بعد مضي عدة أسابيع على إفراغه بالقوة من المتظاهرين، عاد ميدان حي القصبة، المواجه لمقر الحكومة، بالعاصمة التونسية، ليشكل، منذ بداية الأسبوع الجاري ، مسرحا للتظاهر والاعتصام ورفع شعارات سياسية تطالب بإسقاط الحكومة الحالية وتجميد العمل بالدستور وحل البرلمان وتأسيس مجلس تأسيسي يسهر على وضع دستور جديد للبلاد. + موجة جديدة من ضغوط الشارع التونسي+ وتأتي هذه الموجة الجديدة من الضغوط التي يمارسها الشارع التونسي على الحكومة الانتقالية في نسختها الثانية ،التي تشكلت قبل أربعة أسابيع، في وقت رفعت فيه المعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني من سقف مطالبها السياسية، والمتمثلة على الخصوص في إنشاء هيئة عليا ل`"حماية الثورة" بصلاحيات تقريرية من أجل مراقبة الحكومة وتأمين المرحلة الانتقالية. فقد اضطرت قوات الأمن أول الأمر ، إلى إطلاق النار في الهواء في محاولة لتفرقة آلاف المتظاهرين الذين تجمعوا منذ يوم الأحد الماضي ، قبل أن تسمح لهم بمواصلة الاعتصام وترديد شعارات ورفع لافتات تعبر عن مطالبهم ، في وقت نقل فيه الوزير الأول محمد الغنوشي مكاتبه إلى القصر الجمهوري بمنطقة قرطاججنوب شرق العاصمة بعيدا عن صخب المدينة. والواقع أن هذه التظاهرات الشعبية وما تحمله من شعارات، وإن بدت تلقائية، فهي تمثل تعبيرا أمينا عن المطالب السياسية التي تركز عليها المعارضة ، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه التحركات الجديد تحظى "بتأطير سياسي" ، من قبل المعارضين للحكومة الانتقالية بهدف زيادة الضغط على هذه الأخيرة . + المعارضة ترفع من سقف مطالبها+ ويبدو أيضا أن الهيئات السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني ،من خلال هذا "التصعيد" ، قد أرادت الرفع من سقف مطالبها من خلال التركيز في هذه المرحلة على تشكيل هيئة عليا ذات "صلاحيات تقريرية"، لمراقبة أعمال الحكومة وتأمين المرحلة الانتقالية، أي "المجلس الأعلى لحماية الثورة"، خاصة بعد أن رفع أصحاب هذه المبادرة خلال الأسبوع الماضي ، مشروعهم إلى رئيس الجمهورية المؤقت، في انتظار الرد عليه . وكانت موجة أولى من الاحتجاجات والاعتصامات المتواصلة ، قد شهدها نفس المكان، في أواخر يناير الماضي واستمرت أسبوعا كاملا تطالب بإسقاط الحكومة وإبعاد رموز النظام السابق ، تم على إثرها في 27 يناير الماضي، الإعلان عن تشكيلة جديدة لحكومة الغنوشي ،بعد أن غادرها عدد من الوجوه المنتمية للحزب الحاكم سابقا ،كانت على رأس وزارات السيادة ، أي الدفاع والخارجية والداخلية. ومما يزيد من حجم التحديات التي توجده الحكومة ، في المرحلة الراهنة ، حسب المحللين ، البطء في عودة الأمن والاستقرار في البلاد ، بالإضافة إلى تصاعد الحركات الاحتجاجية في العديد من القطاعات على خلفية مطالب اجتماعية ، مما يعرقل عودة الأنشطة الاقتصادية إلى وتيرتها الطبيعية. أمام هذا الوضع المعقد ، أصبحت هوة الخلافات تتسع، بين معسكر المؤيدين للتوجه الحالي لحكومة محمد الغنوشي ولأسلوبها في تدبير المرحلة الانتقالية ، من جهة، وبين معسكر الأحزاب والتيارات ومنظمات المجتمع المدني المعارضة لها ، والذي يتزايد زخمه يوما عن يوم . وفي ضوء هذه التجاذبات وما يتخللها من جدل في المنتديات وعلى صفحات الجرائد، يرصد المحللون عددا من الاتجاهات ،كل منها يحاول إضفاء المصداقية على السيناريو الذي يراه مناسبا للمرحلة القادمة. + الدعوة إلى احترام الشرعية الدستورية+ فهناك الذين يدعون إلى احترام "الشرعية الدستورية" في تدبير المرحلة الانتقالية والوصول إلى تنظيم انتخابات رئاسية في ظرف 6 أشهر،ولذلك يدعم أصحاب هذا الاتجاه الحكومة الحالية ، وإن اقتضى الحال، في رأيهم ، توسيعها لتشمل أطرافا سياسية أخرى ،باعتبارها حكومة دستورية ،نصبها رئيس الجمهورية المؤقت ، فؤاد المبزع ،رئيس مجلس النواب السابق ،والذي يستمد شرعيته من أحكام الدستور( الفصل 57) . ويرى المساندون لهذا التوجه ضرورة مساعدة الحكومة على تهيئة الأجواء المناسبة لانتخابات رئاسية "حرة ونزيهة" تحت مراقبة دولية ،على أن يتولى الرئيس المنتخب بعد ذلك حل البرلمان الحالي والإعلان عن انتخابات برلمانية في ظل منظومة قانونية جديدة. ولذلك فهم يرفضون إنشاء ما يسمى بهيئة حماية الثورة. وأغلب المؤيدين لهذا التوجه يوجدون ، إما ضمن الحكومة الحالية أو من بين الشخصيات المستقلة أو داخل ما يسمى بالأغلبية الصامتة. وفي هذا السياق ترى حركة التجديد (معارضة يسارية مشاركة في الحكومة) أن المطالبة بإنشاء مجلس لحماية الثورة موقف "انفرادي ومتسرع"، مشيرة إلى أن الصلاحيات الموكولة لهذا المجلس تجعل منه أداة "لاحتكار السلطة وإخضاع الحكومة الحالية لإرادة مجموعات نصبت نفسها ناطقة باسم الشرعية الثورية بدون تفويض شعبي". وتقول الحركة، التي يتولى أمينها العام، أحمد إبراهيم حقيبة التعليم العالي والبحث العلمي، إن هذا الوضع سيؤدي إلى ازدواجية في السلطة ، الأمر الذي من شأنه أن يخلق أزمة سياسية في البلاد "قد تعرقل تحقيق الانتقال الديمقراطي وانجاز مهام الثورة". نفس الموقف تبناه حليفه في الحكومة الحزب الديمقراطي التقدمي، حيث "استهجنت" الأمينة العامة للحزب ، ماية جريبي المحاولات الرامية إلى إنشاء هذه الهيئة دون التشاور مع مختلف الأطراف المعنية.. ويستغرب الحزب، في بيان أصدره في هذا الشأن، كون المجلس المقترح يمنح لنفسه صلاحيات برلمان ورقابة على السلطة التنفيذية "خارج أي تفويض من الشعب"، الأمر الذي يعتبره "شكلا من أشكال الوصاية على الثورة". ويدعو الحزب الذي يمثله في الحكومة، مؤسسه أحمد نجيب الشابي، القوى السياسية التونسية إلى دعم الحكومة الانتقالية، باعتبارها "المعبر الوحيد" نحو تامين الانتقال الديمقراطي. + مجلس لحماية الثورة ومراقبة الحكومة+ على الجانب الآخر ، ترى مجموعة من التنظيمات السياسية ، في أغلبها نخبوية (إسلاميون ويساريون وقوميون) ،والمدعومة من المركزية النقابية وهيئة المحامين وعدد من منظمات المجتمع المدني ،ضرورو تأسيس "مجلس لحماية الثورة". ويرون أن نهج الحكومة الحالية هو تكريس وامتداد للنظام السابق ، معتبرين أن تنظيم انتخابات في ظل الدستوري الحالي من شأنه أن يعيد إنتاج نظام مشابه للنظام السابق، أي انتخاب "دكتاتور جديد" ، على حد قولهم ، يدخل البلاد في نفس الدوامة التي عانت منها لأكثر من خمسين سنة. وتقوم فكرة هذا المجلس ،كما يتصورها الداعون لتأسيسه، على إكسابه شكله القانوني بواسطة مرسوم يصدره رئيس الجمهورية المؤقت، مع تمتيعه بسلطة تقريرية يتولى بموجبها السهر على إعداد التشريعات المتعلقة بالفترة الانتقالية والمصادقة عليها ،بالإضافة إلى مراقبة أعمال الحكومة المؤقتة والمصادقة على التعيين في المناصب العليا في الدولة . وفي دفاعه على هذا التوجه ، يقول أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل ،عبد السلام جراد، إن هذه الهيئة "لا تهدف إلى الهيمنة على الثورة، بقدر ما تسعى إلى حماية مبادئها والمحافظة عليها حتى يجني الشعب التونسي ثمارها". وأوضح، في لقاء نظم مؤخرا حول مستقبل النظام السياسي في تونس ،أن المركزية النقابية "لا تسعى للوصول للحكم،وإنما هدفها المشاركة في الإصلاح السياسي وإرساء نظام ديمقراطي يقطع مع ما كان سائدا في عهد النظام السابق". وفي الاتجاه نفسه ،سار عبد الرزاق الكيلاني، رئيس هيئة المحامين، إذ أكد في لقاء نظم أمس وسط المعتصمين أمام مقر الحكومة ، أن إمكانية الالتفاف على الثورة، "مازالت قائمة"، وإن البديل للخروج من الفراغ الدستوري، الذي ستواجهه الحكومة المؤقتة بعد 15 مارس القادم،تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية المؤقتة المنصوص عليها في الدستور، هو إحداث مجلس حماية الثورة لتحقيق الانتقال الديمقراطي. + جمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد هو الحل+ إلى جانب هذين الاتجاهين ، هناك اتجاه ثالث يدعو إلى الإبقاء على الحكومة الحالية ، مع العمل على تشكيل مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد في اتجاه تأسيس نظام برلماني، وليس رئاسي ، وحكومة تمثل كل القوى التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وإن كان البعض ضمن نفس هذا الاتجاه ، يطالب باعتماد نظام رئاسي يحترم الأغلبية البرلمانية ،على غرار ما هو معمول به في جنوب إفريقيا أو أندونيسيا أو جزئيا في فرنسا وأمريكا. وفي السياق ذاته يرى أستاذ القانون الدستوري، قيس سعيد، أنه وقع "تجن كبير" في تفسير أحكام الدستور وتوظيفها في اتجاه يرمي إلى الإيحاء بعدم إمكانية تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في المدة المحددة دستوريا (60 يوما)، وبالتالي ،التمديد لرئيس الجمهورية المؤقت. وأضاف أن العمل بقانون الانتخابات في شكله الحالي سيجعل كل مرشح للرئاسة تحت رحمة نواب الحزب الحاكم سابقا بمجلس النواب وممثليه بالمجالس الجهوية لضمان تزكيتهم قصد الحصول على العدد المحدد قانونا للتقدم لهذه الانتخابات ، ولذلك فهو يدعو إلى مراجعة هذا القانون لضمان تعددية حقيقية. وخلص، في ندوة نظمتها مؤخرا نقابة الصحفيين، إلى ضرورة القطع مع الشرعية القديمة وانتخاب جمعية وطنية تأسيسية تسهر على وضع دستور جديد يعبر عن إرادة الشعب قبل الدعوة لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية. وفي خضم هذا الجدل، هناك من الآراء ، من يشكك في نوايا ومصداقية المطالبين بتشكل مجلس لحماية الثورة، بدعوى احترام "الشرعية الثورية". ويقول أصحاب هذا الرأي ، إن الكل يعلم أن "الثورة الشعبية "، فاجأت جميع الأحزاب والنقابات ،ولا يمكن لأي طرف سياسي أو نقابي أن يزعم انه فجرها أو قادها ، أو أنه قادر اليوم على توجيه الشعب،خاصة في المناطق الداخلية التي عانت طويلا من الحرمان والبؤس وكانت هي البؤرة التي فجرت الانتفاضة الشعبية.