ما كنت أحسبني أقف يوما لرثائك؛ إذ خيل إلي، رغم خطورة مرضك، بأنك لا تقهرين وتقاومين على الأقل خلال بضعة سنوات أخر. كنت أحلم وحلمي هذا مبرر؛ إذ لا أحد مثلك وقف شامخا عالي الهامة متحديا ومبتسما أمام شراسة هذا المرض الخبيث. لذلك لم أكن مستعدا لمواجهة لحظة الوداع الأخير، وأنت تعرفين أكثر من الرفيقات والرفاق والإخوة والأخوات، بأنها ثاني مرة أكون فيها في مثل هذه الوضعية؛ الأولى يوم وفاة ما كنت تسمينها أختك الصغيرة أقصد زوجتي باني التي رحلت قبلك ولم ترحل تماما كرحيلك هذا الذي يزيدك حضورا في فضائي الفكري والوجداني مدى حييت. هذا الحضور الدائم، رغم الغياب ورغم الثكل، هو الذي يجعل خطابي موجها إليك مباشرة متحاشيا أو قولي فارا من استخدام فعل « كان» الذي يستعمل عادة في مثل هذه المناسبات. صعب على امرئ مثلي الحديث، بصفة الغائب الذي لا يعود، عن أخت لم تلدها لي أمي لكن لي معها من الأواصر التي انصهرت وتشابكت إلى أقصى الحدود. أختي زهور، من أين أبدأ؟ نعم، أتخيل ابتسامتك الناقدة والمستفسرة كحالها المعهود تقول لي: أهذا سؤال منهجي تتكئ عليه لبناء كلمتك؟ أبدا، أختي زهور، أنت أستاذة فلسفة وتعرفين، قبل غيرك، أنه عندما يحضر العقل والتحليل ينتفي الوجدان أو على الأقل يرتد إلى أقصى ما يمكن. نعم إن المصاب جلل، لا بالنسبة إلي فقط وإنما بالنسبة لكل المناضلات والمناضلين، الحقوقيات والحقوقيين وكل شرفاء هذا الوطن، والمعنية أخت وصديقة وزميلة دراسة وتدريس ورفيقة نضال وشريكة اتجاه فكري ونضالي ترك بصماته الريادية في تاريخ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وعموم الحركة التقدمية النقابية منها والسياسية. إنها اللحظة بامتياز التي ينأى العقل بنفسه، لدى المتشبعين به، لتنجلي القيم والمبادئ في ذاتيتها وإطلاقيتها بدون حسابات ولا تكتيك؛ «الأخوة» في ذاتها و»الصداقة» في ذاتها و»الالتزام» في ذاته، لا من أجل مصلحة شخصية وإنما بدون مقابل ولمصلحة القضايا الوطنية ومصالح المحرومين والمستضعفين؛ هي ذات المبادئ والقيم التي تربيت عليها وجعلت منها بوصلة لمواقفك ونهجا لحياتك. أنت تعرفين بأني لم استوعب المصاب، فهو أكبر من رباطة جأشي مما يشفع لي بهذا النوع من التيه وبهذا الوهن الوجداني. ألم أتحكم في مشاعري وبكيتك في بيتك، بل في غرفة نومك، صباح اليوم الذي جئتك فيه لنرتب سويا عملية استشفائك؟ بكيتك صباحها وأنت صاغية في شموخك المعتاد وتكتبين لي مجمل التفاصيل على وريقات ما زلت أحتفظ بها؛ لأن نفسك، وقتها، بدأ يخونك وعدت غير قادرة على الكلام الطويل. ولأني في سياق الحديث عن ضعفي، فإني أعتذر لك على عدم قدرتي على تلبية رغبتك في أن أكون أول المتدخلين يوم جنازتك. وقتها لم يكن لي مجال سوى أن أبكيك وليست لي شاعرية الخنساء لأبكيك شعرا فرثيتك دمعا. آه منك يا زهور، لقد رتبت كل شيء بما في ذلك كيفية جنازتك وكل مجرياتها. كم أنا أغبطك على شجاعتك وقوة جلدك.. أنت تعرفين أنه في مثل هذه اللحظات غالبا ما تهتز المواقف وتختلط الخطوات؛ رجل تتقدم وأخرى تتراجع في دوامة أمل صغير هو ما كنت فيه طيلة الأيام الأخيرة قبل الرحيل؛ بصيص الأمل هذا شاركني فيه أخونا عبد اللطيف المنوني ورأيته أيضا في عيون كل من بهية وكنزة وأفراد العائلة وكل الأخوات والإخوة الذين كانوا يتوافدون على المصحة لزيارتك. لقد كنا جميعا تحت جاذبية هذا الأمل في غفلة من أمرنا ما عدا الأطباء وأنت. وهكذا قررت، بتواطؤ مع الحمام، الرحيل،لا لأنك ثعبت فقط ولكن لترحلي في عز واعتزاز. لكن صدقيني لن ترحلي تماما فمصيرك، أقصد مصير إرث نضالاتك وعطاءاتك، لم يعد بيدك بل بأيدينا نحن الذين خبرناك ورافقناك وقاسمناك حلو ومر النضال منذ أواسط الستينات؛ لقد أصبح هذا الرصيد أمانة في عنقنا. من هنا تدركين أن كلمتي وإن كانت مباشرة فإنها مناسبة أيضا لأشرع من الآن في تأدية الأمانة. أختي زهور، لن أدخل في التفاصيل ولن أتعرض لمناقبك التي هي عديدة ومتنوعة طالت مجالات مختلفة وسأحاول إبراز السمة الدالة من شخصيتك من خلال واقعة حصلت لي. وأنا أشتغل حول موضوع الحركة الوطنية والمسألة الثقافية اعترضني إشكال أوقفني كثيرا ويتعلق الأمر بشخصيتين طبعتا مسار الحركة الوطنية بالمغرب ولم يخلفا كتبا أساسية ؛ أبي شعيب الدكالي الذي كان له الفضل في إدخال الفكر السلفي المتنور سنة 1908 إلى المغرب وأحد أتباعه مولاي العربي العلوي.( نعرف بأن الحركة السلفية شكلت الأيديولوجية التي أطرت الفكر الوطني المغربي بكامله. أنظر مقالي حول السلفية الوطنية المنشور في كاتب دراسات مغربية، مهداة إلى الأستاذ محمد عزيز الحبابي ، 1983). هذا الأمر اعتبرته وقتها مفارقة لم أستوعبها إلى أن قرأت مقالا لأستاذنا الكبيرعبد الله العروي حول منهجية الفكر المغربي المعاصر نشره في مجلة الثقافة الجديدة في أوائل السبعينات ويميز فيه بين الفقيه والمحدث. لن أعود لما قاله الأستاذ وإنما أسجل أنه، بعدها، تبين لي الأمر واعتبرت أن المحدث هو إلى حد ما مرتبط بالممارسة ويحمل رهان قضية اجتماعية يناضل من أجلها وينشط بالأساس كمعلم وكمربي انطلاقا من سيرة ما، هي بالنسبة للمحدث سيرة الرسول، لأخذ العبرة وحشد الطاقات لأن التغيير يتطلب الأطر المتشبعة والقادرة على النضال من أجل القضية المنشودة. عرجت على هذه الواقعة لأبين، لمن لم يعرفك عن كتب، بأنك في الأصل المعلم مثل هاتين الشخصيتين العظيمتين. ولا أقصد بذلك المدرس بالمعنى الأكاديمي وإنما ذلك الذي يخلف أطرا ويقدم الدروس غير النظرية فقط وإنما أيضا العملية والقيمية والمبدئية ويعطي القدوة والريادة. سقراط أبو الفلسفة كان معلما ولم يخلف كتبا، لكنه ترك أتباعا في طليعتهم أفلاطون. أعرف أن هذا المسلك ليس اختيارا منك وإنما هو جزء من طبيعة شخصيتك؛ إذ كل من درس معك يا زهور أو رافقك أو تتلمذ عليك يعرف أنك متمكنة من اللغة العربية وتكتبين جيدا وبلغة سلسة وتستطيعين تحرير عشرات الصفحات في وقت وجيز. أستاذنا الكبير نجيب بلدي، الذي له كل الفضل على مسار الفلسفة بالمغرب، كان يعتبرك مشروع فيلسوفة لأنك متمكنة من اللغة. ولا يقدر التمكن من اللغة، التي لها جاذبيتها السردية الخاصة، إلا من كان سليم التفكير بناء وتصورا وتحليلا؛ وشتان ما بين من تتمكن اللغة منه ومن يتمكن منها. لو ركنت للكتابة، يا زهور، لخلفت عدة مجلدات. لكنك ملت إلى مقاربة المدرس أو المعلم المؤسس لأنها توافقك، فقدمت الدروس والمبادرات المؤسسة لممارسات جديدة وتقدمية وخلفت فعاليات في المجال الحقوقي والنسائي والتربوي والنقابي والسياسي والثقافي. هذا العطاء الهائل والمتنوع هو الذي جعلك تكرمين في حياتك عدة مرات من طرف جمعيات ومؤسسات. لن أتحدث عن فصاحتك التي تعكس الفكرة بطلاقة نادرة وبرنة متميزة تشد السامعين؛ فصاحة لسانك لها شاعرتها الخاصة، وفي كل المواضيع، حتى تلك التي يغلب عليها التنظير والتحليل. لن أطيل في هذا الجانب وأكتفي بالتذكير أن هناك دائما تباينا بين التفكير ولغة التعبير عنه لدى المتكلم أو الكاتب. فعندك هذا التباين يضيق، إلى أقصى الحدود، في خط تقربي، بالمعني الرياضي؛ مما يعكس تحكم الفكرة علي الكلمة المنطوقة أو المكتوبة في علاقة سلسة تزيدينها رونقا وفصاحة بنبرة صوتك الخاصة عندما تتحدثين، وبأسلوبك الجميل عندما تكتبين. وأعتقد أن هذا التناغم بين التفكير والفصاحة، الذي تتملكينه، هو ما أعطاك قوة في الإقناع وفي التناظر وفي الترافع، وهي كلها عناصر أساسية لتعبئة الآخرين وانخراطهم في الفكرة أو القضية أو المشروع. أختي زهور، كان بودي إبراز كيف اشتغلت مقاربة المعلم المؤسس عندك في المجالات التي عملت أو ناضلت فيها مما يتطلب مداخلات طويلة لا يسمح بها مقام اليوم، لذلك سأعرج على بعضها في شكل عناوين أعدك بأنها ستنشر مفصلة لاحقا لإبراز الدروس التي يمكن اعتبارها في مسيرتك النضالية ويتعلق الأمر بدرس النضال النقابي والسياسي ودرس النضال في الحركة النسائية ودرس النضال في الحركة الحقوقية. لكن لن أختم حديثي إليك، اليوم، دون الإشارة إلى المحصلة التي أستخلصها من سيرتك أو إذا شئت الدرس الجامع الذي تلمسته عبر عقود السنوات التي جمعتنا صداقة ونضالا وأقدمه ل بهية وكنزة وجيلهما نساء ورجالا كالآتي؛ من كان مثلي له حظ رفقة امرأة من طينتك لكان له شرف القول: « زهور امرأة، ولا الكثير من الرجال»