ذكرتني بألم وحصرة فواجع الانهيارات المتلاحقة للمنازل الآيلة للسقوط بتراب المدينة القديمة للدار البيضاء، على رؤوس أصحابها وما خلفته من قتلى وجرحى ومن مآسي وأحزان وكأننا في حالة حرب، ذكرتني بمشاركتي مكرها في أحد الإحصاءات العامة للسكان والسكنى ، فواجع القتل الغادر التي تقع من حين لآخر جراء انهيارات الدور والمنازل القديمة، وما يعقبه من تأسف وترحم المسؤولين على أرواح الضحايا في التلفزيون، وبعد أن تكون الجهات المسؤولة حكومة ومنتخبين وسلطات محلية ومركزية قد سارعوا كلما وقعت الفجيعة إلى تكوين وإعادة تكوين لجان الإحصاء وإعداد التقارير تلو التقارير، لا زالت تذكرني هذه الفواجع، والألم يعتصر قلبي، بمشاركتي في عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى بعمالة مقاطعات الدارالبيضاء أنفا، تحت طائل العطالة، ومن أجل الحصول التعويض المالي الذي قد لا يكفي حتى لسداد مصروف الجيب لشهر واحد. وأنا آنذاك عاطل عن الشغل وحامل لشهادة جامعية. وحتى أستفيد بالتالي من تلك التعويضات التي تكون عادة مخصصة لمختلف فئات المشاركين في عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى. وبعد أن خضعت لتكوين نظري في تقنيات الفرز وتعبئة الاستمارات بالمعطيات والبيانات الإحصائية الدقيقة، كما خضع غيري من المعطلين حاملي الشهادات الجامعية وجميع الأطر البشرية لتكوين خلال الفترة التي سبقت مباشرة الإحصاء. وأتذكر أنني والفوج الذي كنت أنتمي إليه، كنا تلقينا تكوينا متواصلا ومركزا أشرف عليه مكونون وأطر من المندوبية السامية للتخطيط بثانوية ابن تومرت العريقة. وكانت وصفت آنذاك المندوبية السامية للتخطيط ذلك الإحصاء بأكبر عملية إحصاء للسكان والسكنى يشهدها المغرب منذ الاستقلال، وكان الهدف منها هو تحديد السكان على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي، والتوفر على مختلف المعطيات الديمغرافية والسوسيو اقتصادية للسكان، وتحديد عدد الوحدات السكانية وخاصياتها، وأسطر هنا على جملة " تحديد عدد الوحدات السكانية وخاصياتها" ومعرفة ظروف سكان الأسر، علاوة على توفير قاعدة معطيات يستعملها المغرب لإنجاز البحوث المتخصصة التي تحتاج إليها البلاد في قطاعات معينة في ما يستقبل من أيام. ولسوء أو حسن حظ هذا العبد الضعيف لله ، فقد كان الرقعة السكانية التي كلفت بمسحها، أي بإحصاء سكانها ومساكنها هي درب الطاليان وجزء من المساكن الآيلة للسقوط في الجهة المقابلة، بعد أن تم ترحيل العديد منهم إلى جهات أخرى، فقد سبق قبل الإحصاء العام المعلوم أن عرفت نفس المنطقة فواجع موت مماثلة وإصابات خطيرة جراء انهيارات سابقة لمنازل قديمة كانت آيلة للسقوط. ومادام الإحصاء العام هو العملية الوحيدة التي تشمل جميع الأسر والبيوت والفئات العمرية والاجتماعية. فقد أتاحت لي فرصة الانخراط في عملية الإحصاء العام (كفارز) أن أقف في عين المكان وعلى الأرض على مجموعة من الحقائق والخبايا الصادمة التي قد لا تعكسها الأرقام والبيانات المؤرشفة، أو تلك الأرقام التي تمت معالجتها معلوماتيا بالحاسوب، فهي تظل مجرد أرقام لا أقل ولا أكثر. خلال قيامي بعملية الإحصاء، خاصة لما وصلنا إلى الجهة التي تضم المنازل والدور القديمة الآيلة للسقوط في أي لحظة وحين. كنت أطرق باب كل مسكن وكل دار من هذه الدور، وبعد أن أقدم نفسي وأكشف عن هويتي بالقول: "أحنا أسيدي.. أو ألآلة.. أو أولدي.. مالين الإحصاء" يفتح في وجهنا الباب ويرحب بنا للدخول إلى داخل هذه المنازل المسماة منازل، حيث يعيش مواطنون مغاربة كيفما أتفق. كنت أضع في اعتباري أنه قد تسقط علي شرفة بيت متصدع أو حائط متهاوي أو زنكة طائشة أو أن أسقط في حفرة أو في قعر.. لكنها مشيئة الواقع المر الذي ساقني إلى هنا، لأعيش مع هؤلاء الآدميين (المواطنين) معاناتهم التي لا تنتهي وجراحاتهم التي لا تنذمل.. هل أقول أنني أنا أحسن منهم حالا.. لا.. بل كنت اعتبر نفسي واحدا منهم وجزءا منهم، لأنني بكل بساطة أنتمي لنفس طبقتهم الاجتماعية، الطبقة الفقيرة والمسحوقة الكادحة حيث هم يصنفون.. الفرق الوحيد بيننا أنني أنا أسكن في حي شعبي بناياته قديمة قدم الزمن لكنها قاومت عاديات الزمن ولم تسقط فوق رؤوسنا .. هي مشيئة الواقع الذي يعلى ولا يعلى عليه، مشيئة القدر .. عليا أن أقوم بعملي وهو إحصاء هذه الساكنة وإلا فإن المراقب سيمر من ورائي ويسجل بحقي مخالفة قد تتسبب لي في أن أحرم من التعويضات.. و"نولي هي شيما درتو". لكل منا إكراهاته وظروفه الخاصة به. لا زلت أتذكر، كم كان هؤلاء المواطنين الذين مات بعضهم في حرب السقوط المدوي للمنازل المتهالكة أو الذين لا زالوا ينتظرون الذي يأتي ولا يأتي، كم كانوا طيبين، اقتسموا معنا اللقمة، تقاسمنا معهم خبزهم وشايهم ومائهم. إلى درجة أننا أصبحنا واحدا من أفراد العائلة، كثيرا ما كان يصادف دخولنا على بعض الأسر منازلهم وهم يهمون بتناول الطعام، فيدعوننا بإلحاح وكرم إلى اقتسام الطعام معهم "شركنا معاهم الطعام". لكني لا زلت أتذكر أن ما كان يحز في نفسي وأنا لا أقوى على مصارحتهم، وبرغم ذلك كان ضميري يملي عليا أن أقول لهم الحقيقة في آخر المطاف، كل من صادفتهم وجالستهم خلال قيامي بالإحصاء، أول ما يسألون عنه، هو متى سيتم نقلنا إلى الدور الجديدة .. "جيتو تحصيونا باش تعطيونا الديور فين نسكنوا.. راه شي نهار غادي تطيح علينا هاذ الدار أحنا وليداتنا"، كنت أنظر إلى وجوههم اليائسة والحزينة، وأتأمل سحناتهم وتقاسيم وجوههم التي كانت غنية عن كل تعبير. كنت أخبرهم أننا نقوم بعملية الإحصاء لا أقل ولا أكثر ، وليست لدينا أي علاقة بترحالهم أو تمكينهم من المنازل التي قيل، والله أعلم، أن السلطات المعنية أعدتها لهم بضواحي المدينة والتي انتقلت للسكن فيها بالفعل عدة أسر كانت تسكن بجوارهم أو معهم هذه المنازل الآيلة للسقوط . كانوا لا يتقبلون هذه الحقيقة، والكثير ممن جالستهم و"شاركت معهم الطعام" كانوا يصدمون بمجرد سماعهم أن الإحصاء فقط لتعرف الدولة كم نحن من مليون، ويعلقون "آش دار لينا أحنا هاذ الإحصاءات؟؟". يا أصدقائي ويا إخواني.. المروي لهم المفترضون، الذين يستمعون الآن لقصتي هاته.. عندما وصلت وأنا أواصل عملية الإحصاء إلى منطقة أخرى في خريطة الإحصاء والفرز التي كلفت بها، زنقة تسمى لكريمات، وجدت أناسا يعيشون في منازل تشبه مغارات أو أكواخ وكهوف، تنتمي إلى العصور الوسطى، يعيش بها عجائز ومسنون، كيف يقتاتون وكيف يدبرون حياتهم المعيشية اليومية؟، الله وحده هو الذي يعلم. وكلما وصل وقت مغادرة هذه الزنقة بالذات، كنت لا أستطيع أن أحبس دموعي، وأحس بغصة في حلقي، فأقول أحدث نفسي: "أن من يتحكم في مصائرنا، كم هم ساديون وتافهون". ربما في يوم من الأيام، قد أعود مرة ثانية لأحكي وأروي تفاصيل أخرى من مشاهداتي عن تجربتي مع الإحصاء العام للسكان والسكنى، تفاصيل صادمة وأكثر مرارة، وقد أسطر مرة أخرى على مبدأ " تحديد عدد الوحدات السكانية وخاصياتها". أنا يائس وحزين، لما يحدث في هذا الوطن الذي يلفظ مواطنيه ويموت فيه الناس ميتتهم الغادرة، ميتة الفاقة والحاجة، ميتة سكن يؤويهم وأبنائهم وأطفالهم، ميتة مسكن يحفظ كرامتهم وآدميتهم. أنا يائس وحزين، لما يقع في هذا الوطن من مآسي وأحزان وفواجع، لا تصيب إلا فقراء وضعفاء الشعب "غير الناس اللي ما في حالهومش"، ولأنني منهم سأظل يائسا وحزينا حتى يثبت العكس. استدراك: ثلث التعويضات التي تسلمتها بواسطة شيك من إحدى الوكالات البنكية بالدارالبيضاء، نظير مشاركتي في الإحصاء العام للسكان والسكنى الذي على البال، ذهبت رفقة أختي واشتريت به ملابس من المعرض التجاري الذي عادة ما يقام كل شهر رمضان بفضاء المعرض الدولي، الذي لا يبعد سوى ببضع أمتار عن جغرافية المساكن والسكان الذين أحصيتهم وارتبطت بهم بعلاقة صداقة وأخوة غير مسبوقة، لا زالت قائمة إلى يومنا هذا، فكل ما نزلت إلى درب الطاليان أو إلى أحد الأحياء المجاورة لمقر المعرض الدولي التي قمت فيها بالإحصاء العام إلا والتقي بأحدهم فيعانقني وأبادله العناق. لكن كم كانت خيبتي كبيرة، وأنا اكتشف مع مرور وقت ليس بالطويل، أن الملابس التي اقتنيتها من تعويضات الإحصاء العام للسكان والسكنى كانت ملابس صينية لا تدوم جودتها ولا تقوى على الصمود مع مرور الزمن.