يجمع كل فلاسفة الترجمة والمترجمين والباحثين على أن الترجمة بدأت بعد حادث "بلبلة الألسن"، والذي كان بمثابة عقاب إلهي للبشرية في الأسطورة البابلية، رغم أن هذه الميثولوجيا التوراتية تمجد الساميين وبناءهم الميتافيزيقي، حيث تزعم أنه بعد بناء برج بابل الشاهق، عاقبها الله بأن مسخ لغتها، وتحولت إلى لغات تحتاح إلى وسطاء لكي تتفاهم شعوبها، بعد أن كانت شعبا واحدا ولغة واحدة. يعارض أمبرتو إيكو هذا التصور في مقالته "من آدم إلى البلبلة اللغوية" : "لقد كان من الطبيعي، عند توارث الميراث (الثقافي) المسيحي أن ينصب التركيز على حدث البلبلة البابلية، وأن تعدد الألسن فُهمَ بوصفه نتيجة مأساوية لنقمة إلهية. كان سفر التكوين، في معظم الأحيان، مهملا أو تم اختصاره زمنا طويلا في حقبة رهبانية؛ إذ لم يكن الأمر يتعلق بتعدد اللغات، بل بتباين في اللهجات القبلية. لكن إذا كان من السهل تأويل سفر التكوين- حيث كانت هناك في البدء لغة واحدة ثم أصبحت 70 أو 72 لغة تبعا للميراث المسيحي الذي سوف يشكل نقطة الانطلاق لكل حلم ب"إعادة بناء" اللغة الآدمية- فإن سفر التكوين، بالمقابل، يحتوي على افتراضات مذهلة. فلئن كانت اللغات قد تباينت بعد نوح فلماذا لم يكتب لها التباين، كذلك، من قبل؟ هنا تكمن إحدى الثغرات في أسطورة بابل، فإذا كانت اللغات لم تتباين بعد العقاب وإنما تباينت تبعا لتوجه طبيعي وعادي فلماذا، إذن، تم تأويل البلبلة اللغوية على أنها نقمة؟". ويتفق معه دوجلاس روبنسون في مقال بعنوان: "برج بابل"، انتقد فيه انشغال البشرية بأسطورة اللغة الواحدة، ويشبه المترجم ب"الطبيب الذي يداوي - ولو بشكل ضئيل - سقم تشتت الألسن الذي حدث في بابل"، حيث ينتقد الأسطورة التوراتية التي تتحدث عن آلهة وليس إله واحد: "هذا ولا تعد قصة برج بابل مرسوما إلهيا لظهور المترجمين، فالآلهة لا تقول : " لنشتت لغتهم، حتى تكون هناك ترجمة"، بل تقول: " لنشتت لغتهم، حتى لا يستطيع أحدهم فهم حديث الآخر" . والقولان كما هو واضح مختلفان تماما لفظا وموضوعا، فالأخير يبدو وكأنه حظر تجول لأي أشكال الترجمة أو الاتصال عبر الحواجز اللغوية، ويحمل القول كذلك معنى حذر الآلهة من تهديد البشر لأمنهم"، ويبدو دوجلاس كأنه يتفق مع نيتشه، الذي اعتبر أن الترجمة كانت "أحد أشكال الغزو"، فهو يخلص في نهاية مقاله إلى أنه : " وبالنظر إلى امتلاء القلوب بالشوق والحنين إلى اللغة الأصلية، نجد أن جميع محاولات الترجمة تصبح غير ذات جدوى بشكل مثير للشفقة، حيث يكون المترجم طاعنا في اللغة، لأنه يفشل في إعادتنا إلى الحالة الأولى قبل ظهور الحاجة إلى الترجمة". بخلاف نيتشه، اعتبر مواطنه هيدغر "الترجمة ضرب من أدب الضيافة إزاء تراث ما"، إنها إيواء للآخر، للغريب.. "استضافة الغريب" بتعبير جاك دريدا، وبهذه الضيافة اللغوية التي يجد فيها المترجم سعادته، والتي بها نخفف عن النص المترجم محنة الغربة، أو لنقل مع فتحي المسكيني :" إن الترجمة ضيافة كونية بالمعنى المتعالي : فهي تستمد مشروعيتها من "حق" العقل الإنساني، ممثلا هنا من خلال النصوص "الأجنبية" التي شكلت ماهية الإنسانية الحالية، في "المرور" في أفق لغتنا، بمعنى مقتضب "حق" المواطنة في العالم، من جهة ما هو "أرض" روحية لامناص من اقتسامها بسبب أنها "كرة"، أي دائرة تأويلية مشتركة ومحدودة هي المحيط التاريخاني الوحيد للعقل الإنساني الحالي" . ولأن "الترجمة خدمة سيدين، الأجنبي في غربته والقارئ في رغبته التملك"، يمكننا أن نعتبر الترجمة محنة أيضا، إنها رهان صعب، حسب بول ريكور، وفي بعض الأحيان من المستحيل رفعه. هذه الصعوبات يختصرها بدقة لفظ "محنة" ذي المعنى المزدوج باعتبارها "معاناة مستديمة" و"امتحان"، إنها وضع أمام الامتحان، كما يقال، لمشروع، أو رغبة، أو حتى دافع، إنها دافعية الترجمة. ولكي يوضح هذه المحنة يقترح بول ريكور مقارنة "مهمة المترجم"، التي تحدث عنها فالتر بنيامين بالمعنى المزدوج الذي أعطاه فرويد لكلمة "عمل" عندما تكلم عن "عمل الذاكرة" وعن "عمل الحداد"، فأثناء عمل الترجمة أيضا نعمد إلى نوع من الإنقاذ وإلى نوع من التعويض عن الخسارة. وحسب ريكور، لا يوجد معيار مطلق للترجمة الجيدة، ولكي يكون هذا المعيار متوفرا فإنه يتعين الوصول مع نص ثالث يكون حاملا لمعنى مشابه يفترض تنقله بين النص الأول والثاني، وهو نفس الشيء التي يتردد عند هذا التفريق وذاك، وقد تبدى لصاحب "محنة الغريب" أن سعادة المترجم صنعت تعاسة هولدرلين، الذي حطمه طموحه لإذابة الشعر الألماني والشعر الإغريقي في شعر متعال، حيث يلغي الاختلاف بين اللغتين، "ومن يدري لعل نموذج الترجمة المثالية التي تحافظ في نهاية المطاف، على الحنين بواسطة اللغة الكونية. يبقى التخلي عن حلم الترجمة المثالية هو الاعتراف بالاختلاف الذي لا يمكن تجاوزه بين الذاتي والأجنبي وتبقى محنة الأجنبي قائمة". وفي ثقافتنا العربية يمكن الحديث عن أشهر "خطأ" في الترجمة، نتحدث عن خطأ وليس خيانة، وردت في قصة بورخيس "بحث ابن رشد"، يصف فيها فيلسوف قرطبة، وهو منهمك في كتابة "تهافت التهافت"، ردا على كتاب حامد أبي الغزالي "تهافت الفلاسفة"، ولم يتمكن من مواصلة التدوين عند اصطدامه بكلمتي "التراجيديا" و"الكوميديا" في كتاب "فن الشعر"، لأن الأمر يتعلق بأشكال فنية يجهلها التراث العربي، ولجأ إلى خزانته، وخاب أمله، وتعذر عليه حل المشكل، رغم كل الكتب التي يتوفر عليها، فوقف خلف نافذة غرفته يراقب ثلاثة صبيان يلعبون، أحدهم يقوم بدور المؤذن الذي اعتلى كتف صبي آخر باعتباره صومعة، فيما سجد الثالث يؤدي الصلاة، ولم يخطر ببال الفيلسوف أن هذه اللعبة تمثيل حي لفكرة الأذان والصلاة، وعندما خرج إلى مجلس أصدقائه، تحدث أحدهم عن عجائب مشاهداته أقصى الشرق، وعن احتفالية غريبة في الصين، يفهم منها القارئ أن الأمر يتعلق بعمل مسرحي. ولما عاد في آخر الليل واصل الكتابة في مخطوطته، فدوّن : "يطلق أرسطو كلمة "تراجيديا" على المديح والإطراء، فيما يطلق على الهجاء والذم كلمة "كوميديا"."، ثم ذكر أن القرآن الكريم والمعلقات يحفلان بأمثلة من ضروب القول في هذه وتلك. وقد قاد سوء الترجمة، حسب د. عبد الله إبراهيم، إلى سوء الفهم ثم خطأ التأويل، فقد اعتمد ابن رشد على ترجمة القنّائّي، وترتب على ذلك الوقوع في سلسلة متلازمة من الأخطاء الثقافية، إذ يثير تلخيص ابن رشد لكتاب "فن الشعر" مشكلة كبيرة، تتمثل في محاولته نقل أنواع أدبية نشأت في سياق ثقافي آخر مختلف لم يعرف تلك الأنواع، وهي محاولة لم توفق؛ لأن الشارح لم يكن على بينة من طبيعة تلك الأنواع وخصائصها الفنية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إنما تخطاه إلى إيجاد مماثلة بين "أغراض" شعرية عربية و"أنواع" أدبية يونانية، وذلك يكشف أن ابن رشد لم يأخذ في الحسبان السياقات المختلفة بين الثقافتين العربية واليونانية، ولم يلتفت إلى التباين بين "موضوعات" الشعر عند العرب، و"أنواعه" عند اليونان. إذا كان مالك حداد يعتبر الكتابة بلغة الآخر، المستعمر هي منفاه الرمزي، ولن نلوم نيتشه في نظرته القاسية إلى الترجمة، فإن عبد الفتاح كيليطو، الذي يجيد الكتابة باللغتين معا؛ العربية والفرنسية، لا يعرّب كتاباته الفرنسية، بل يتولى ذلك كاتب آخر، حتى لا يكتب نصا آخر، لهذا يبدو شغوفا باستعارة "لسان الأفعى"، ذلك اللسان المشطور.. كناية عن "الازدواجية اللغوية"، وفي كتابه "من شرفة ابن رشد" نقرأ : " حين نتكلم لغة، (أو عن لغة)، فنحن نلحق الضيم بالأخرى، والمؤكد المعلوم أن هذه الأخيرة لا تنتظر سوى لحظة الثأر . أشار إلى ذلك الجاحظ، في القرن التاسع للميلاد، بواسطة استعارة : اللغتان، مثل الضرتين، لا يمكن أن تتفاهما، بينهما حرب إبادة، بدون رحمة ! الجاحظ تروقه المواقف حيث يواجه الإنسان قرينه، وقرناءه. يذكر في كتاب "البخلاء" أخوين لا يملكان هما الإثنان سوى ثوب واحد؛ لما يخرج أحدهما يبقى الآخر في البيت. وإذا صدقناه (لكنه لا يصرح بذلك)، لا يمكن الحديث عن اللغات دون الحديث عن الزواج الأحادي، والزواج بإثنين، بل حتى عن تعدد الزوجات".