بينما اجتمع أقوى رؤساء عشرين اقتصادا في العالم في همبورغ شمال ألمانيا للخوض في مواضيع شتى، ستعمل ألمانيا على الترويج لمبادرتها "مشروع مرشال لإفريقيا". في كلمة له أمام الصحافة، قال الوزير الاتحادي للتنمية كرد مولر (Gerd Müller)، عن الحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي، "نحن، الدول الغنية، قمنا بتفقير القارة الإفريقية. مجموعة العشرين يمكنها أن تغيير هذا الوضع". من بين الدول التي أبدت رغبتها في الاستفادة من "مشروع مرشال لإفريقيا" هناك كل من تونس، غانا، وكوت ديفوار. كما يبقى المغرب والسنغال ورواندا من بين الدول المرشحة للاستفادة من دعم المبادرة. فما هو هذا المشروع وما هي الأهداف المتوخاة منه؟ "مشروع مرشال لإفريقيا" في عشر نقاط 1- تم تقديم "مشروع مرشال لإفريقيا" أول مرة يوم 24 نوفمبر 2016 من طرف الوزير الاتحادي للتنمية، كرد مولر، في كلمة له أمام سفراء الدول الإفريقية في مقر وزارته ببرلين. تصبو المبادرة، كما نشرتها الوزارة الاتحادية على صفحتها الرسمية في الشبكة العنكبوتية، إلى وضع: 2- ميثاق جديد من أجل مستقبل إفريقيا: فإلى غاية 2050 سيتضاعف عدد سكان القارة ليصل إلى 20% من تعداد سكان العالم. يشكل هذا الوضع تحديا وفرصة في الوقت ذاته. أوروبا يمكنها أن تساعد بالعلم والابتكار، وبالتقنية الحديثة، وبالمساهمة المباشرة من أجل التغلب على هذه التحديات. 3- إفريقيا تحتاج إلى حلول إفريقية: تريد أوروبا الوقوف إلى جانب الاتحاد الإفريقي من أجل ترجمة برامج الإنماء التي سطرها الاتحاد من خلال بلورة شراكات ومن خلال التعاون الاقتصادي، سيلعب فيهما عاملا المبادرة والمسؤولية الذاتية دورا مهما. إفريقيا ستكون حينها ليس شريكا اقتصاديا فحسب، بل أيضا شريكا في رسم مستقبل التعاون بين الطرفين في المجال التجاري، المالي، البيئي، الفلاحي، وفي السياسة الخارجية والأمنية. 4- الأسبقية لمناصب الشغل وخلق فرص للشباب: يجب أن يحظى شباب إفريقيا بمستقبل في إفريقيا. 20 مليون شاب إفريقي يتدفقون سنويا إلى سوق الشغل. التحدي الرئيسي هو خلق مناصب شغل وفرص للتكوين المهني. الشباب الإفريقي في حاجة إلى التبادل بجميع أنواعه مع أوروبا. على أوروبا أن تطور تصورات تمكن من فتح قنوات لهجرة مقننة وتحارب الهجرة السرية. 5- الاستثمار في مبادرات القطاع الخاص: عبر تحفيز شركات القطاع الخاص الألمانية على الاستثمار في إفريقيا. فالقارة لا تحتاج إلى هبات اقتصادية، بل إلى استثمارات خاصة. 6- تثمين القدرات الإنتاجية بدل الاستغلال الاقتصادي: إفريقيا هي أكثر من مجرد أن تكون قارة للمواد الخام. الفكرة الرئيسية ل"مشروع مرشال لإفريقيا" هو نهج سياسة اقتصادية جديدة من بين أولوياتها تنويع الاقتصاد، خلق السلاسل الإنتاجية، دعم مُركّز للقطاع الفلاحي وللشركات الصغرى والمتوسطة. من جانبه يجب على الاتحاد الأوروبي العمل من أجل تسهيل ولوج السلع الأفريقية إلى أسواقه ورفع الحواجز الجمركية القائمة. 7- دعم والتأكيد على خلق بيئة سياسية ملائمة: وذلك من خلال ترسيخ دولة الحق والقانون، المشاركة السياسية للمرأة والرجل وإدارة فعالة بدون فساد. هذه العوامل هي شروط التطور الاقتصادي المستدام، الذي يجب أن يعود بالنفع على جميع طبقات المجتمع وليس فقط على صفوته. هذا ما سندعمه وما نطالب به بشكل ملح. 8- الإصلاحات مقابل الدعم: مستقبلا سنقوي دعمنا خصوصا لتلك البلدان، التي تقوم بإصلاحات في مجال الحكامة، حماية حقوق الإنسان وإصلاحات في المجال الاقتصادي. 9-إطار دولي عادل: الإصلاحات في إفريقيا يجب مواكبتها بإصلاحات على الصعيد الدولي عبر نظام تجاري عادل، محاربة التدفقات المالية غير القانونية ووقف بيع السلاح في البؤر المتوثرة. زيادة على ذلك يجب توطيد التعاون الأورو-إفريقي، وندعو إلى منح إفريقيا مقعدا دائما في مجلس الأمن الدولي وتمثيلية أفضل في المؤسسات الدولية، بما في ذلك منظمة التجارة الدولية. 10- المساعدات الدولية وحدها لن تكون هي الحل: على الدول الإفريقية نفسها توفير أموال من خلال تحسين تحصيل الضرائب مثلا. لن نتخلى عن أي أحد: ألمانيا واعية بمسؤوليتها أمام أقل البلدان تطورا. "مشروع مرشال لإفريقيا" يضع حاجيات الإنسان الأساسية في قلب اهتماماته: الأمن الغذائي، الماء، الطاقة، البنية التحتية، الرقمنة، الرعاية الصحية، الولوج إلى التعليم، خصوصا للنساء والفتيات. كما يجب مراعاة فرص وتحديات التمدن، إلى جانب تثمين المجال القروي وقطاع الفلاحة. المؤيدون ل "مشروع مرشال لإفريقيا" هذه هي الخطوط العريضة ل "مشروع مرشال لإفريقيا". الداعمون لهذا البرنامج يؤكدون على دور التعليم بجميع مستوياته، وكذا على التوجيه الدراسي للشباب والتنسيق مع الفاعليين التربويين (من مدارس، مراكز التكوين المهني، جامعات، متدخلين اقتصاديين). كما يدعون إلى تسهيل حرية تنقل الباحثين والعلماء وتكوين الأساتذة وتأهيل المؤسسات التعليمية. ولأن المستهدف الأول من خلال هذا المشروع هم الشباب، فيجب تشجيع هذه الفئة على المبادرة والابتكار وتأسيس الشركات. هنا من الضروري على دول إفريقيا تسهيل المساطر القانونية وتيسير شروط الحصول على التمويل. إلى جانب التعليم والتكوين المهني هناك مجالات شتى يمكن ل "مشروع مرشال لإفريقيا" استهدافها؛ من بينها القطاع الزراعي، الذي يجب عصرنته من أجل الإجابة عن التحديات الديموغرافية للقارة. كما يجب محاربة الرعي الجائر، محاربة التصحر، مراقبة السلاسل الغذائية وإحلال السلام في الكثير من بلدان القارة. على الصعيد الاقتصادي، من الضروري تشييد مصانع في إفريقيا غايتها تحويل المواد الخام الإفريقية بدل تصديرها في حالتها الخام إلى آسيا، ومن تم مصنعة إلى أوروبا، بهذه الطريقة يمكن خلق الكثير من مناصب الشغل الجديدة. المشككون في "مشروع مرشال لإفريقيا" ينطلق المشككون في "مشروع مرشال لإفريقيا" من فرضية: لماذا يجب أن ينجح هذا المشروع حيث فشلت المشاريع والشراكات وبرامج التعاون السابقة؟ ليس هذا فقط، بل يرون في نبرة اللغة التي كتب بها النص نبرة كولونيالية إستعلائية مكبلة بقيد: من لا يمثتل لشروطنا فلن يحصل على أي دعم. البرنامج في نظر المشككين أتى ليفتح آفاقا جديدة في وجه الشركات الألمانية، ما يبين أنه ليس إفريقيا في صلب اهتمام المشروع، بل الاقتصاد الألماني الذي يريد التسابق مع قوى دولية أخرى من أجل غزو أسواق إفريقيا الفتية. يؤكد المشككون أنه إن كانت حقا ألمانيا وأوروبا تريدان دعم إفريقيا فما عليهما سوى مساعدة القارة على تحطيم الحدود بين الدول الإفريقية لخلق سوق إقتصادية إفريقية حرة تجيب عن تحديات القارة، كما على ألمانيا مراقبة تدفق الأموال المهربة من إفريقيا. فلقد كشفت أوراق بنما أنه من السهولة بما كان على مهربي الأموال والفاسدين إخفاء الأموال المسروقة في الأبناك الألمانية، التي أصبحت تنافس الأبناك السويسرية في هذا المجال. هنا لتساعد ألمانيا إفريقيا يجب عليها إصلاح منظومتها المالية ومراقبة تدفق الأموال المهربة. زد على ذلك التهرب الضريبي للشركات الدولية العملاقة، التي تشتغل في القارة السمراء، ما يكبد القارة خسائر مالية تقدر ب 50 مليار دولار سنويا. فإفريقيا، حسب المشككين، لا تعاني من نقص في الأموال، بل من الاستعمال الخاطئ والتوزيع غير العادل لثرواتها. إن كانت ألمانيا جادة في خطتها هذه، فعليها محاربة ظاهرة الاستلاء على الأراضي في إفريقيا التي يكون في الغالب ضحاياها من صغار الفلاحين. هذه الفئة هي أهل للدعم؛ لأنها هي من توفر المؤونة لغالبية سكان القارة وتحافظ على التنوع البيولوجي للأراضي. يدعو المشككون في هذا الإطار أيضا إلى اقتصاد عادل بدل مقولات الاقتصاد الحر، التي لا تخدم الدول الصغيرة والدول الفقيرة. فالاتحاد الأوروبي ينهج سياسة اقتصادية متوحشة في صالح الشركات الأوروبية، وليس في صالح الناس في إفريقيا، وسياسة الاتحاد الأوروبي الفلاحية القائمة على دعم الفلاح الأوروبي دمرت أسواقا إفريقية كثيرة. إن كان الاتحاد الأوروبي جادا في مساعيه حقا، فما عليه إلا إلغاء الحواجز الجمركية في وجه السلع الإفريقية والحد من هجرة الأدمغة. من بين نقائص "مشروع مرشال لإفريقيا"، حسب المشككين أيضا، كونه اقتصاديا صرفا. فالمجال الثقافي فيه مهمل كليا. لكن لهذا القطاع بعد حيوي بالنسبة للإنسان الإفريقي. لذلك يطالب المشككون في براءة "مشروع مرشال لإفريقيا" ألمانيا والاتحاد الأوروبي ببناء مراكز ثقافية، مكتبات عمومية، دور سينما ومسارح في إفريقيا... من أجل إشعال فتيلة الإبداع والإنتاج الثقافي الآتية من الإنسان الإفريقي لصالح الإنسان الإفريقي. يرى المشككون في "مشروع مرشال لإفريقيا" أن هدف ألمانيا والاتحاد الأوروبي من هذا المشروع هو ثلاثي الأبعاد: أولا اكتساح أسواق جديدة، ثانيا استنزاف ثروات إفريقيا، وثالثا كبح ظاهرة الهجرة القادمة من إفريقيا التي تؤرق القارة العجوز. لكن هناك هدفا رابعا يظهر للمتأمل في ثنايا النقطة رقم 8 حيث يتحدث المشروع عن دعم إفريقيا من أجل الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، في المقابل سيكون على 50 بلدا في إفريقيا مستقبلا دعم الطلب الألماني من أجل نيل مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي. فألمانيا تدرك حدود قوتها الاقتصادية، التي تبقى ناقصة بدون مقعد بجوار الدول العظمى في مجلس الأمن الدولي. الخاتمة يبدو "مشروع مرشال لإفريقيا" من الناحية الشكلية مغريا، لكن الحذر واجب، لكي لا تتكرر تجارب الماضي الفاشلة؛ حيث أتت الاتفاقيات الاقتصادية، بما فيها تحرير التبادلات التجارية، دائما في صالح الدول الأوروبية. الدول الإفريقية، بما فيها مؤسستها القارية، مطالبة بحماية اقتصاد وثروات القارة، فنعم للتعاون والتبادل لكن الاصلاح والتقدم الحقيقي لن يكونا إلا من الداخل. التحدي الإفريقي اليوم هو بناء مجتمع ديمقراطي حر لكل الأفارقة لبنته إرادة داخلية من أجل وضع القارة على سكة التقدم المستدام. *أستاذ باحث بشعبة الألمانية بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس