هل أنت متأكدة أنك مغربية؟".. "" كانت هذه أول جملة استقبلني بها ذلك العجوز الفرنسي في باحة فندق حسان بالرباط، لكي يضيف بملامح تجمع بين السخرية والاستغراب، بلغة عربية متكسرة عندما سمع جوابي على سؤاله"متأكدة؟’".. لم أفهم قصده لكنه انتشلني من حيرتي عندما قال: "أعتذر.. لكنها المرة الأولى التي أتفق فيها مع مغربي على موعد ولا أضطر لانتظاره طويلا . كان العجوز الفرنسي من الضيوف الذين يستدعيهم القصر الملكي خلال شهر رمضان لحضور الدروس الحسنية، وقد كان مسلما متصوفا من أتباع الطريقة البوتشيشية، وقضى سنوات طويلة في المغرب، واستنتج عبر تجربته الطويلة أن بلادنا تغيرت كثيرا وتطورت فيها أشياء كثيرة منذ سنوات السبعينات إلى اليوم، لكن ما لم يتغير وما لم يستطع فهمه هو كيفية تعاملنا مع الزمن، وعدم احترامنا لمواعيدنا.. كانت ملاحظاته محرجة، ولو أني لم أكن قد سمعت مثلها من قبل، لاعتبرتها مبالغة من مبالغات الفرنسيين المعتدين بأنفسهم أكثر من اللازم..إلا أني تذكرت دليلا صدر في التسعينيات من القرن الماضي لتوجيه المستثمرين الأوربيين والأمريكيين الراغبين في الاستثمار في إحدى الدول العربية أو في التعامل مع مستثمرين عرب، وكان مما جاء من نصائح الدليل لمستعمليه أن يروضوا أعصابهم ويتحملوا عدم احترام العرب لمواعيدهم، كما يشير عليهم بأن تأخر المستثمر العربي عشر دقائق يعتبر "عاديا" ولا يدعو للقلق. ولا يحتاج الواحد منا لعبقرية فذة لكي يكتشف أننا في الغالب الأعم نعيش خارج الزمن مما يؤشرعلى أننا نتساوى سواء كنا "رجعيين" أو "حداثيين" "مثقفين" أو أميين" في عدم احترامنا للوقت؛ ومناسباتنا الاجتماعية خير دليل على ذلك. ومن "المقالب" الكثيرة التي تعرضت لها في هذا السياق أذكر أني كنت أصدق الدعوات التي توجه لحضور مناسبة ما وتحدد ساعة بدء الحفل، لأكتشف فيما بعد، أن عبارة "مرحبا بيك مع الجوج" تعني ببساطة أن أول مدعو سيصل "مع الربعة" والحفل سيبدأ على الساعة السادسة، وأن الدعوات المسائية التي يكتب على صدرها أن الحفل سيبدأ على الساعة التاسعة مساء معناه أنه سينطلق في منتصف الليل ويتفرق الجمع بعد شروق الشمس. أما مواعيد النخبة فلا تكاد تخرج كثيرا عن مواعيد الأعراس، يعني إذا تلقيت دعوة لحضور اجتماع على الساعة الثانية بعد الظهر، فستشعر بأنك مغفل كبير عندما تصل ف"الجوج وقسم" وتجد مكان الاجتماع لا يزال مغلقا، وتبدو كأنك "فرحان بالاجتماع وجاي قبل الوقت" لأن الآخرين لن يبدؤوا في التوافد قبل نصف ساعة على الأقل، ولن يجد بعضهم أي حرج في الالتحاق بعد ساعة أو ساعتين، وبمجرد التحاقهم يأخذون نقطة نظام ويشرعون في التعقيب والتنظير والاقتراح بجرأة تستدعي من خبراء علم النفس الاجتماعي التشمير عن سواعد الجد ومحاولة فهم الأسباب والدواعي. وفي سياق بحثي في موضوع الوقت عثرت على كتاب قيم يعرف الزمن حسب السياق التاريخي والاجتماعي وحسب منظومة القيم لكل جماعة،ومن المفارقات التي أثارت انتباهي أن الكاتب يميز بين المجتمعات الحديثة (مودرن)والمجتمعات التقليدية من خلال نظرة كل مجتمع للزمن؛ ؛فالوقت في المجتمعات الأولى مثلا يحدد بدقة، عكس ما هو عليه الأمر في المجتمعات الثانية. ولا أدري كيف نجد “الصنطيحة” الكافية لنقول بأننا مجتمع حداثي، في وقت ما زال يمكن أن تجد مسؤولا كبيرا، أو مناضلا عتيدا، أو مثقفا لا يشق له غبار عندما تطلب لقاءه يضرب لك موعدا فضفاضا ويقول لك “دوز فالصباح,,” أو “نتلاقاو نهار السبت”.. في أي ساعة بالضبط؟..الله أعلم. كما أن عادات آبائنا القديمة لم تتغير كثيرا ولا زلنا نقول بأن فلان سيتزوج في الصيف . وتدخل علاقتنا بالوقت في إطار مجموعة من العادات المسؤولة عن تخلفنا ،وبدون انتباه النخبة الداعية للتغيير لها وإعطاء القدوة الحسنة في الانقلاب عليها واستبدالها ب”أخلاق حداثية”- خصوصا أن الحداثة والحداثية هي آخر موضة مثقفينا وسياسيينا رغم أن أغلبهم لا يعرفون بالضرورة ماذا تعني- لا يمكن أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. http://mariamtiji.maktoobblog.com