المغرب يتسلم رئاسة التحالف الإفريقي للعلوم والتكنولوجيا لتعزيز التنمية المستدامة    إدعمار يهيئ أعضاء حزبه بتطوان لانخراط قوي في المؤتمر الوطني التاسع لحزب العدالة والتنمية    إضراب عام في القطاعين العام والخاص احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية والغلاء    دراسة: الجمع بين الرياضة والوزن الصحي يمكن من الحد من خطر الإصابة بالسرطان    الاتحاد الأوروبي يحذر من رسوم ترامب.. ستؤدي إلى التضخم وتضر بالاقتصاد العالمي    فتح تحقيق جنائي بحقّ زوجة نتانياهو    بعد انضمامه للأهلي.. بنشرقي: اخترت نادي القرن لحصد الألقاب    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    تعليق الدراسة ببعض مناطق اقليم الحسيمة تقلبات الاحوال الجوية    أخبار الساحة    الدوري الاحترافي يستأنف نشاطه    طنجة: انعقاد الاجتماع الثاني والستين للمجلس التنفيذي لمنظمة المدن العربية    "الجبهة المغربية" ترفض "تهريب" نصوص قوانين إلى البرلمان    ولي عهد السعودية يستقبل الرئيس الشرع    الشبكة المغربية لهيآت المتقاعدين تحتج ضد تجاهل الزيادة في المعاشات    أسعار المحروقات تشهد زيادة "طفيفة" للمرّة الثانية توالياً خلال شهر بالمغرب    المغاربة أكثر الجاليات اقتناء للمنازل في إسبانيا    اقتراب كأس إفريقيا يُسرّع وتيرة الأشغال بملعب طنجة الكبير    استثمارات كبرى لتعزيز التنمية في الناظور.. البنك الدولي يدعم مشاريع البنية التحتية بقيمة 250 مليون دولار    العثور على مهاجر مغربي مقتول داخل سيارته بإيطاليا    نشرة إنذارية (تحديث): تساقطات ثلجية وأمطار قوية مرتقبة من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من أقاليم المملكة    درك شفشاون يطيح ب"ملثم" سطا على وكالة لتحويل الأموال    بعد أيام من الغموض .. الشرطة البريطانية تفك لغز اختفاء تلميذتين مغربيتين    تحولات "فن الحرب"    مصالح مديرية الضرائب تضع حسابات مقاولات "العجز المزمن" تحت المجهر    من طنجة.. تتويج رشيد البقالي بجائزة عبد الله كنون للفكر والأدب المغربيين    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    مكتب الصرف: تحويلات مغاربة العالم فاقت 117,7 مليار درهم سنة 2024    وهبي: العدالة الانتقالية تجربة وطنية رائدة أفضت إلى تعزيز المصالحة بين المجتمع المغربي وتاريخه    الزوبير بوحوت يكتب: السياحة في المغرب بين الأرقام القياسية والتحديات الإستراتيجية    توقيف ثلاثة مواطنين صينيين بتهمة قرصنة المكالمات الهاتفية    القيمة السوقية لدوري روشن السعودي تتخطى المليار يورو    الإرث الفكري ل"فرانتز فانون" حاضر في مهرجان الكتاب الإفريقي بمراكش    تطوان تحتفي بالقيم والإبداع في الدورة 6 لملتقى الأجيال للكبسولة التوعوية    القنيطرة... اختتام دوري أكاديميات كرة القدم    حكومة أخنوش تتعهد بضمان وفرة المواد الاستهلاكية خلال رمضان ومحاربة المضاربات    هكذا يخطط المغرب لتعزيز أمن منطقة الساحل والصحراء    الإعلام في خدمة الأجندات السياسية والعسكرية    الرجاء البيضاوي يتجه إلى إلغاء الجمع العام مع إناطة مهمة الرئاسة إلى بيرواين حتى نهاية الموسم    روبرتاج بالصور.. جبل الشويحات بإقليم شفشاون وجهة سياحة غنية بالمؤهلات تنتظر عطف مسؤولين للتأهيل    تجميد المساعدات الأميركية يهدد بتبعات خطيرة على الدول الفقيرة    دراسة: هكذا تحمي نفسك من الخَرَفْ!    الصين: شنغهاي تستقبل أكثر من 9 ملايين زائر في الأيام الأربعة الأولى من عطلة عيد الربيع    المنتخب الوطني لأقل من 14 سنة يجري تجمعا إعداديا بسلا    الجمعية المغربية لدعم إعمار فلسطين تجهز مستشفى الرنتيسي ومستشفى العيون باسطوانات الأكسجين    استئناف المفاوضات بين حماس وإسرائيل الاثنين بعد رابع عملية تبادل للرهائن والمسجونين    أولياء التلاميذ يؤكدون دعمهم للصرامة في محاربة ظاهرة 'بوحمرون' بالمدارس    مؤسسة طنجة الكبرى تحتفي بالكاتب عبد السلام الفتوح وإصداره الجديد    تفشي "بوحمرون" في المغرب.. أرقام صادمة وهذه هي المناطق الأكثر تضرراً    مسلم يصدر جديده الفني "براني"    المجلس العلمي المحلي للجديدة ينظم حفل تكريم لرئيسه السابق العلامة عبدالله شاكر    القاطي يعيد إحياء تاريخ الأندلس والمقاومة الريفية في عملين سينمائيين    الإعلان عن تقدم هام في التقنيات العلاجية لسرطانات البروستات والمثانة والكلي    محاضرة بأكاديمية المملكة تُبعد نقص الذكاء عن "أطفال صعوبات التعلم"    أي دين يختار الذكاء الاصطناعي؟    أربعاء أيت أحمد : جمعية بناء ورعاية مسجد "أسدرم " تدعو إلى المساهمة في إعادة بناء مسجد دوار أسدرم    غياب لقاح المينانجيت في الصيدليات يعرقل سفرالمغاربة لأداء العمرة    أرسلان: الاتفاقيات الدولية في مجال الأسرة مقبولة ما لم تخالف أصول الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ياسر عرفات ، الرجل الذي لا يُخْتَلَف عليه ، وإن اختُلِفَ معه ..
نشر في التجديد يوم 11 - 11 - 2015

لن أنسى أبدا المشهد الذي ضم الشهيدين أحمد ياسين الذي اغتالته إسرائيل بصواريخ ال- ( هيل فاير ) في غزة وهو خارج من صلاة الفجر ، وياسر عرفات ، الذي حاصرته إسرائيل في المقاطعة المدمرة حتى الموت ، وذلك بعد إفراج الاحتلال الإسرائيلي عن الشيخ احمد ياسين على اثر محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن .. لقد كان للقاء الرجلين والعاطفة التي غمرتهما ، اثرها على نفسي شخصيا وانا الذي عرفت الرجلين عن قرب ، مع اعترافي بان معرفتي بالشيخ احمد ياسين – رحمه الله – أطول عمرا واقدم زمنا واكثر عمقا لأسباب لا تخفى على احد ..
لذلك الحديث عن الشهيد ياسر عرفات بالنسبة لي ، لا علاقة له بالانتماء التنظيمي الذي اعتز به ، فهو حديث نابع من القلب والعقل أحاول من خلاله الغوص في تفاصيل مشهد سيظل يشغل الراي العام الى ما شاء الله ..
الحديث في هذا الوقت بالذات يحمل ابعادا غارقة في الدم ، ما كان منها متعلقا بالشأن الفلسطيني التي تسير به قيادته نحو المجهول ، وما كان منها متعلقا بالوضع الإقليمي الذي يشهد انهيارا للعالم العربي بسبب تغول أنظمة الفساد والاستبداد الدموية التي تحكم اكثر الدول العربية وعلى رأسها سوريا ومصر ، والتي بدورها تجر وطننا العربي نحو المزيد من التشرذم والضعف والارتهان الخارجي ، وما كان منها متعلقا بالمجتمع الدولي الذي ما زال يبيع للشعب الفلسطيني كلاما لا يسمن ولا يغني من جوع ، في الوقت الذي يرى فيه الاحتلال الإسرائيلي يغتال بشكل ممنهج الحُلُمَ الفلسطيني في الاستقلال وكنس الاحتلال ..
منذ وفاته وحتى الان ازدحم الفضاء بأخبار المرحوم ياسر عرفات تماما كما امتلأ في حياته … مع كل حدث على ارض فلسطين الحبيبة وبالذات في هذا الوقت الذي يرسم فيه شباب فلسطيني ملحمة القدس والاقصى المبارك بصدورهم العارية في مواجهة وحشية الاحتلال الإسرائيلي ، نستذكر قصص ابطال هذا الشعب ، مستمدين منهم – بعد الله سبحانه – القوة والامل في غد مشرق رغم قتامة المشهد العام ومأساويته ..
ما من شك في ان الرجل عاش حياة غاية في التعقيد ، وقاد الثورة الفلسطينية في اكثر من منعطف تاريخي ، فجاءت قراراته وسياساته عبر عقود قيادته سببا في انفجار نقاشات داخل منظمة التحرير افرزت محاور وخلقت بؤر توتر بقيت مرافق له حتى آخر لحطة في حياته ، وأخرى خارجية تراوحت بين الاعجاب والاحترام على مستوى العالم ، وبين الكيد والتآمر عليه حتى انه لم يجد من الزعماء عربا وعجما من يقف الى جانبه وهو محاصر في غرفة ونصف في المقاطعة المدمرة ، تحيط به دبابات الاحتلال الإسرائيلي وطائراته المروحية من كل جانب ، تتحين الفرصة للانقضاض عليه ، وتحقيق حلم ( شارون ) في حينه ( بنقله الى العالم الآخر ) …
في الاحدى عشرة سنة التي انقضت منذ استشهاد عرفات ، صدر عدد كبير من التحقيقات الصحفية والبحثية المتخصصة حول ملابسات وفاته ، منها ما اكد وفاته بفعل مادة ( البولونيوم ) القاتلة ، الا أن قرارا دوليا او فلسطينيا نهائيا في هذه القضية لم يصدر بعد ..
مضى ياسر عرفات الى ربه سبحانه وتعالى ، فتحققت على المستوى الشخصي أمنيته التي تحدى بها العالم .. أعني تلك الكلمات التي ليس كمثلها ما يمكن أن يلخص حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات – رحمه الله – وهو محاصر في المقاطعة أثناء حرب ( الجدار الواقي ) الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة العام 2003 .. تلك هي كلماته التي رددها من غرفته المظلمة إلا من أنوار شموع في المقاطعة في تلك اللحظات الملحمية : ( يريدونني أسيرا أو طريدا أو قتيلا ، وأنا أقول ، بل شهيد .. شهيد .. شهيد … ) …
كم كشفت وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات ­رحمه الله­ – منذ وفاته وحتى الآن – من الوجوه الشائهة الكالحة ، وكم عرّت من سياسات زائفة بائسة .. كم يخشى من مواقفه وهو تحت اطباق التراب زعماء وزعماء ، احرجهم الى حدّ الاسطورة في شموخه وصموده وثباته على المبادىء مهما كلفه ذلك من ثمن .. أحرجهم في حياته لأنهم كانوا إلى جانبه أقزاما هزيلة ، وإن حملت هياكلهم اجسام الفيلة .. فهم أجساد … مجرد أجساد ، تقتات على دماء الشعوب .. مجرد كُتل من النزوات والشهوات المرتمية في أحضان الدنيا الزائفة بلا أحلام ، وبلا طموح .. تعيش في مستنقعات الدنيا وإن سكنوا القصور وتحركوا بسيارات الليموزين …
زعيم صاحب هَمٍّ وَهِمَّة…
لم يكن عرفات­ – رحمه الله – ­ من هذا الطراز من الزعماء، وما كان له أن يكون كذلك .. لأنه رمز لقضية فلسطين الوطن السليب المهدد بالابتلاع النهائي والتهويد الكامل ، والشعب الذي يعيش الأغلب الساحق من ابنائها وبناتها لاجئين في مختلف البلاد والاصقاع ، يغرقون يوما بعد يوم في جوف الواقع المجهول والمستقبل المجهول وسط زحام وأزقة المخيمات واوضاعها المزرية ..يحملون همّ (الخيمة) الاولى فيما رمزت اليه من ضياع وطن وارض ومقدسات ، وهموم اجيال ما زالت تنتظر لحظة العودة على أحرّ من الجمر في مواجهة العواصف العاتية من النكران العربي والاسلامي والعالمي ، وتخلي المجتمع الدولي ، الا من فتات لا يسمن ولا يغني من جوع .. مجرد ذر للرماد في العيون ، ومحاولة لتخدير المشاعر ، وتزييف الحاضر والمستقبل ارضاءً لنزعات العدوان الامريكو­- إسرائيلي الطاغي والمنفلت …
ما كان لعرفات أن يكون من ذاك الطراز المزيف من الزعماء ، لأنه يقود شعبا كثيرا ما من اطلق عليه صفة " الجبارين" ، في اشارة الى ذات الشعب الفلسطيني الذي وقف امام الغزو اليهودي الاول..
كان عرفات واعيا تماما لهذه الثنائية وابعادها ورأي الاسلام فيها ، الا انه تعمّد استعمال هذه الصفة الدالة على الصلابة والقدرة على الصمود والثبات وتحمل الأعباء مهما ثقلت ، خصوصا وقد مزجت بتكريم الاسلام لهذا الشعب ، وتعظيم الدين لهذه الارض التي جعلها الله سبحانه ارضا مباركة ، وكتب ان تظل ارض رباط ، ومستقر الطائفة المنصورة الى يوم القيامة ..
أحرج في حياته كما أحرج بعد وفاته…
مهما اختلف الناس مع عرفات وهو حي في كثير من القضايا ، فلا أرى أن أحدا يختلف في أنّ لرحيله المفاجئ اثره الكبير على كل الأصعدة .. فكما احرج الدول والزعماء في حياته ، وحير الافكار والعقول في صموده وعناده واصراره على تحقيق الآمال الفلسطينية دون تفريط في اي من الثوابت الفلسطينية ، فقد كشف بالقوة ذاتها عن حقيقة الموقف العربي والعالمي حيال مستقبل القضية الفلسطينية .. لم أعد اخرج من حساباتي امكانية ان كثيرا من زعماء العرب والعالم كانوا يتمنون موت هذا الزعيم في حينه ، حتى يتخلصوا من هذا الثقل الاعتباري الذي شكله ، الى درجة يخاف معها رؤساء العالم من ذكر اسمه ، ناهيك عن أن يضع الواحد منهم ممن يزورون المقاطعة ، إكليلا من الزهور على قبر عرفات أثناء زيارتهم الكثيرة لعرين هذا البطل لبحث مبادرتهم الفجَّه لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط .
حضور لم يُلْغِهِ الموت …
لقد نجح عرفات­ – رحمه الله -­ وبجدارة بعد وفاته ، ان يحول الكرة الى ملعب اعدائة واصدقائه على حد سواء .. دول الاستكبار العالمي رأت فيه العقبة الكأداء في وجه تمرير مؤامرة التسويات ، في الوقت الذي رأت في ( شارون ) حينها صاحب التاريخ الأسود المعروف، بطلا للسلام (وماما تيريزا ) جديدة .. لم يستطع عرفات في حياته أن يُقنع العالم بخطأ هذا الموقف ، لسبب بسيط وهو أن عرفات لم يجد من الانصار العرب والمسلمين والدوليين من يجرؤ على ان يقول لامريكا وإسرائيل : لا ..
عرف العالم أن إسرائيل وسياستها هي سبب الازمة وأساس المشكلة ، وهذا ما ثبت بشكل قاطع منذ أوسلو وحتى الآن ، إلا أن لإسرائيل حليفتُها الكبرى ، ولاسرائيل قوى الضغط اليهودية وحلفاؤها من التيارات المسيحية المتطرفة … ولإسرائيل أخيرا أجهزتها الأخطبوطية الغنية المدافعة عنها في كل ميدان وفي اغلب بقاع الدنيا وخصوصا في المناطق المؤثرة في العالم ، رغم أن ( نتنياهو ) رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ليس أكثر من ( كذاب ) وشخص ( لا يطاق ) في نظر الكثير من زعماء العالم الغربي بمن فيهم ( أوباما ) الرئيس الأمريكي ، وذلك نشرته وسائل الاعلام المختلفة .
ما دامت إسرائيل بهذه القوة ، فقضاياها هي المنتصرة ، حتى وإن كانت المهددة الاولى للأمن والاستقرار الدوليين ، كما جاء في استطلاعات الرأي الأوروبية .. لم يكن هنالك بدّ اذاً من اجل قلب الصورة من أن يموت عرفات حتى تنكشف الحقائق ، من غير أن نعلق آمالا كبيرة على تحرك عالمي وعربي واسلامي يستثمر هذه التغيرات لتعرية السياسة الاسرائيلية والامريكية ، واثبات أن العقبة في وجه السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط ، والسبب المباشر لما يسمى بالإرهاب في العالم ، هي اسرائيل وسياساتها الوحشية ، وامريكا ومواقفها العدائية لكل ما هو عربي واسلامي ..
هذا فعلا ما يليق بعرفات البطل .. إن له دورا في حياته ، كما له بعد رحيله .. انه من النوع الذي لا يكل ولا يملّ .. لا بد ان يظل في صلب الحدث … ولا بد أن يحرك الخيوط حتى ولو من تحت اطباق التراب … ماذا فعل العالم بعدما رحل عرفات ، وزالت العقبة كما زعموا ؟!!
ماذا قدم العرب والمسلمون الذين احرجهم عرفات كثيرا في حياته للقضية الفلسطينية ، وهم يرونه يقود شعبه من خلال ( علبة) المقاطعة المحطمة ، ومن وراء اكياس الرمل التي ملأت مداخل مكتبه خوفا من اقتحام اسرائيلي مفاجىء..؟!! احدى عشرة سنة مرت على وفاته – رحمه الله – ، وذهب بوش بكل أرجاسه ، وجاء أوباما … ووعد أوباما ، فضغطت إسرائيل فلم يصمد زعيم أمريكا ( الأسود ) وانهار عند أول امتحان لسياسته …
سنوات عجاف أثبتت بشكل قاطع أن أمريكا وإسرائيل لا يريدون شريكا لسلام حقيقي ، وإنما يريدون ( عميلا ) يخدم مصالحهم وينحر القضية الفلسطينية من الوريد إلى الوريد باسم الشعب الفلسطيني ونيابة عنهم … لم يكن عرفات هو المشكلة فقط ، ولكن الحقيقة أن كل فلسطيني يقف على رأس الهرم السياسي الفلسطيني ثم هو يصر على الحقوق والأماني والثوابت الفلسطينية ، يشكل هو أيضا مشكلة يجب أن تُزال …
لو أن الله قدر للأموات ان يتكلموا ولعرفات­ – رحمه الله – ­ ان ينطق وهو في نعشه ، لقال لمن نظم له الجنازات المهيبة يوم وفاته : لا أريد تلك الاستعراضات وبالذات على ارض عربية ، ولا اريد احدا ان يسير في جنازتي، ولا ان يشارك في وداعي .. اريد العودة السريعة الى احضان وطني وشعبي .. كم تمنيت ان تكونوا معي في حياتي ، وأن تقفوا مع شعبي في محنته كما يقف الاخوة الاشقاء .. لم تفعلوا وقد كنتم وما زلتم ترون ما يُفعل بي وبشعبي ، وما يُرتكب في حقه من جرائم وفظائع .. لم تفعلوا شيئا ذا بال ، مع شكري الجزيل لكم على ما قدمتم لشعبي من فتات موائكم وفوائد أرصدتكم !!!
لقاءات وذكريات…
في كثير من اللقاءات التي جمعتنا بعرفات -­ رحمه الله -­ منذ عودته الى ارض الوطن وحتى قبل وفاته بفترة وجيزة ، لمست الألم الذي يعتصر قلبه على الواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية ، لأسباب نعرفها جميعا .. إلا أنه وللحقيقة ما سمعته يوما ينتقد من اسماهم ( بأشقائه العرب) ، بل ذهب مرة الى حد الدفاع عنهم ، على اعتبار أن هذا ما يقدرون عليه في ظل الظروف والتعقيدات التي يعيشونها ..
رغم ذلك،ما كان صعبا علينا فهم ما بين الكمات .. لقد كان الرجل يرزح تحت همّ كبير ملأ قلبه ، وأكل احشاءه .. لا شك عندي في أن الانظمة العربية والاسلامية شريكة الى حدّ كبير في (قتل أمل عرفات) وما زالت حتى اليوم ، وجاءت العوامل الأخرى لتهدّ الجسد بعدما مات الأمل .. فهل سيقتل العرب والمسلمون قضية فلسطين، بعدما قتلوا الامل في قلب قائدها ؟!!!
حينما كنا نسأله عن السر في صموده رغم كل ما يلقاه ، كان يقول الله سبحانه وتعالى ووعده النافذ، وأملي في أن يشرفني الله سبحانه ببناء اللبنه الاولى في مدماك فلسطين المحررة ، مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومهد المسيح عليه السلام ) .. لقد كان يتحدث بحب لم اعرفه في غيره عن الشعب الفلسطيني ، والذي شكل بعد الله سبحانه الرافد الذي أمدّه بالطاقة المطلوبة على استمرار الصمود في ظل ظروف غاية في القسوة والخطورة .. قال لنا يوما وهو يصف علاقته بشعبه في ظل صورة الصراع العامة : ( انظروا الى هذا الشعب البطل كم يعاني ، وكم يضحي في سبيل كرامته ووطنه ومقدساته ، فكيف لي أن اشكو … سعادتي في ان اتحمل في هذا المبنى/المقاطعة ، شيئا ولو يسيرا مما يعاني منه شعبي .. هذا الشعب الذي شرفني بقيادته ، واكرمني بتمثيله .. ان كان هنالك الكثيرون ممن يطالبونني بالاستسلام ، فأدير لهم ظهري .. لا أفعل ذلك الا لانني ارى شعبي وهو على ما هو عليه من الاصرار على الحق مهما كلفه ذلك ، فكيف يمكنني الا ان اكون مع شعبي في خياره ) .
إن النصر مع الصبر…
أثناء حديثنا في احدى اللقاءات مع الرئيس الراحل عرفات­ – رحمه الله -­ والذي كان حديثا ابعد ما يكون عن الاحاديث الرسمية ، واقرب ما يكون الى احاديث الأهل ( وسواليفهم ).. فتح جارور مكتبه وطلب منا ان ننظر فيه .. كان الجارور مليئاً بأنواع الادوية .. قلنا : ما هذا ، ولم كل هذا الدواء ؟؟! قال:(من يحمل هم ّهذه القضية بحق في ظل الظروف التي تعرفون ، ستثقل عليه الامراض، ولا بد ان يحتاج لهذا الكم من الادوية)..
دار بعد ذلك حديث طويل ، اكدنا فيه على أعظم الدواء الذي يحتاج اليه الفلسطينيون قيادة وشعبا حتى تحقيق الحرية والاستقلال ، وهو(دواء الصبر)، لأن الصبر قرين النصر كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم:(اإن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا)…

شهيد من طراز فريد…
لقد سمعنا عرفات ­- رحمه الله -­ كما سمعته كل الدنيا ، يتحدث عن الشهادة في سبيل الله، ونذكر جميعا ما قاله في خضم الهجمة الشرسة التي شنها عليه وعلى الشعب الفلسطيني جيش الاحتلال الاسرائيلي فيما سمي حينها بعملية(الجدار الواقي) ..لقد اقتحم عليه جيش الاحتلال المقاطعة ، ودمروا كل ما فيها ،ولم يبق هنالك الا البناء الصغير الذي يسكنه ويدير شؤون السلطة الوطنية منه.. قال حينها:( يريدونني سجينا ، او طريدا،وانا اقول :شهيدا ..شهيدا .. شهيدا ..).
لقد تأثر كل من سمع هذه الكلمات ، وكان لها أثرها الحزين في قلوبنا ايضا، رغم ما اعتقده البعض من أن هذه الكلمات جاءت في سياق رفع معنويات الشعب الفلسطيني ليس أكثر ..انحزت الى احساسي الشخصي في هذا الشأن … لقد عنى الرجل كل كلمة قالها .. لن يعطي إسرائيل فرصة لتشريده من جديد ، وقد عاد الى وطنه .. لن يمنح إسرائيل الفرصة لإلقاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة،كما كان يطالب بذلك عدد كبير من حلفاء شارون وقادة عسكره ..لقد استعد الرجل للشهادة في سبيل الله سبحانه دفاعاً عن فلسطين ..دفاعاً عن القدس والأقصى .. دفاعا عن وطن الآباء والاجداد.. دفاعاً عن الحق المغتصب ، ودفاعاً عن الكرامة والشرف … كان هذا شعوري حيال(اعلان الشهادة)الذي اصدره الرئيس الراحل ..
تأكد هذا الشعور في احدى زياراتنا الاخيرة اليه في المقاطعة ..لاحظنا وجود سلاحه الشخصي الى جانبه دائما … مركوزا في مكان قريب في متناول يده .. سألناه مازحين : ما القصة يا سيادة الرئيس؟ فأجاب مداعبا : ( الموت ولا المذلة)!… لقد اخذ رحمه الله في حساباته اسوأ الاحتمالات ..ووطّن النفس على الاستشهاد اذا ما اضطره اعداؤه الى ذلك ، الا ان الله سبحانه شاء ان يموت شهيدا على فراشه .. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ….
جاءت الأحداث بعد وفاة عرفات وإلى هذا اليوم ، تحمل رسالة واحدة : ليس أمام الشعب الفلسطيني من بديل إلا أن يتوحد ، فالخصم موحد على ثوابته والعالم قد قرر منذ زمان التخلي عن قضيته … عرفات في حياته وموته يجسد هذه الرسالة : لا تنخدعوا في قريب أو بعيد ، فوحدة الشعب وإيمانه بالله ثم بثوابته ، هي بوابته إلى المستقبل الواعد ، ولو بعد حين …


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.