شدد المقرئ الإدريسي أبو زيد في حوار لـ التجديد على أنه على الأنظمة تجاه ما يقع في غزة واجب القيام بالتهديد وليس فقط التنديد، وأن تقوم بالشروع في خطوات عملية لإيقاف التطبيع وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وأنه على القوى الشعبية من أحزاب ونقابات ومؤسسات أن تبدأ بنفسها بجمع التبرعات والضغط لإيصالها وتسيير قوافل الإغاثة وسفن كسر الحصار ووضع ميثاق شرف، وأن أي عضو يطبع يطرد ويفصل، وهكذا سوف نعبئ الرأي العام، أما الجماهير فإنها تسهم بالصيام والدعاء والنصرة، على أن المعقد لكل هذه الأنشطة أن تكون القضية الفلسطينية نقطة الاتصال بين الأنظمة والشعوب والنخب. وهذا نص الحوار: ما هو تقييمكم لما يجري الآن في قطاع غزة؟ ما يجري في قطاع غزة هو جريمة مركبة من جميع الجرائم دون شك، وهناك تطور نوعي قياسي خطير في الإفلاس الأخلاقي للكيان الصهيوني ومن يدعمه، وفي التوجهات اللاإنسانية للجيش الإسرائيلي الذي كان منذ أقل من 15 سنة يحاكم جنوده إذا ما أطلقوا الرصاص على الأطفال، وكانت نتائج المحاكمة تكون هزلية، وأصبحنا اليوم نكافئهم عن القتل بأقوى ما في الترسانة العسكرية الصناعية الأمريكية الحديثة، وهو أيضا دليل على أن العرب على المستوى الرسمي قد وصلوا إلى درجة خطيرة من الهوان، وأن وزنهم السياسي أصبح منعدما، وأن منظمات مثل المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي واتحاد المغربي العربي لا تساوي عند إسرائيل قلمة ظفر، يدل أيضا على أن خيار الاستسلام وخيار التفاوض والحوار وصل إلى نهايته، وانكشف رموزه ورواده في الصف العربي، وإذا هم جمع من المطبعين والمهرولين وجماعة من المسوقين للمشروع الإسرائيلي بحذافيره وبدمويته الرعناء، وأنهم أناس يسعون إلى التخلص من القضية الفلسطينية ولا يسعون إلى حلها سلميا. ومن جهة أخرى أثبت أن خيار المقاومة أصبح، بغض النظر عن التوازن والكفاء التكافؤ والجدوي، هو الخيار الوحيد، لأنه لا يوجد خيار ثالث. أما خيار التفاوض ففي ظله ازدادت إسرائيل غطرسة ودعونية وشراسة وازدادات اعتداء على الشعب الفلسطيني وعلى أراضيه وعلى فلاحته وأشجاره ومساكنه، وازداد بناء المستوطنات والاستهزاء بالمواطن الفلسطيني من خلال هزال ما تطرحه من حلول، ومن خلال رفضها حتى لخريطة الطريق، ووضعها لأكثر من 12 تحفظا عليها، مما جعلها فارغة المضمون. إذن لم يبق إلا خيار المقاومة مهما كبد أصحابه من خسارة ومهما كبد القائمين عليه من ثمن فادح. ألا ترى أن العدوان الصهيوني على غزة يدل على فشل في فرض الحصار على غزة؟ أنا لا أذهب إلى كلمة فشل حتى لا يفهم عند المتفائلين والعاطفيين أن الحصار لم يؤذ الشعب الفلسطيني، إذا كان المعنى المقصود بكلمة فشل هو هذا فالحصار لم يفشل، بل نجح في قتل مئات المرضى، وفي قتل مئات الأطفال الخدج الذين لم يجدوا رعاية طبية، ونجح في وضع مليون ونصف مليون على حافة الجوع والمرض والاختناق، كما نجح في تحويل حياتهم إلى جحيم. ولكنه بمعنى آخر فشل فشلا ذريعا في تأليب الشعب الفلسطيني على حماس، كما فشل في تركيع إرادة حماس، وتركيع الحكومة المقالة وتركيع الشعب الفلسطيني في غزة، وبالإضافة إلى ذلك فشل في إثارة عرب فلسطين أو سكان الضفة البعيدين عن سيطرة حماس، ودائما فتح تزعم بأن المواطنين تحت تهديد السلاح لا يعبرون عن موقفهم من حماس والمأزق الذي أوصلتهم إليه، ولكن ماذا نقول عن الذين يوجدون خارج سلطة حماس في الضفة الغربية أو في فلسطين 48 أو في العالم الإسلامي، لأن هناك من يفضل خيار المقاومة على الرغم من أن بعضهم يلاحظ عليها بعض الأخطاء التي يقع فيها الإنسان، وجل من لا يخطئ، وهذا دليل على أن خيار المقاومة مع الثمن الفادح الذي يتكبده أصحابه هو الخيار المطلوب من الأمة المكلومة والمجروحة المهانة، والتي يستهزأ بمقدساتها ويتلاعب بمقدراتها. وأمة مستقبلها في خطر، أمة لا يمكنها إذا كانت كائنا إنسانيا طبيعيا أن تعبر في مثل هذا الموقف إلا بهذا الخيار، بهذا المعنى فالحصار فشل، وبمعنى أن إسرائيل لجأت إلى الخيار العسكري، وأن إسرائيل لو تمرد الشعب الغزاوي على السلطة القائمة هناك لكانت أول من يدعمه بإرسال المعونات له وبالسعي إلى تأليبه عن طريق التعاون معه و(الإحسان إليه)، أما وإسرائيل قد أقدمت على الاجتياح والقصف دون تمييز بين حماس والسكان إلا دليل على حقدها على الطرفين لأنها تراهما صفا واحدا وهي كذلك. ما رأيكم في موقف المنتظم الدولي خاصة مجلس الأمن والمنظمات غير الحكومية الدولية مما يقع في غزة؟ إنها مواقف صادمة لأنها تفتقد إلى الحد الأدنى من الحس الإنساني، ولكنها مواقف غير مفاجئة لأنه ليس أول مرة نرى من المنتظم الدولي هذا الانحياز الأعمى لإسرائيل، وهذه التغطية المنافقة على جرائمها، وهذا التلكؤ والتباطؤ وجرجرة أقدام دون الإقدام على موقف، هذا الدعم الخفي والتواطؤ غير المعلن مع مجرد عبارات الاستنكار، وأحيانا حتى هذا الاستنكار غير موجود عند دولة كأمريكا إلى اليوم، والاتحاد الأوروبي يمعن في الدعم الاقتصادي والسياسي والتعاون التكنولوجي وتصدير الأسلحة إلى الكيان الصهيوني، ثم هو في نفس الوقت يتكلم عن إدانة لأخلاقيات العدوان وهمجيته، ومعنى هذا أن المنتظم الدولي الآن إنما زاد من وتيرة الفجور في ممالأة العدو الصهيوني والانحياز ضد الشعب الأعزل المظلوم الذي اعترفت جميع القوى الدولية والمرجعيات الدولية بحقه، واعترفت بدولته لما أعلنها عرفات سنة 1989 من جنيف، ولكن هذا الاعتراف لا يجد على أرض الواقع أي مصداقية تنفيذية أو أي خطوة ذات طابع عملي. ما رأيكم في مواقف الأنظمة العربية وخصوصا مصر؟ موقف الأنظمة العربية طبعا أخزى وأنكى لأنه إذا كنا نستنكر على الاتحاد الأوروبي أنه لا يراعي قيمه ومبادئه، ونستنكر على أمريكا أنها لا تراعي موقع القيادة العالمية الذي تبوأته، ولا موقع الوساطة الذي زعمته، فمن باب أولى أن نستنكر على الأنظمة العربية أنها لا تراعي القيم الإسلامية ولا القومية، ولا تراعي الرحم، كما لا تراعي أمنها القومي المهدد، فقد أكد الدكتور عبد الله الأشعل الخبير في قضية سيناء، والذي كان يفاوض عن وزارة الخارجية في انسحاب إسرائيل سنة 1981 و ,1982 أن المحطة الموالية للإجهاز على فلسطين هو استعادة سيناء، وأن العدو الصهيوني يخطط لاستعادتها، وبالتالي مصر أولا ثم بقية الدول العربية في مرمى الاستهداف الإسرائيلي إذا ما انهار هذا الحاجز الذي يناوش ويشاغب الصهيونية الذي هو تلك القوى الفلسطينية المستضعفة بوسائلها البدائية ولكن بصمودها البطولي. إسرائيل تطعن مصر من الأمام، حين تستهدف سيناء وتطعنها من الخلف، وحين تتوغل في القرن الإفريقي وتتوغل في جنوب السودان مهددة الأمن المائي المصري، فمتى تستيقظ مصر؟ فحتى دون أن نتكلم عن واجب مصر تجاه فلسطين نتكلم عن واجب مصر تجاه نفسها وأمنها القومي ورؤيتها القريبة وليس البعيدة لما يتهدد حقيقة وجودها كدولة عربية إسلامية كبيرة. لنعد إلى المغرب، هل استطاعت الحكومة والسلطات المغربية أن تتجاوب مع نبض الشارع المغربي؟ عودنا الموقف الرسمي على أنه يحني رأسه لعاصفة الغضب إذا اجتاحت الشعب المغربي بحجم شناعة العدوان، فيسمح بالوقفات والاحتجاجات والمسيرات كما نشاهد اليوم ويخفض من صوته التطبيعي قليلا ويمارس نوعا من المجاملة اللفظية، أما في الحقيقة بعد انجلاء كل موجة من هذه الموجات التي مرت علينا، نجد أن الثابت الرئيسي هو استمرار العلاقات السرية والتطبيع غير المعلن واستمرار التبادل التجاري، وكلما هدأت الأوضاع بدأت الحكومة المغربية تتجرأ شيئا فشيئا على إدراج أنشطة صهيونية في جسم النشاط العام، سواء كان فنيا أو إعلاميا أو ثقافيا أو دبلوماسيا، ومنه دخول المغرب دون أدنى تحفظ في المؤسسة التي أقامها ساركوزي خدمة لإسرائيل وهي الاتحاد المتوسطي وهي تعلم أن إسرائيل تتبوأ مركزا مهما في هذه الهيئة، بل حصلت على منصب نائب الرئيس، ومع ذلك فالمغرب لم يحرك ساكنا ولم يتحفظ، كما أننا شاهدنا سلسلة من خطوات الخزي والعار التطبيعية على جميع المستويات في فترة ما قبل اندلاع الأحداث المؤسفة منذ ستة أيام، وبالتالي نتوقع شيئا من العقل والحكمة لدى المسؤولين تتركهم يسمحون للشعب المغربي بالتعبئة للتعبير عن الغضب، ولو كان هذا ليس دائما هو الحال، فما حصل في ملعب درة القدم بالدار البيضاء وقبله بأيام في القنيطرة من تضييق على حق المواطنين المتفرجين في رفع شعارات التضامن مع غزة، ومصادرة بعض الشالات والكوفيات الفلسطينية والرايات الصغيرة يدل على أننا إزاء بعض المسؤولين الذين لا يفهمون حتى ما معنى احترام الحد الأدنى من شعور الناس، والحد الأدنى من احترام الرأي العام، والإنسان المغربي بغض النظر عن نظرتهم إلى فلسطين أو نظرتهم إلى خطر إسرائيل عليهم. بغض النظر عن البيانات أو الاحتجاجات، ما هو في رأيكم الحل الملائم للوضع الفلسطيني على المدى البعيد؟ أنا أميل إلى الحديث عن الدور والواجب، وليس عن الحل، لأن هذا الأخير ليس بأيدينا، فالقضية الفلسطينية كبيرة ومعقدة وتدخل فيها عناصر متشابكة، وتقييمي الشخصي لها أنها لن تحل على مدى عقد أو عقدين، ففلسطين رغم أنفها وهي البلد الصغير والشعب الصغير بإمكانياتها الضعيفة جدا تواجه العالم، لأن إقامة دولة إسرائيل إرادة عالمية، ولأن الذي وراء الصهيونية كفكرة وكإيديولوجية وعقيدة وسلوك وككيان ليس هو حتى اليهود؛ لأنهم جزء صغير من المشهد، والمشهد وراءه العقيدة البروتستانتية البروليتارية التي تعشش في العقل المتصهين الأمريكي للبيت الأبيض، ووراء ذلك مسيرة خمسة قرون من الاختراق اليهودي للمسيحية كما شرح روجي كارودي، ووراء ذلك مشروع لإعادة إنزال المسيح من جديد وقيام الدولة المسيحية برئاسة مسيح الألفية السعيدة، ووراء ذلك مشروع بدأ مع كريستوف كولمبوس الذي أثبت ما بقي من كتاباته أنه يريد فتح العالم الجديد لجمع الذهب والفضة فيه من أجل تمويل الحرب لإسقاط الدولة العثمانية واستخلاص فلسطين لإقامة دولة الرب عليها، فالمشروع الديني والسياسي والثقافي والعسكري الضخم جدا، وفلسطين برغي صغير في هذه الآلة الضخمة، ولا يمكن أن نوقف هذه الدورة الجبارة، لكن ما يمكن أن أقوله هو ما يتعلق بالواجب والدور وليس الحل فهو ليس بأيدينا، كل منا من موقعه عليه واجب، للأنظمة واجب أن تقوم بالتهديد وليس فقط بالتنديد، وأن تقوم بالشروع في خطوات عملية لإيقاف التطبيع وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني ومنع التبادل التجاري والثقافي وأي خطو تطبيعية معه، وإلغاء الاتفاقات الاستسلامية من كامب ديفد إلى أوسلو واستدعاء السفراء وإغلاق سفارات الكيان الصهيوني، وإغلاق الحدود وكل التسهيلات المدنية والعسكرية واللوجستيكية وقطع العلاقات الكاملة. والمرحلة الثانية تسليح الجيش الفلسطيني المتطوع الشعبي المقاوم وإيصال المعونات والدعم له، وإعلان المقاومة كما أعلنوا سنة 1974 واللجوء إلى سلاح النفط. وبالنسبة للقوى الشعبية من أحزاب ونقابات ومؤسسات عليها أن تبدأ بنفسها بجمع التبرعات والضغط لإيصالها وتسيير قوافل الإغاثة وسفن كسر الحصار ووضع ميثاق شرف أن أي عضو يطبع يطرد ويفصل، وهكذا سوف نعبئ الرأي العام. والجماهير تسهم بالصيام والدعاء والنصرة والمعقد لكل هذه الأنشطة أن تكون القضية الفلسطينية نقطة الاتصال بين الأنظمة والشعوب والنخب، وهذا ما نطمح إليه.