وزير الخارجية الفرنسي: فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    مجلس الحكومة يصادق على مقترحات تعيين في مناصب عليا    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    المغرب-إسبانيا: "تعاون نموذجي" في مجال الهجرة (رئيسة مجلس النواب الإسباني)    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    جريمة قتل أخرى بمدينة طنجة والضحية "حارس ليلي للسيارات"    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية        المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    برلمان الأنديز يدعم مغربية الصحراء ويعزز شراكته مع المغرب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    التقدم والاشتراكية: الحكومة ترجح مصالح حفنَة من لوبيات المال وتجار الأزمات على حساب أوسع فئات المجتمع    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    إطلاق النسخة الجديدة من البوابة الوطنية "Maroc.ma"    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    ملف هدم وافراغ ساكنة حي المحيط بالرباط على طاولة وسيط المملكة    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    تأثير الرسوم على كأس العالم 2026    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون        اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    الليلة.. "أشبال الأطلس" أمام زامبيا بحثا عن التأهل المبكر إلى الربع    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    الرسوم الأمريكية الجديدة.. 10% على المغرب والخليج ومصر.. و30% على الجزائر    تذاكر مجانية لمساندة لبؤات الأطلس    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    إفران تحتضن الدورة السابعة من مهرجان الأخوين للفيلم القصير    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    السلطات البلجيكية تشدد تدابير الوقاية بسبب سلالة "بوحمرون" مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وجهة نظر: "حراك الريف": الأسباب.. عناصر القوة وسياسات الدولة‎
نشر في لكم يوم 23 - 05 - 2017


23 ماي, 2017 - 11:38:00
تعرف منطقة الريف شمال-شرق المغرب حراكا اجتماعيا منذ 7 أشهر ولا يزال مستمرا، وذلك بعد مقتل السماك "الشهيد محسن فكري" بمدينة الحسيمة، عبر طحنه في شاحنة الأزبال أمام مرأى ومسمع رجال السلطات المحلية، مما أثار غضب الساكنة وفئات عريضة من المجتمع المغربي، شملت أحزابا وجمعيات مدنية وحقوقية من مرجعيات مختلفة، إضافة إلى مواطنين لا لون لهم سياسي أو إيديولوجي. خرجوا مندفعين إلى الشوارع منددين ورافضين للظلم والاستبداد والفساد، ومطالبين بمحاسبة قتلة الشهيد، مما دفع الدولة المغربية إلى الإسراع من اجل احتواء الأوضاع، قامت الدولة بإرسال وزير الداخلية السابق أحمد حصاد إلى مدينة الحسيمة، يحمل معه برقية تعزية من العاهل المغربي. لكن رغم تلك المحاولة قوبلت زيارة الوزير برفض شعبي ولم تتفاعل معها ساكنة الريف رغم الوعود التي قطعتها الدولة، وزيارة بعض القيادات السياسية إلى عائلة الشهيد من أجل تطويق الأحداث ومحاصرة تمدد تلك الاحتجاجات، إلا أن تلك الوساطات استطاعت أن تقنع عائلة الشهيد بترك القضية إلى المؤسسة القضائية، ووعدت بتحقيق العدالة ومعاقبة المسؤولين عن ذلك الحدث. رافقت تلك الوعود إقالات بعض المسؤولين في وزارة الداخلية والصحة وقطاع الصيد البحري. كما انخفض تمن السمك الذي نزل إلى أدنى مستوياته (7 دراهم بعدما كان ثمن كلغ 20 درهم) منذ 10 سنوات، رغم كون مدينة الحسيمة مدينة ساحلية وتتوفر على ثروة سمكية مهمة إلا أنها ليست من نصيب أهلها.
إن استمرار الحراك الشعبي وتمدده يطرح عدة تساؤلات على المتتبعين لهذا الحراك، والطريقة التي تتعامل بها الدولة المغربية من أجل احتواء الأوضاع. هل مقتل الشهيد محسن فكري والمسار الذي اتخذه الملف قضائيا هو سبب استمرار الحراك وتمدده؟ أم أن حدث استشهاد محسن فكري كانت النقطة التي أفاضت الكأس وفجرت الأوضاع؟ هل يمكن اعتبار التهميش والإقصاء والاستبداد عاملا أساسيا في تغذية الفعل الاحتجاجي وتمدده؟ هل تماطل الدولة في الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لساكنة الريف ونهجها لسياسة الترهيب والترغيب أفقدها المصداقية لدى ساكنة الريف؟ خاصة بعدما عرفت بنكث عهودها و"الأساتذة المتدربين" خير مثال على ذلك.
1) أسباب الحراك ودواعي الاستمرارية:
أعتقد أن هناك عدة عوامل متداخلة تقف وراء استمرار الحراك وتمدده، ويمكن إجمالها في عوامل اجتماعية، تاريخية ونفسية:
·الأسباب الاجتماعية: الوضع الاجتماعي الذي تعيشه مختلف مناطق المغرب وواقع البطالة وغلاء الأسعار والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية السابقة ممثلة في ضرب للوظيفة العمومية والعمل بالتعاقد، إقرار المجلس الأعلى للتعليم برفع مجانية التعليم، وغيرها من الإجراءات تجعل المغرب من بين أكثر الدول المرشحة لاحتجاجات في مختلف القطاعات والمناطق، وذلك نظرا لحجم التناقض بين الثروات التي يتوفر عليها المجتمع المغربي "الفوسفاط، الثروة السمكية (3600 كلم واجهتين بحريتين)، مناجم الذهب، الفضة،...." ومعدلات الفقر والبطالة التي تنذر بانفجار وشيك، لا يمكن التنبؤ بمآلاته والتحكم في مساره، فكل تلك الثروات تستفيد منها الأوليغارشية الحاكمة وعائلات نافذة، كل هذه الأعطاب والأمراض الاجتماعية كفيلة بأن تدفع الناس للخروج إلى الشارع مطالبين بحقهم في التعليم والصحة والشغل والتوزيع العادل للثروة إلغاء ظهير العسكرة. وتعتبر هذه المطالب مشروعة وطبيعية في كل البلدان الديمقراطية التي تحترم مواطنيها. رغم كل هذه الاختلالات تقوم الدولة بضخ أموال إلى الخارج وتدشين مشاريع عملاقة في بلدان إفريقية (مشروع عاصمة جنوب السودان)، فأبناء هذا الوطن أولى بتلك الاستثمارات التي قد تفتح آفاقا للشباب وتحد من واقع البطالة واليأس، الذي يعتبر مصدر كل رذيلة في المجتمعات، لأن ضرب قيم المجتمع وتفككه، هي مصدر قوة الأنظمة الفاسدة. "إن النظام السياسي الفاسد يشتغل بقوة على منظومة ((القيم)) كي يحطمها عن 0خرها، لأنها هي الكفيلة ببقائه وديمومته"[1]. لذلك تسعى الدولة إلى تخدير المجتمع عبر إقامة مهرجانات تنشر الرذيلة وتستهدف قيم المجتمع، منفقة على ذلك المليارات، في حين يفتقر الشعب المغربي إلى أبسط مقومات الحياة في عدة مناطق بالأطلس والريف.
·الأسباب التاريخية: كل متتبع لحراك الريف يدرك أن هذا الحراك مختلف عن الاحتجاجات التي عرفها المجتمع المغربي في مختلف المناطق، خاصة بعد احتجاجات 20 فبراير، الأطباء، الأساتذة المتدربين، والاحتجاجات التي عرفتها مدينة طنجة ضد شركة الماء والكهرباء (أمانديس)، وذلك نظرا لتاريخ المنطقة. إن المقاومة الريفية بقيادة عبد الكريم الخطابي ضد المحتل الإسباني والفرنسي، شكلت رصيدا معنويا ومصدر فخر لأبناء المنطقة، فنال بذلك شرف الوطنية والدفاع عن الشرف والعرض والأرض، بل أصبح مدرسة لحرب العصابات لدى الحركات التحررية في العالم. منذ الاستقلال خاصة بعد الأحداث التي عرفتها منطقة الريف، وإصدار ظهير شريف رقم 1.58.381 نونبر 1958. الذي بموجبه أصبح إقليم الحسيمة منطقة عسكرية، كانت لتلك الإجراءات آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية على سكان المنطقة، وتم بموجب تلك الإجراءات حرمان تلك المناطق من الاستثمارات الداخلية والأجنبية نتيجة خوف المستثمرين، إضافة إلى ضعف البنيات والتحتية وافتقار المنطقة مقارنة مع بعض المدن الأخرى للمرافق العمومية "مدارس، جامعات، مستشفيات، دور الشباب، معامل، شبكة طرقية.....". كما تعرض سكان تلك المناطق للتهميش المتعمد دفع أغلب الشباب للهجرة إلى الخارج.
·الأسباب النفسية: يشكل العامل النفسي أحد العناصر المهمة في نهضة الشعوب وحركتها، ومدخلا لفهم سلوك الأفراد والجماعات في علم النفس الاجتماعي. لقد تطرقت إلى ذلك عدة دراسات سوسيولوجية وسيكولوجية ("التخلف الاجتماعي؛ مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور" مصطفى حجازي، "سيكولوجيا الجماهير" غوستاف لوبون). إن التبعات النفسية للأحداث التي عرفتها منطقة الريف منذ الاستقلال، ووصف الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، أبناء منطقة "بالأوباش" بعد أحداث انتفاضة الريف، جعلت أبناء المنطقة يشعرون بالإقصاء وعنف رمزي مورس عليهم ولا زال، سواء كان بطريقة متعمدة أو غير متعمدة من قبل النظام القائم. كما يمكننا اعتبار حرمان تلك المناطق من الأوراش الاقتصادية والاستثمارات وخلق فرص للشغل وغيرها من الإجراءات التي تعتبر طبيعية وحق مشروع لكافة أبناء الوطن الواحد، حتى تكون تنمية شاملة ومتوازنة بين مختلف الأقاليم والجهات والجماعات الترابية.
إن الظهير القاضي بجعل إقليم الحسيمة منطقة عسكرية، لم تعد هناك أي مبررات لاستمراره. فمثل هكذا إجراءات تتخذها الدول التي تعرف حروبا أهلية. إننا لا نشهد حرب أهلية أو تهريب للسلاح، فالشعب المغربي عرف عبر تاريخه بالتعايش السلمي بين مختلف مكوناته الثقافية والإثنية والدينية.
2) عناصر قوة الحراك الشعبي:
إن الاحتجاجات التي تعرفها منطقة الريف تملك عناصر مهمة يمكن اعتبارها مصدرا أساسا لقوة الحراك واستمراره وهي كالآتي:
·التضامن الشعبي: إن الشعور بالظلم والتهميش يدفع الناس أكثر إلى التلاحم والتضامن فيما بينهم، لذلك لم يكن محض صدفة أن تستجيب كل شرائح المنطقة للمشاركة في الاحتجاجات والإضراب العام. حيث أغلقت المحال التجارية والمقاهي وبعض المؤسسات الخاصة، كما قامت الحافلات بنقل المحتجين بالمجان من مختلف المناطق المجاورة، من اجل المشاركة في المسيرة المنددة بتصريحات وزير الداخلية وأحزاب الأغلبية. كل ذلك يجعلنا أمام معطيات مختلفة تماما عن تلك التي شاهدناها في حركة 20 فبراير 2011، وغيرها من الحركات الاحتجاجية التي عرفت تفاعل فئات بعينها تجمعها مصلحة مشتركة، لكن لم يشارك في تلك الاحتجاجات أصحاب المحلات التجارية وأصحاب المقاهي، إضافة إلى استعمال المواطنين لسياراتهم لنقل المحتجين إلى عين المكان. وهذا التكتل والمقاومة الشعبية هي التي أربكت حسابات الدولة المغربية؛ بحيث لم تستطع أن تقيم شرخا بين مكونات الحراك وفئاته، يمكنها من الاستفراد بكل طرف على حدا، وهو نفس الأسلوب التي تلجأ له الأنظمة الفاسدة حسب تعبير جين شارب، "إن انهيار المقاومة الشعبية يزيل قوة التوازن التي قيدت سيطرة وهمجية النظام الدكتاتوري. من ثم يفتح المجال أمام الحكام الدكتاتوريون ليتحركوا ضد أي شخص يريدونه"[2]. إن الكفاح الاجتماعي ومقاومة الشارع هو الكفيل بانتزاع الحقوق وبناء شروط الحرية، وتحقيق الديمقراطية. "لا تحقق الديمقراطية الفوز حين يتغلب الفعل السياسي على الكفاح الاجتماعي"[3]. ويشكل الشارح ميدانا للكفاح الاجتماعي الذي يمارس ضغطا ورقابة من خارج المؤسسات. لأن "مصير الديمقراطية مرتبط بتكوين الحركات الشعبية المعبأة على نحو قوي"[4] وفق تعبير السوسيولوجي الفرنسي آلان تورين.
·النضال السلمي: يشكل كتاب جين شارب "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" مرجعا أساسا لعدة حركات اجتماعية في العالم ضد الأنظمة الدكتاتورية، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموث وقد أنشأ عام 1983 معهد ألبرت أينشتاين، وهو منظمة غير ربحية متخصصة في دارسة العمل السلمي وتعزيزه كوسيلة للدفاع عن الحقوق والتخلص من الظلم حول العالم، وقدم لنا دراسة سوسيوتاريخية للحركات الديمقراطية التي قادت عملية التغيير في العالم، وطبيعة صراعها مع الأنظمة الديكتاتورية. حيث شكلت سلمية تلك الحركات أهم عوامل القوة التي مكنتها من تقويض قوى الاستبداد، بل هو الخيار الوحيد والأسلم أمام الحركات الديمقراطية في العالم، "النضال اللاعنيف،(...) الأسلوب الأقوى المتوفر لدى هؤلاء الذين يناضلون من أجل الحرية"[5]، وهذا ما يدركه أبناء الريف، حيث أكد ناصر الزفزافي أحد قيادات الحراك الشعبي، أن قوة الحراك هي سلميته ووحدة أبناء الريف في وجه الإقصاء والتهميش والفساد، مذكرا المحتجين أن غاندي بمعية الشعب الهندي استطاع بسلميته أن يهزم إمبراطورية لا تغيب عن علمها الشمس، وهي "إنجلترا".
رغم المحاولات المتكررة وحشد البلطجية من أجل جر المحتجين لخيار العنف، فشلت كل تلك المحاولات، مما جعل المنظمين لتلك المسيرات يفوتون على وزارة الداخلية والمتربصين بالحراك فرصة الانقضاض عليه؛ لأن اللجوء إلى خيار العنف و"وضع الثقة في أساليب العنف إنما يعني استخدام أسلوب للنضال يتميز الطغاة دائما فيه"[6] وفقا لنظرية جين شارب. تشبث المحتجين بمبدأ السلمية عنصر قوة، وتعبيرا منهم عن مشروعية مطالبهم بشكل حضاري سلمي ومنظم، مما جعل الدولة المغربية تفشل في تلفيق تهمة العنف والتخريب للمحتجين. وذلك نظرا لأن العنف يعتبر مبررا كافيا لإعطاء الدولة ضوءا أخضر للإجهاز على المحتجين والزج بهم في غياهب السجون، بدعوى حفظ الأمن والاستقرار، وحماية الممتلكات العامة والخاصة. وهذا هو عنصر القوة بالنسبة للحركات الديمقراطية في العالم حسب "جين شارب"، ذلك نظرا لأن العنف مآلاته تكون مدمرة بالنسبة للشعوب، حتى في حالة انتصرت تلك الحركات على الأنظمة عن طريق العنف، فإنها تنتج لنا "نظاما حكم أكثر دكتاتورية من النظام السابق الذي حاربوا ضده(.....) بسبب ضعف أو دمار مجموعات ومؤسسات المجتمع المستقلة – التي هي بمثابة العناصر الحيوية في إنشاء مجتمع ديمقراطي دائم- أثناء فترة النضال"[7]، فقوة الحراك في سلميته.
3) سياسة الترهيب ومحاولات الالتفاف:
لا تخرج أساليب تعاطي الدولة المغربية عبر تاريخها في التعاطي مع مختلف الحركات الاحتجاجية عن مقاربتين:
· المقاربة الأولى: وهي مقاربة تنهجها كل الأنظمة الدكتاتورية وإن اختلفت شعاراتها ومسمياتها، قائمة على القمع والاعتقال وتلفيق التهم، إذ "ينشغل المستبد بإقامة العوائق الجزئية أكثر من انشغاله بحرية رعاياه"[8]. لذلك بدل التفاعل مع تلك المطالب والاستجابة لها، حشدت الدولة المغربية جحافل من قوى الأمن والدرك الحربي، وأقامت مستشفى عسكري على مداخل مدينة الحسيمة، كما لو أنها أعلت الحرب على عدو خارجي. لم يقتصر فعلها على ذلك، بل وظفت أحزاب الأغلبية للإدلاء بتصريحات تشيطن وتخون جزء من أبناء الشعب المغربي، وهي نفس التهمة التي يواجه بها أي مستبد خصومه. قال أليكسيس دو توكفيل: "فما أيسر على المستبد أن يغفر لرعاياه عدم حبهم له إياه، ماداموا لا يحبون بعضهم بعضا؛ فهو لا يسألهم أن يعاونوه على النهوض بأعباء الدولة(.....) ، وإنه ليدمغ الدين يجمعون صفوفهم جهودهم ليتعاونوا على إسعاد البلاد، بأنهم متمردون، دعاة الاضطراب والفرقة، فنراه يحور معاني الألفاظ عن مواضعها فيمدح من لا يكترثون لأحد سوى أنفسهم فسميهم بالمواطنين الصالحين"[9]، فالوطنية حسب معايير النظام المغربي هي عدم الالتفات للشأن العام، والخضوع المطلق لإرادة الحاكم. وهذا ما جسده تصريح أحزاب الأغلبية بعد اجتماعها بوزير الداخلية باتهامها للاحتجاجات بالنزعة الانفصالية وتلقي دعم من الخارج. إن اتهام الحراك بالعمالة والنزعة الانفصالية أسطوانة مشروخة، حيث أصبحت هذه التهمة ترفع في وجه كل من طالب بحقه في العيش الكريم، وتحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وهذا ما فندته تصريحات الشباب الريفي وعبروا عنه في مسيرة الخميس 18/05/2017، رافضين تلك التهم ومطالبين بمحاكمة رئيس الحكومة الذي دعا في تصريحات سابقة مسجلة على موقع youtube إلى منح منطقة الريف حكما ذاتيا. وهي التهمة التي نفتها وسائل الإعلام الرسمية نفسها، حيث أدرجت القناة الأولى المغربية مسيرة الخميس 18/05/2017 ضمن نشرتها الإخبارية المسائية، معتبرة تلك المسيرة بأنها سلمية ومنظمة تنظيما محكما. وهذا يجعلنا نطرح عدة تساؤلات. هل حديث الإعلام الرسمي عن حراك الريف يمكن اعتباره نقطة انعطاف في التعاطي مع مطالب الحراك؟ أم أن الدولة دفعت أحزاب الأغلبية لتلك التصريحات من أجل ضرب مصداقيتها وإحراجها أمام منتخبيها وقواعدها؟ وهل يمكن اعتبار إصرار أبناء الريف على المشاركة بكثافة رغم الحصار والترهيب التي مارسته أجهزة الدولة قلب المعادلة ودفع الدولة إلى التراجع عن الخيار الأمني مرحليا؟
· المقاربة الثانية: يتميز النظام المغربي بخبرة طويلة في التعامل مع الأزمات والاحتجاجات، مما جعله أكثر ذكاءا من غيره في التعامل معها، والانحناء للعاصفة حتى تضع الرياح أوزارها، مستعملا أسلوب الترغيب بدل الترهيب من أجل احتواء تلك الاحتجاجات عن طريق سلسلة من اللقاءات والمفاوضات التي تستهدف الحد من فاعلية الحراك، وفقدانه لعناصر القوة تدريجيا، وانتهاج سياسية التسويف والتماطل، نظرا لكون جل الحركات الاحتجاجية تفقد قوتها وزخمها عندما تطول مدة الحراك. إضافة إلى زعزعة الثقة بين مكونات الحراك وقياداته، ونشر الإشاعات وتشويه الحراك عبر الصحافة المأجورة. لكن هذه المرة وقع العكس فقد أدى تماطل الدولة في تلبية مطالب الحراك إلى تمدده وانتقاله إلى مدن جديدة، مطالبة بالتوزيع العادل للثروة وتحقيق الكرامة والحرية. رافضة كل أشكال التهميش والإقصاء والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة، ناهيك عن التراجعات التي عرفتها الدولة المغربية على المستوى الحقوقي، ممثلتا في التضييق حرية الصحافة، اعتقالات في صفوف نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، إعفاءات لموظفين في قطاعات عمومية من وظائفهم دون سند قانوني، بسبب انتماءاتهم السياسية. لم تحترم الدولة في هذه الإجراءات المساطر القانونية المنظمة للوظيفة العمومية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
خلاصة:
فوتت الأنظمة العربية على نفسها فرصة الإصلاح والتغيير مرات عدة، ولا تزال لم تدرك أن قضية التغيير مسألة وقت فقط، كلما تم تأجيلها ستكون التكلفة باهظة الثمن، كما قال عالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله. ويشكل الاستبداد أهم عقبة أمام التغيير والتنمية في البلدان المتخلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، "لأن العائق الأسوأ بالنسبة للحرية، وبالنسبة للتحديث أيضا هو الاستبداد السياسي، سواء كان من نمط إطلاقي تقليدي، أو من نمط كلياني أو من نمط سلطوي فقط".[10] والخيار الذي أمام الشعوب، هو كسر حاجز الخوف، والمقاومة السلمية عبر الشارع لكل أشكال الهيمنة والتسلط، لأن الحقوق تنتزع ولا تعطى، والسبيل إلى النصر هو الاعتماد على النفس وتقوية حركات النضال في ربوع الوطن، وهذا ما دعا إليه تشارلز ستيوارت بارنل خلال إضراب في ايرلندا عن دفع الأجور عام 1879 وعام 1880: "لا يفيد الاعتماد على الحكومة.... عليكم الاعتماد فقط على عزيمتكم... ساعدوا أنفسكم خلال وقوفكم معا...امنحوا ضعفائكم القوة... وتوحدوا ونظموا صفوفكم ... لكي تنتصروا[11]. فقوة الشارع هي القادرة على تحقيق المطالب إن استمرت وتماسكت مكوناتها وتضامنت فيما بينها.
[1] إدريس مقبول: ما وراء السياسة، إفريقيا الشرق، ط 1، 2016، ص 338.
[2] جين شارب: من الديكتاتورية إلى الديموقراطية، ص 19.
[3] آلان تورين: ما الديمقراطية، دراسات فلسفية، ص 160.
[4] آلان تورين: نقد الحداثة، ترجمة عبدالسلام الطويل، إفريقيا الشرق، ط1، 2010. ص 343.
[5] جين شارب: من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، ص 19.
[6] المصدر نفسه، ص 12.
[7] المصدر نفسه، ص 13.
[8] جون إهزنبرغ: المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة، ص 283.
[9] دو توكفيل: الديمقراطية في أمريكا، ص 476.
[10] آلان تورين: نقد الحداثة، إفريقيا الشرق، 2010. ترجمة عبدالسلام الطويل، ص 328.
[11] Patrick Sarsfield O'Hegarty, A History of Irland Under the Union, 1880-1922(London : Methuen, 1952), pp. 490-491.
بقلم: عبد الرحيم شنية طالب باحث سوسيولوجيا التنمية المحلية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.