الآن بعد حوالي عامين على إشعال البوعزيزي شرارة الاحتجاجات العربية، تبدو الصورة أكثر وضوحا: «الربيع العربي» انتهى ب«خريف إسلامي» في الدول التي تغيرت أنظمتها، جزئيا أو كليا، وبمأزق دولي في سوريا، حيث تدور حرب طائفية ضروس، حولت طموحات الشعب السوري في التحرر من نظام مستبد إلى صراع مفضوح بين «معسكر سني» تقوده السعودية وتركيا وقطر، برعاية الغرب والولايات المتحدة، و«معسكر شيعي» تتزعمه إيران بمساندة روسيا والصين. وإذا كانت شلالات الدم التي تراق يوميا في الشام تجعل الشعوب تفكر ألف مرة قبل أن تخرج إلى الشارع لإسقاط النظام، لأن الفاتورة يمكن أن تكون أكبر من كل التوقعات، فإن الأكيد أيضا أن جدار الخوف في العالم العربي سقط إلى الأبد، ولم يعد الرجوع إلى الوراء ممكنا، ولا شيء على الإطلاق يمنع من اندلاع موجة احتجاجات جديدة في كثير من البلدان العربية، بما فيها تلك التي تعتبر نفسها محصنة، ما لم تفهم أنظمتها أن العالم القديم مات وولد على أنقاضه عالم جديد. الشارع يمكن أن يأخذ الكلمة في أي وقت، ما لم تتحرك هذه الدول في الاتجاه الصحيح، أي نحو الديمقراطية الحقيقية التي تضمن العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، وتردم الهوة بين الفقراء والأغنياء؛ بل إن هناك من يرى أن الشوط الأول من «الربيع العربي» أسقط «الديكتاتوريات الواضحة»، وسيأتي الدور على «الديكتاتوريات الملتبسة» في الشوط الثاني من المباراة. وإذا كانت بلادنا شكلت «استثناء» في طريقة تعاملها مع الاحتجاجات، من خلال دستور يوليوز وحكومة بنكيران، فمن الخطإ الاعتقاد أن المغرب «قطع الواد ونشفو رجليه». التظاهرات التي خرجت نهاية الأسبوع في بعض المدن، لم تجمع حشودا كبيرة، لكن الشعارات التي رفعت فيها كانت قوية جدا، وغير مسبوقة في بعض الأحيان، وعلى من يعنيهم الأمر أن يلتقطوا الرسالة قبل فوات الأوان. حملة القمع والاعتقالات التي تطال ناشطي حركة 20 فبراير تدل على تهور واضح من طرف جهات معينة في الدولة، وتكشف عن قصر نظر سياسي وضعف في الحنكة والتدبير. من يقفون وراء هذه الحملة واهمون حين يعتقدون أنهم يضربون عصفورين بحجر واحد: يخرسون الأصوات المزعجة عن طريق القمع والتهم الملفقة، ويضعون وزير العدل «الإسلامي» في موقف حرج، بشكل يجعل مبادراته على رأس الوزارة تبدو سخيفة وانتقائية، وتدفعه إلى تبرير الواقع بتصريحات مكلّفة من قبيل: «لا يوجد في المغرب معتقلون سياسيون!»، كما قال لقناة «الميادين»، قبل أن يتراجع عن كلامه... المغاربة لا «يرضعون» أصابعهم، وصاروا يفهمون ما يحاك في الدهاليز، وعلى من يهمهم الأمر أن ينتبهوا إلى أن قمع الاحتجاجات مع الوضعية الاقتصادية المتدهورة يجعل البلاد تقف على برميل بارود، يمكن أن يشتعل في أي وقت. أرقام العجز تفاقمت، بسبب كلفة احتجاجات العام الماضي، وإذا اشتعلت الاحتجاجات مجددا يمكن أن نسقط في ما لا تحمد عقباه. إذا كانت التظاهرات الغاضبة تحشد اليوم أناسا أقل، فإن السبب يعود بالأساس إلى الانسحاب التكتيكي لجماعة «العدل والإحسان»، ولا شيء يمنع أنصار الشيخ ياسين من العودة إلى الشارع في الأيام المقبلة، خصوصا إذا رأوا أن الشروط باتت متوفرة لقطف الثمار. حكومة بنكيران فقدت كثيرا من مصداقيتها، وكثير ممن وقعوا له شيكا على بياض «غسلوا عليها يديهم»، خصوصا بعد «اسكيتشات» «البنان» و«عفا الله عما سلف» ومسلسل الاعتذارات المتكررة التي جاءت أقبح من زلاته. أما وزير الاتصال مصطفى الخلفي فقد هيأ «دفتر تحملات» لإصلاح التلفزيون، ورفضت دفاتره وسحب منه المشروع، وتهجم عليه مرؤوسوه في وسائل الإعلام بإيعاز من الجهات إياها، في سابقة لم تعرفها أي حكومة مغربية. ومهما برّر مصطفى الرميد ما يجري في مجال العدالة، فإن الخلاصة التي يستنتجها المراقب في عهده كوزير للعدل هي أن القضاء يلاحق نشطاء العشرين من فبراير ويفبرك لهم ملفات كي يفرقهم على السجون، في حين يتمتع المفسدون بحياتهم ومصالحهم وما نهبوه، ويواصلون ما كانوا يصنعونه في وقت سابق. هل تغير شيء في المغرب؟