الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من وحي ثورات عربية جارية- بقلم عزمي بشارة
نشر في التجديد يوم 02 - 06 - 2011


التعصّب لا يُعوَّل عليه.
التشهير لا يعول عليه.
الغرور من أنواع الغباء، ولا يعوّل عليه.
العصبية جماعية والرأي فردي، العصبية في شؤون الرأي لا يعول عليها.
أي رد على حجة يمس قائلها ولا يفند قوله هو تشهير لا يعول عليه.
أي حجة يستمدها قائلها من هويته هي عصبية لا يعول عليها.
أي رأي في الناس متغير بتغير هوياتهم، لا يعول عليه.
أي استخدام لعرف أو عقيدة في فرض ما يحتاج إلى تحليل وإثبات، هو مصادرة للعقل وإرهاب فكري ولا يعول عليه.
كل حكم عقلي لا يتغير بتغير المعطيات بموجب التحليل العقلي هو تعنت لا يعول عليه.
كل حكم عقلي يتغير رغم تساوي المنهج والمعطيات تعسف لا يعول عليه.
أي حكم قيمي ينحاز للظلم بسبب هوية صانعه ليس أخلاقا ولا يعول عليه.
إذلال البشر وكسر نفوسهم من أجل التمكن من حكمهم طغيان لا يعول عليه.
قتل طالب الحق كفر لا يعول عليه.
-
1 أخذا بعين الاعتبار للمشترك بين الدول العربية يمكن القول إن الحركة التغييرية التي تمثلها الثورات هي حركة ضد الأنظمة السلطوية بأشكالها المختلفة.
لقد صادرت هذه الأنظمة جميعها حقوق المواطن الفرد، واحتكرت مصادر القوة بمزاوجة السياسة والاقتصاد، وبين النفوذ السياسي والربح المالي، واستسهلت بناء الولاء السياسي للنظام على أساس علاقات وشائجية، وأيسرها علاقات الولاء بقرابة الدم أو العشائرية أو الجهوية (التي قد تتقاطع مع المذهبية والطائفية). وكان الناتج غالبا هو نظام سلطوي مملوكي رث معصرن بواجهات ويافطات حديثة كاذبة.
.2 اختلفت الجمهوريات العربية عن الدول الملكية والنظم المحافظة باقتصاديات التنمية بواسطة القطاع العام، وبأيديولوجية الحزب الحاكم الوحدوية عموما، وبمقاومة الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، وبالفكرة القومية العربية.
وقد تآكل الفرق تدريجيا مع نشوء رأسمالية الدولة واقتصاد الفساد المرتبط بها عبر الولاءات السياسية المذكورة أعلاه. كما أدى اندثار نظام المعسكرين إلى براغماتية لدى هذه الدول في العلاقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك قضية قبول إستراتيجية التفاوض مع إسرائيل.
.3 وضاقت الهوة بين نمطي الأنظمة، مع تعميم وتجذر سلوكيات الدولة القُطرية، وبتحوّل الحفاظ على استقرار النظام إلى طلب الحكم مدى الحياة، ومع نشوء نوايا علنية وخطط للتوريث كيّفت بموجبها سلوكيات وبنية النظام.
كما قرّبت بين طبائع الأنظمة مشاريع اللبرلة الاقتصادية، وتنفيذ شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المعروفة بمبادئ إجماع واشنطن.
ساهمت اللبرلة الاقتصادية في ظل الاستبداد السياسي في اختلال توزيع الدخل القومي وتكديسه في أيدي حفنة من المقربين لإنتاج رأسمالية جديدة هي رأسمالية ''الحبايب والقرايب''.
كما ساهمت في توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين المناطق المختلفة داخل كل قُطر عربي، وذلك من دون السماح بالتعبير السياسي، مما شكّل خلفيات اجتماعية لانتفاضات متتالية.
وأدت الهزات الاجتماعية -التي قادت إليها اللبرلة الاقتصادية المقترنة بالتسلطية السياسية- بدايةً إلى إصلاحات شكلية، ثم ما لبثت أن استغنت عن الشكلية ودفعت إلى تشديد الاستبداد لحفظ الاستقرار السياسي للنظام وتوازن الدولة.
وبدل أن تؤدي الخصخصة في ظل الاستبداد إلى الدمقرطة، فإنها أدت إلى تشديد السلطوية. لقد كانت اللبرلة المنفلتة بموجب مبادئ إجماع واشنطن (النيولبرالية) لبرلة ضد الديمقراطية واحتكارا ضد المنافسة وتركيزا للثروة ضد الإنصاف وعدالة التوزيع.
.4 والفرق أن فئات البرجوازية الجديدة المستفيدة من الخصخصة والبرامج اللبرالية/ التسلطية أصبحت أكثر تصالحا مع الاستبداد السياسي، وشكلت عنصرا جديدا في قاعدة النظام السياسي.
لقد تمتعت هذه الفئة بالقرب الاجتماعي من النظام السياسي الأمني، الذي سمح لها بممارسة حياة استهلاكية بشكل أكثر تحررا بما فيه بعض الحريات لهذه الفئة التي بدت وكأنها إصلاح سياسي.
حين شاركها النظام المغانم، لم يهم هذه الفئة التي كانت تنتقد الاستبداد أن تتصالح مع النظام بالذات حين زاد استبدادا. وإذ سمح لهذه الفئة بممارسة نمط حياة أكثر انفتاحا، فإنها وسمت نمط حياتها، الاستهلاكي المنحل في ظل الاستبداد، علمانية.
ولا يعنيها أن النظام يسوّق للجمهور تدينا شكليا يتعارض حتى مع مقاصد الشرع، ويشجع الوعاظ الموالين للنظام، وينقض في الوقت ذاته على التطرف الديني الذي تولده النواحي المحرومة، وأحزمة الفقر حول المدن، حين يتحول إلى العنف السياسي.
.5 إن انضمام الطبقة البرجوازية المدينية إلى المستفيدين مباشرة من العلاقة مع النظام الحاكم هو أحد أهم أسباب حالة الارتباك التي أصابتها مع نشوء الثورات ضد الاستبداد. ويرتبط بهذه الفئة وصالوناتها جزء من مثقفي المدينة.
.6 لقد نشأت فئة من أبناء المسؤولين ورجال الأعمال الذين يرغبون بالظهور بمظهر الحضاريين على خلاف أهلهم العسكريين ورجال الأمن. ويغطي الاستهلاك الثقافي وأنماط الحياة الغربية التي يتبنونها على الجرائم التي ترتكب في أقبية التعذيب، وفي الاقتصاد بالاستهلاك الثقافي. يشكل هؤلاء جمهور صفوة ذات امتيازات بالنسبة للفنانين والمثقفين، ويرتبط بهم قطاع من صناعة تسويق الثقافة في المدن.
ويرتبط جزء من المثقفين والفنانين بهم من خلال علاقات صالونية. ويتوهم المنخرطون في مثل هذه العلاقات أنها شهادات في التنور، وأن عقاقيرها تزيل رائحة الاستبداد والفساد. والحقيقة أنهم فقدوا حاسة الشم، فالرائحة تزكم أنوف كل من يعيش خارج هذه المجتمعات الفرعية والصالونات.
.7 ولكن الارتباك الأكبر عند المثقفين ينجم عن الخوف من الجمهور لأنه لا يتحرك بموجب خطة معدة سلفا. هذا الجمهور لا يذكر المثقفين بالأساطير التي يحملونها في رؤوسهم عن الثورات، وتختلف صورته عن الصور التي تحملها اللوحات الفنية والشعر والأدب عن دول لم تكن جماهيرها أكثر حضارية، ولا أكثر تنظيما وأقل فوضى من الجماهير العربية.
ومن هنا ينتظر المثقفون عهودا وهم يتذمرون من النظام ومن كسل الجماهير، وحين تخرج الجماهير إلى الشارع يقفون عاجزين مرتبكين.
ويؤدلج بعضهم العجز فيهاجم ''فوضى الشارع وتخلفه وسلفيته''، ويبدأ بالوعظ في الواقعية والإصلاح والخوف من الحرب الأهلية، أو يتحول إلى معلق بلا موقف مقارنا بين الثورات، أيها أرقى، وأيها أجمل، وأيها أكثر حضارية في نظره، وينسى أن اللحظة هي لحظة الموقف، وأن المثقف يخون دوره حين يبرر الأوضاع القائمة ويمتنع عن اتخاذ موقف في لحظة تاريخية لن تتكرر، ولن يفيد بعد الغياب عنها كل التنظير اللاحق.
لا يمكن توجيه الثورة من خارج الموقف المنحاز لها. يرتبك بعض المثقفين أكثر في حالة حمل نظام الاستبداد لأيديولوجية في مقاومة إسرائيل والصهيونية، ويرتبك المثقف أكثر حينما تنضم الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإدانة النظام.
وغالبا ما لا يسأل المثقف المرتبك ذاته عن تأثير غيابه عن قيادة الثورة في تحصين الثوار من التأثير السياسي الناجم عن هذا الموقف الغربي المشبوه.
وينطوي هذا الموقف المرتبك على قناعة مفادها أن ما يحصن الموقف السيادي ضد الإملاءات الغربية هو نظام الاستبداد، أو إرادة الشعب المجازية التي تمثلها، وأن الأغلبية الفعلية المعبر عنها في انتخابات دورية لن تؤسس لموقف مقاوم للإملاءات السياسية الغربية والإسرائيلية، أو لموقف رافض للاحتلال، أو متمسك بقضايا الأمة.
.8 وخافت فئات كانت تنتقد النظام وارتبكت من حركة الجمهور؛ لقد تبين أن ما اعتبر نقدا للنظام في عرف هذه الفئات لم يكن نقدا ومعارضة، بل تذمرا وتنفيسا لا يمكنه أن يُمارَس إلا في ظل النظام، فهو يحتاج للنظام لكي يبدو متقدما ومتنورا بواسطة الشكوى والتذمر منه، ولكن تغيير النظام يودي بنرجسيته كلها.
.9 ليس هدير الجماهير مخيفا في حالة العرب لأنها لا تتحرك نحو احتلال الحكم والحيز العام، ولا تريد أن تحكم عبر حزب شعبوي يدعي تمثيل إرادة الجماهير. فلا مبرر أن يخشى المثقفون حكم الجماهير، فالشعب لا يدعو لاستبدال حكم نخبوي ظالم بحكم جماهيري مظلم، بل يرنو إلى تأسيس الديمقراطية وحقوق المواطن.
وإن حضور الجماهير الدائم في الساحات والحيرة التي يولّدها ناجم عن تخلي القيادة الديمقراطية عن واجبها في طرح البرنامج الديمقراطي للحركة الشعبية.
.10 ليس انتقاد نظام، على أن إعلامه لا يقدم صورته كما يجب، نقدا ديمقراطيا، ولا انتقاد نظام على عدم قدرته على القمع بوسائل أخرى نقدا مواطنيا، بل هو نقد يليق بمنظمات دولية تنطلق من تسويقات الحكم الرشيد لتجميل صور الأنظمة التسلطية. إن وظيفة المثقف النقدي هي أن يفضح النظام لا أن يرشده كيف يجمل نفسه.
.11 وحدها لحظة الثورة هي التي يحق لها أن تسأل: ''هل أنت معنا أم ضدنا؟''. إن المثقف الذي يقف مبررا للنظام واعظا الثوار وهم يتلقون الرصاص في الصدور، والهراوات على الرؤوس، هو كمن يقف ضد الثورة.
.12 إن أسخف استخدام لنظرية المؤامرة، هو الادعاء أن الشعب المتحرك لنيل حقوقه لسبب بديهي هو فقدان هذه الحقوق، هو جزء من مؤامرة دولية. هذا الاستخدام يتضمن استخفافا بعقول الناس واستهانة بفقدانهم لحقوقهم.
.13 إن أي مقاومة للهيمنة الاستعمارية ترى في نفسها موقف أقلية تحافظ على سلطتها بالاستبداد ضد الأغلبية لا يمكن أن تبقى مقاومة، ولابد أن تتحول بنفسها إلى أداة في الحكم وتبرير الحكم.
.14 إن موقفا يجمع بين دعم الثورات من أجل الديمقراطية فيما يسمى دول الاعتدال والوقوف ضدها في حالة ما يسمى دول الممانعة، إنما يميز بغير حق بين شعب تحق له الحرية والديمقراطية وآخر ليستا من حقه. وهو يفاضل بين شعب قادر بالديمقراطية على تشكيل أغلبية مقاومة، وآخر غير قادر عليها.
.15 إن النظام الذي يبرر ذاته بأن الاستبداد ضروري للحفاظ على الوحدة الوطنية، وأن التعددية السياسية لن تؤدي إلى التنافس، بل الحرب الأهلية على أساس سياسات الهوية، هو النظام الذي يخلق الحالة التي يستخدمها لتبرير ذاته. إنه يبقي حالة التوازن بين الهويات لكي يحكم، ولكي تلجأ إليه الناس خوفا من قمع أبناء هوية أخرى.
ومع ذلك لا يجوز الاستخفاف بهذه الحجة، لأنها قد تكون نبوءة تحقق ذاتها لأن النظام قادر على خلق الوقائع التي تثبت صحتها، ولأن عقودا من حكمه ومن تلاعبه بمكونات الواقع الاجتماعي قد غيّرت الواقع الاجتماعي على صورته ومثاله.
.16 لا تختلف الشعوب العربية في طموحها للعدالة والحرية، ولا تختلف الأنظمة العربية كثيرا، ولكن المجتمعات العربية تختلف في بنيتها، وفي علاقة هذه البنية مع الدولة. ففي بعض المجتمعات تتماهى بعض الجماعات الأهلية أو تتنابذ مع النظام القائم الذي لم يطور علاقة مواطنية من خلال عملية بناء الأمة والمؤسسات.
.17 يتعقد التحول الديمقراطي في الدول المتعددة الهويات والتي يتضمن بعض هوياتها مع النظام القائم. هنا ينشأ خطر أن يشق التحرك الثوري المجتمع شاقوليا بين هذه الفئات. وفي هذه الدول يفضل أن يتم الإصلاح بالتدريج وأن يشمل تخفيف حدة تسييس الهويات. ولكن السؤال الكبير هو ما العمل حين ترفض الدولة الإصلاح وتصر على تأجيج سياسات الهوية.
.18 إذا خرج شعب مطالبا بالإصلاح وقدم التضحيات فلن توجد قوة في الدنيا يمكنها إقناعه أن يتنازل عن حقوقه بحجة أن النظام يرفض الإصلاح والانتقال التدريجي نحو الديمقراطية، ولأن البديل لهذا النظام هو الفتنة الطائفية. فحين يرفض مطلب الإصلاح يتحول الاحتجاج إلى ثورة.
وهنا ينشأ خطر أن تؤدي الثورة إلى احتدام سياسات الهوية، وينشأ أمل أن تقوم هي بعملية بناء الأمة المواطنية عبر النموذج الذي تطرحه بواسطة قياداتها، وخطابها، وبرنامجها، وسياساتها.
وعلى الديمقراطيين في هذه الحالة أن يختاروا بين الانضمام للثورة والتأثير فيها ضد المنزلقات الطائفية وضد استغلالها من قبل قوى خارجية، أو تركها عرضة للأخطار التي يحذرون منها.
.19 في حالة الأنظمة التي لم تكن على وفاق مع الولايات المتحدة، نشأت عبر السنوات عناصر معارضة للأنظمة تلتقي مع أعداء الأنظمة، ومن ضمنهم الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى باتت تتبنى رواية إسرائيل بخصوص التطرف والاعتدال في الوطن العربي. ربما نشأ بعضها نتيجة للوجود في المنافي، وربما نشأ بعضها الآخر نتيجة لكراهية عمياء للأنظمة.
المهم أنه في خضم نسج علاقاتها في الغرب، وبسبب مواقفها الناقمة على الأنظمة، راحت تتهمها بتحمل المسؤولية عن غياب السلام في المنطقة، كما اعتبرت المقاومة المشروعة ضد الاحتلال مجرد أداة بيد الأنظمة.
وهي رغم تعرضها للظلم لم تر وجه المقاومة المشروع. لقد انضمت هذه العناصر مع الوقت عمليا إلى المواقف الغربية الاستشراقية وحتى العنصرية من العرب.
وهي تشبه في ذلك عناصر من المعارضة العراقية التي قدمت على دبابة أميركية، وهي تخفي ذلك وراء قُطرية تابعة للولايات المتحدة تلبس لبوس الوطنية المحلية.
وهي لا تعي التركيب القائم في بنية مواطنيها، فهم عرب ومسلمون وسوريون، أو عرب ومسلمون وليبيون في الوقت ذاته، وجميعهم يتمسكون برفض الاحتلال في فلسطين والعراق.
ومع نشوء الثورات العربية تحرج هذه العناصر من موقف الغرب اللامبالي، ثم لا تلبث أن تزدهر مع تبني الغرب لموقف صارم ضد الأنظمة. بعض هذه العناصر موال للغرب، وقد نشأت لبعضها علاقات حتى مع الإسرائيليين.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن بعض هذه العناصر الذي يبدو لبراليا أثناء وجوده في الغرب، يستسهل تبني مواقف طائفية وعشائرية لكي يصنع له قاعدة زبائنية سياسية في بلاده. فالمواقف الموالية للغرب وإسرائيل لا تشكل بحد ذاتها قاعدة اجتماعية وسياسية. فنبقى في النهاية مع عناصر متنفذة طائفية وعشائرية وموالية للولايات المتحدة، ومؤيدة لمواقف ''معتدلة'' من إسرائيل.
وهذا خطر على أي مستقبل سيادي ديمقراطي. لم تخرج الجماهير العربية شاهرة دماءها لكي تنسخ تجربة العراق الطائفية السياسية، ولا تجربة لبنان التي يلتقي فيها الصراع الداخلي بتحالفات خارجية معادية للأمة. بل خرجت على الرغم من نفورها من هذين النموذجين.
ومن هنا لا بد من تحصين الثورة خاصة في داخل البلد من هذه التأثيرات والعناصر. والرهان هنا هو على القيادات الوطنية، وعلى نشوء قيادات ميدانية تعرف من أجل ماذا خرجت تتحدى الموت والمصير، ولا تخشى المجهول لأنها تعرف ماذا تريد.
من هنا لا بد من تحصين الثورات بالهوية الوطنية والقومية، وبوضع المواطنة الديمقراطية هدفا إجماعيا يغدو الخروج عنه خروجا مدانا عن أهداف الثورة، وتدنيسا للدماء التي سفكت في سبيله.
ومن يحصّن الثورات هم الأفراد الذين يحملون هذه الأفكار، وينضمون إلى الثورات ويحولونها إلى برامج ثورية. من يحصن هذه الثورات هو ليس من يحذرها من الانزلاق للطائفية ويتمسك بالنظام الحامي للوحدة الاجتماعية و''الأقليات''.
.20 الثورات العربية هي ثورات تدعو إلى الإصلاح. والأنظمة التي تطلق النار بوحشية على دعاة الإصلاح لا ترغب أن تمهلها الجماهير حتى تقوم به كما تدعي، بل هي ترفضه جملة وتفصيلا، وتخشى أن يؤدي الإصلاح إلى فقدانها زمام المبادرة. فما زالت ''متلازمة غورباتشوف'' تلاحقها وتقض مضجعها، لقد بدأ إصلاحا أودى بنظامه.
في حالتي تونس ومصر تصدت لمهمة الإصلاح نخب من المؤسسة القائمة، من الجيش وحتى السياسيين. ويدور صراع مستمر على تعميق الإصلاح وعلى استبعاد رموز النظام السابق.
ولكن لم يحتل الحكم في أي منها حزب شمولي كما في حالتي روسيا وإيران. ومهمة القوى الديمقراطية هي أن تجعل الديمقراطية والمواطنة والحفاظ على السيادة الوطنية منسجمة في ميثاق الثورة الذي يفرض نفسه على الجميع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.