد اللعبة وعلاقات القوة، بقدر ما فتحوا أفق التفكير الحي وأبواب الحرية أمام الجميع على اختلاف فئاتهم:
رجل الشارع أو المواطن العادي الذي صار له رأي وموقف ودور.
المرأة التي كسرت طوق الوصاية وشاركت في الحراك على قدم المساواة مع الرجل، وربما تسهم في تحريره من عقدته وخوفه وادّعائه.
المثقفون الذين أخفقوا في مشاريعهم التحررية، فإذا بالثورة تأتي، من حيث لا يحتسبون، لتحرّرهم من سجونهم الإيديولوجية ومن كابوس النظام الأمني والغول السلطوي.
وأخيراً، أسهمت الثورة في تحرير الإسلاميين وتغييرهم، على اختلاف فصائلهم، إخوانيين ونهضويين وسلفيين. إذ هي فتحت الفرصة أمامهم للوصول إلى السلطة عبر صندوقة الاقتراع، أي بالوسيلة الديموقراطية، لا بموجب مؤسسة الشورى؛ كما أنها نجحت في زحزحتهم عن ثوابتهم، اذ أجبرتهم على القبول بالدولة المدنية، والتخلّي عن إدراج الشريعة الإسلامية في بنود الدستور، كما فعل حزب النهضة في تونس، أو حملتهم على إنشاء حزب سياسي لا يعمل تحت يافطة دينية، كما فعل «الإخوان» الذين أسسوا حزب الحرية والعدالة في مصر.
ومع ذلك تثار التساؤلات والشكوك حول نيات الأحزاب الإسلامية واستراتيجيتها. هناك خوف، في داخل العالم العربي وفي خارجه، من أن تعمل على إقامة الدولة الدينية، لتطبيق الشريعة وأسلمة الحياة، تجسيداً لشعارهم القائل: الإسلام هو الحل. الأمر الذي أشعل النقاش والسجال، مجدداً، حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام السياسي في مسار الثورات وفي مصائر المجتمعات.
مقاربتي تقوم على ألا نؤخذ بالشعارات والتصريحات، التي هي مجرد ذرائع أو أقنعة لحجب الوقائع وتمويه المشكلات، أو لتبرير ممارسة الهيمنة والسيطرة.
من يتأمل مجريات الأمور وينظر في مآلات المشاريع والتجارب، يجد أن الإسلاميين لا مصداقية لهم، في ما يدّعونه أو يدعون إليه، سواء من حيث علاقتهم بالدين وقيمه، أو بالهوية وثوابتها، أو بالدولة وطبيعتها.
2 الجوع إلى السلطة
لنتوقف عند القيم الدينية الجامعة، كالتقوى والتواصل والتعارف والتسامح والتآزر والتراحم، وسواها من القيم التي هي الأساس الذي تنبع منه الشرائع والأحكام المتعلقة بحفظ الحقوق وصون الحريات والكرامات. هذه القيم هي آخر ما يفكر فيه الإسلاميون، لأنهم يتصرّفون ككائنات سياسية يحرّكها الجوع الفتاك إلى السلطة من وراء الشعارات الدينية التي هي مجرد قشرة إيديولوجية يسهل تمزيقها وانتهاكها. هذا هو الهم الأصلي عندهم: الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها بأي ثمن كان، كما تشهد التجارب حيث حكم الإسلاميون أو هيمنوا. ولذا نراهم لا يحسنون سوى تقويض المبادئ ونسف الثوابت بالانتقال من النقيض إلى النقيض.
ولهذا، فالخشية لا تتأتى من كون الإسلاميين يريدون تطبيق الشريعة، ليس فقط لأن الشريعة لا يمكن تطبيقها إلا بضدها، بل لأنهم لا يطيقون ذلك، وإنما الأمر مجرد وسيلة لدغدغة مشاعر الجمهور ونيل تأييده. ما يُخشى منه هو أن يحتكروا السلطة ويصادروا حريات التفكير والتعبير، كي يكرروا، بشكل أردأ تجارب الحكومات الاستبدادية.
3 الزيف والتضليل
بالنسبة إلى الهوية الدينية، يتصرّف الإسلاميون بوصفهم حُماتها وحرّاسها، في مواجهة الثقافة الغربية الحديثة. وأعتقد أن هذه الدعوة تفتقر، هي أيضاً، إلى المصداقية، لأن أكثر الإسلاميين هم، في النهاية، نتاج العصر الحديث بألقابهم (دكاترة) وأزيائهم وربطات عنقهم، فضلاً عن معارفهم وعلومهم وأدواتهم، ليس فقط في مجالات العلوم الطبيعية والرياضية والتقنية، بل أيضاً في حقول الفلسفة وعلوم الإنسان.
ولو جرّدوا من مكتسبات الحداثة وآثارها، لما بقي سوى النماذج البائدة والتصرفات الكاريكاتورية أو الإرهابية التي يفاجئنا بها السلفيون الذين تخرجوا من المدرسة الأم، أي من جماعة «الاخوان المسلمين»، وإن خرجوا عليهم. ولا عجب، فالماضي يعود إما كمسخرة وإما بشكله الإرهابي.
فليستيقظ الإسلاميون من سباتهم العقائدي. السلفيون، الذين يصدمونهم بتصرفاتهم البربرية التي يعتبرونها «مسيئة للإسلام والمسلمين»، كما ينعتهم زعيم حزب النهضة التونسي الشيخ راشد الغنوشي، هم الثمرة السيئة لما لقّنوه وعلّموه ونشروه طوال عقود، إذا شاؤوا أن يعرفوا أساس دعوتهم ومبنى أفكارهم. لنعترف بالواقع: الإسلام الفقهي والشرعي لا يطبق إلا على نحو ما يطبقه السلفيون. ولا أنسى، هنا نماذج غارودي العربي، من المثقفين العلمانيين الذين هلّلوا لعودة الدين، أو ركبوا موجته، أو مشوا في ركاب دوله وقادته، فيما هو يعود عودته المرعبة وينتهي نهاياته الكارثية أو الكاريكاتورية.
فالأجدى أن نعترف بالتحوّلات، إذا لم نشأ ممارسة الزيف الوجودي، إذ كلنا أصبحنا ذوي هويّات هجينة محوّلة. والعاقل هو الذي يندرج في زمنه، كي يشارك في صنع عالمه، مستفيداً من إنجازات نظرائه في الإنسانية، بصرف النظر عن هوياتهم وجنسياتهم. فكيف ونحن ننخرط اليوم في واقع كوني سمته الاعتماد المتبادل والتشابك في المصالح والمصائر! من هنا أنا مع رئيس وزراء تونس الشيخ حمّادي الجبالي في ذهابه إلى مؤتمر دافوس للتباحث مع الأوروبيين والأميركيين في ما يخص مسألة التنمية في بلده. فالعلاقات بين الدول تبنى على قيم المداولة والشراكة والتبادل، وليس بمنطق الصدام السياسي أو التمترس العقائدي والديني. لكنّي لست معه بقوله بأنه لا يعوّل على الإمكانيات الذاتية لتونس. لأنّ ما يعوّل عليه أساساً في كل بلد هو إمكاناته وطاقاته عند من يحسن إطلاقها أو استثمارها أو اجتراحها. وهذا يحتاج إلى أفكار خصبة خارقة، تؤدي إلى تجاوز الحدود وخلق شروط جديدة لتحسين مستوى العيش ورفع نوعية الحياة.
4 خُرافة الثوابت
من هنا فإن مقولة الثوابت كما يطرحها حراس الهويات الدينية، هي من أكثر المقولات خداعاً وتضليلاً. إنها حديث خُرافة لأن الواقع هو حراكه المتواصل بقدر ما أن الفكر هو توتره الدائم، مما يعني أن العلاقة بالثوابت، ليست ثابتة بل متحوّلة باستمرار. ولو توقفنا عند الإسلام، نجد بأنه خضع للتبدل والتغير، على مدى تاريخه. ولو استثنينا الفرائض والطقوس، كالصلاة والصوم والحج، نجد بأنه ما بقي شيء على حاله، إذ كل شيء كان يتحرك ويتغير، أو ينمو ويتجدّد، أو ينكفئ ويتراجع، أو ينكفئ، من حيث معناه ودلالاته، أو من حيث قيمته ونِسَبِه، سواء بصورة صامتة وبطيئة أو معلنة وصريحة أو مفاجئة وعاصفة.
فالأجدى بالإسلاميين المعاصرين، من أصحاب المشاريع النهضوية والإصلاحية، أن يتحرروا من عقدة الشيخ محمد عبده،أي عقدة الهوية والمحافظة على الثوابت. هذا ما فعله شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي لم يقل ما حاجتنا إلى الديموقراطية ونحن نملك الشورى، بل أكد أن الديموقراطية، هي بديل عصري للشورى. من غير ذلك ننتهك الشرائع والمبادئ ونحمّل الاسلام ما لا يحمل، أو نسطو على إنجازات الغرب لنسبتها زوراً إلى القرآن.
5 الاصطفاء والقصور
أصل من ذلك إلى عقدة تتحكم بفكر الإسلاميين وسلوكهم، هي الاصطفاء الذي هو سمة مشتركة بين الديانات التوحيدية التي لا تقدم نفسها، كمشاريع بشرية، هي ثمرة العقول والتجارب، بل بوصفها ذات مصدر إلهي، قدسي، متعالٍ... ومع أن هذه الديانات الإبراهيمية ذات مصدر واحد، فإنها تنفي بعضها البعض، لأن كل ديانة تعتقد بأنها وحدها من دون سواها تملك مفاتيح الإيمان والحقيقة والاستقامة. ويزيد المسلمون على ذلك كونهم يعتقدون بأن الله قد اختارهم واصطفاهم، كي يختم رسالته ويبلّغ إلى العالم آخر مقرراته.
ولكن، لا تأخذننا النرجسية الثقافية. فللاصطفاء وجهه الآخر. بمعنى أن الرسل والأنبياء، إذا شئنا تأويل الظاهرة، بعكسها، قد ظهروا في المجتمعات التي تحتاج إلى الوصاية، إما لقصور أهلها أو لأنهم لا يحسنون استخدام عقولهم في تدبير حياتهم وقَوْد مصائرهم. وبالعكس، فإذا كان ثمّة مجتمعات أو أقوام لم تعرف ظاهرة النبوّة أو لم تكن تحتاج إلى مثل هذه العقيدة أو الفكرة، فليس لأنها قد ضلّت السبيل، بل لأنها عرفت كيف تحمل المسؤولية عن نفسها وكيف تستخدم عقولها أو تشرّع لحياتها واجتماعها، من غير وصاية ربانية أو نبوية، كما كان من أمر اليونان والرومان. وهذا معنى ولادة الفلسفة والديموقراطية والشرائع الوضعية، كما تجسد ذلك في علمنة الرؤية إلى العالم وعقلنة الخطاب وتداول السلطة وإنشاء المجالس التمثيلية.
آن لنا أن نتحرّر من عقيدة الاصطفاء، التي ربما كانت ميزة في ما مضى (كالطائفية في لبنان)، ثم صارت علّة أو عُقدة، بل جرثومة، لأنها تلغّم العلاقات بين الطوائف والمذاهب، المتصارعة حول الأسماء والرموز والنصوص، وتشكّل عائقاً يشدّ المجتمعات العربية إلى الوراء، كي يحول دون تمكّنها من تحقيق تقدّمها ونموّها، لكي تشارك في صناعة الحضارة، على قدم المساواة مع بقية المجتمعات، وذلك من غير تهويم نرجسي أو تشبيح عقائدي، بحيث نتصرّف كسائر الناس، لا أشرف ولا أدْوَن، لا أفضل ولا أنقص.
6 الدين مشكلة لأهله
من حيث علاقة الإسلاميين بالدولة بالدولة، لست لأبسّط المسائل وأزيّف الحقائق، كما يفعل علمانيون وليبراليون، يعتقدون أنهم بتأكيدهم على أن الإسلام دين لا دولة، يدحضون حجة الإسلاميين الذين يؤكدون على العكس، بأن الإسلام دين ودولة، من هنا سعيهم لإقامة دولة دينية أو خلافة إسلامية.
الأجدى الاعتراف بالواقع. الإسلام لم يكن مجرّد عقائد أو طقوس وفرائض، وإنما هو أيضاً أحكام وشرائع، أي قوانين استندت إليها الدولة في العالم الإسلامي، وعملت بها، على اختلاف أشكالها وأنظمتها وأطوارها، من خلافة الراشدين إلى السلطنة العثمانية. ولا مجال لنفي ذلك بحجب الواقع وتمويه المشكلة. ومن يفعل ذلك يبقى على أرض الأصولية والسلفية، ويخسر معركته معها قبل أن تبدأ.
غير أن الإسلاميين إذ يطرحون شعار الدولة الإسلامية أو الحاكمية الإلهية أو ولاية الفقيه، لا يتماهون مع السلف كما يدعون، لأن الدول في الإسلام، وإن استندت إلى الشريعة الدينية وأحكامها، لم تسمِّ يومئذٍ دولاً إسلامية، بل سمّيت باسم القائمين بها، فقيل الخلافة العباسية أو الدولة السلجوقية، إذ الدولة قد تخطئ. وعندها ينسب الخطأ إلى صاحبه، لا إلى المرجعية الدينية التي يعتبرونها مقدسة. والأهم أنهم فصلوا بين الحكّام والعلماء، أي بين السلطتين السياسية والرمزية للحدّ من الجور والاستبداد. اما المعاصرون فإنهم يريدون الجمع بين هاتين السلطتين، لكي يمارسوا بذلك استكباراً مضاعفاً دينياً وسياسياً.
على كل حال، لقد بدأ الإسلام ديناً ودولة، ولكن هذه الصيغة لم تعد صالحة، في هذا العصر، إذ من المستحيل أن تدار الدول وتبنى المجتمعات بتصورات الماضين للعالم ونماذجهم في العيش وأنساقهم الفقهية. من هنا فإن طرح الشعارات الدينية، أو السعي لأسلمة الحياة، إنما هو مشروع يعمل ضد الدولة والمجتمع والحياة.
أكثر من ذلك. بات الدين مشكلة لأهله، بالدرجة الأولى، لأن تنظيم الحياة وبناء الأوطان، على أساس العقائد والشرائع الدينية، ولكل عقائده ورموزه، إنما يوقظ الذاكرة الموتورة ويحرك الفتن النائمة ليغلب منطق العصبيات المغلقة والهويات الفرعية على المنطق الوطني الجامع، فاتحاً بذلك نفق الحروب الأهلية، سيما في البلدان ذات التركيب المجتمعي المتعدد، الطائفي أو المذهبي.
من هنا فإن قيام الدولة المدنية، العلمانية، المحايدة، والتي تبنى على أساس المساواة في المواطنة الجامعة، والتي لا تتبنى عقيدة طائفة معينة، قد بات مطلباً لا مهرب منه واستحقاقاً لا يمكن إرجاؤه، لأنه يردع الطوائف عن بعضها البعض، بقدر ما يتيح لها أن تمارس خصوصياتها الثقافية بحرية، ولكن تحت سقف القانون لا فوقه ولا ضده.
7 جنّة السلطة أم جحيمها؟
لا يعني هذا النقد للدين، بالكشف عما يمكن له أن يفعله وعما لا يقدر عليه، إعطاء المصداقية للخائفين من وصول الإسلاميين إلى السلطة لكي يبرروا دعم الأنظمة القائمة المسماة علمانية.
فإخفاق الدول والمشاريع تحت يافطة العلمانية والتقدم والحداثة، معناه أننا تجاوزنا ثنائية الدين والدولة. ثمة دولة علمانية أنتجت أنظمة شمولية، بقدر ما تحولت إلى ديانات حديثة، فمارست بذلك أسوأ أنواع الاستبداد.
المهم كيف تمارس السلطات، أيا كان العنوان والشعار. قد تدار الدول بعقل مدني، تعددي، ديموقراطي، مبناه التوسط والتداول والشراكة، وبالعكس. قد تدار بعقل أصولي، اصطفائي، أحادي، لكي تنتج أشكالاً جديدة من العبودية، هي الأسوأ والأخطر، بقدر ما تجمع صنمية الزعيم الأوحد إلى قدسية المعتقد.
وفي ما يخصّ الإسلاميين، الذين فتحت أمامهم الآن جنّة السلطة، فإذا شاؤوا، أن يحكموا بالاستناد إلى الشريعة، فإنهم سيشهدون على جهلهم وادعائهم وعجزهم، بقدر ما يفشلون ويفتضح أمرهم، إذ من المستحيل، في هذا العصر، بناء دولة أو تنمية مجتمع أو تقدم بلد بأفكار الماضيين وشرائعهم ومعاييرهم وأدواتهم.
من هنا، هم الآن أمام التحدي. إما أن يتمترسوا وراء الثوابت لانتهاكها وتحويلها إلى عوائق أو مساوئ أو كوارث، وإما أن يتغيروا، في ضوء المتغيرات، بابتكار ما تحتاج إليه المجتمعات العربية، لكي تنمو وتتقدم وتشارك في ادارة الشأن الكوكبي من العناوين والمفاهيم أو الصيغ والنماذج أو النظم والوسائل... وذلك يقتضي إتقان لغة الخلق والإبداع، وبما يتيح إطلاق الطاقات الحية وتشغيل العقول المعطلة، لاستغلال الموارد أو لخلقها إن لم توجد، بتحويلها إلى نماذج للتنمية أو مراكز لإنتاج المعرفة أو صيغ لتداول السلطة وتطوير الديموقراطية...
8 العين النقدية
أخلص من ذلك إلى القول: من السذاجة والغفلة الركون إلى الشعارات والتصريحات أياً كان أصحاب الدعوات والسلطات. فالإنسان لا يولد حرّاً كما توهّم روسو. ولا هو يحب الحرّية والعدالة والحقيقة، كما توهّم الكثيرون ممن ترجموا الشعارات بأضدادها، إذ تعاملوا معها كبداهات أو حقائق مسبقة، بينما هي وقائع يتم خلقها وإنتاجها، بقدر ما هي صناعة وتحويل، أو بناء وتركيب.
قد يقول الواحد، صادقاً، انه يحب الحرية أو الحقيقة. ولكن المرء ليس هو سيد نفسه أو مالك حرية سيما اليوم، حيث يفقد الكثير من سيادته على نفسه وعلى أشيائه. في أي حال ليس المرء ما يتصوّره أو ينطق به. الأهم والأخطر هو ما يحاول حجبه والتستّر عليه أو التهرّب من مواجهته، أو ما يستعصي على فهمه ممّا هو خارج عن نطاق التفكير وسيطرة العقل. هذا الجانب المنسوج من الأهواء والنزوات والحساسيات والعقد والأحقاد، هو ما يفاجئ ويصدم بالأعمال المسيئة أو الانتهاكات الفظيعة أو الإخفاقات الذريعة.
هذا ما يفسر لنا كيف أن السلطة لا تكف عن إنتاج التفاوت أو الاستبداد أو الاستبعاد أو الانتهاك، أياً كانت طبيعتها، ولو كان أصحابها دعاة حرية أو يؤمنون بالديموقراطية. تشهد بذلك أزمة الديموقراطية في المجتمعات الغربية، وتشهد به في العالم العربي، بنوع خاص، المآلات البائسة للمشاريع الحضارية المتعلقة بالنهوض والاصلاح والتقدم، سواء على جبهة الحداثة أو في معسكر الدين.
من هنا لا ديموقراطية من دون «عين نقدية» يمارسها المجتمع على نفسه، في أمكنة الفضاء العمومي ومؤسساته، عبر المعارضة السياسية، أو هيئات المجتمع المدني، أو انتقادات المواطن العادي، فضلاً عن الدور النقدي، التحليلي والتنويري، الذي يلعبه المثقفون على اختلاف اختصاصاتهم ومجالات عملهم.
بذلك نتجاوز ديموقراطية «البرلمان» التمثيلية الموسمية، نحو أشكال أخرى، قد تمارس، بصورة مباشرة، لكن استثنائية، كما في «الميدان»، أو بصورة يومية وحيّة، عبر «الشاشة والصحافة»، وتلك هي «الديموقراطية الفعّالة» المركّبة، المتعدّدة الأشكال والمستويات. انها عمل يومي لا يتوقف عن أعمال الرقابة والنقد والتدخّل... بقدر ما هي سيرورة متواصلة تغتني وتتجدد بتوسيع مساحاتها وأطرها وآلياتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.