يلف جسده النحيل بقطعة من البلاستيك ليحمي نفسه من الأمطار ولسعات الرياح الباردة، وينتعل حذاء بلاستيكيا. يخطو خطوات ثقيلة على طريق موحلة، متوجها من دواره نحو السوق الأسبوعي، متحديا، كمعظم سكان قرى جماعة كلاز بتاونات، ظروف العزلة الناجمة عن توحل المسالك وغياب وسائل النقل خلال فصل الشتاء. معاناة هذا القروي مع العزلة، التي فرضها على مكان إقامته فصل الشتاء، تنطبق على أغلب سكان دواوير هذه الجماعة القروية مترامية الأطراف بمقدمة جبال الريف، خصوصا تلك المداشر المطلة على نهر ورغة، حيث يضطر القرويون، مع ارتفاع صبيب هذا النهر، إلى تحمل مشاق قطع الخنادق والمسالك الموحلة، وركوب القوارب للوصول إلى الطريق المعبدة التي توجد على الضفة الأخرى. معاناة مع الوحل ونهر ورغة وإذا كانت ظروف فصل الشتاء وما تفرضه من عزلة على سكان دواوير جماعة كلاز تجعل الناس لا يفارقون منازلهم إلا للضرورة القصوى، فإن يوم انعقاد السوق الأسبوعي يفرض عليهم مغادرة سكناهم من أجل التبضع وبيع بعض من مخزونهم الفلاحي (زيت وزيتون وتين على الخصوص)، حيث يقطعون مسافات طويلة مشيا على الأقدام للوصول إلى السوق، ذلك أن أغلب الطرق تصبح غير صالحة لمرور وسائل النقل جراء الأوحال أو تكون مقطوعة تماما بفعل السيول الجارفة. "لا تستطيع وسائل النقل الوصول إلى دوارنا، لأن الطريق تحولت إلى أوحال"، يقول علي، أحد سكان دوار القليعة، الذي كان في طريقه إلى السوق الأسبوعي سبت سلاس، موضحا أنه عانى كثيرا قبل الوصول إلى الطريق المعبدة، حيث قطع كيلومترات مشيا على الأقدام في طريق كلها أوحال، قبل أن يعبر نهر ورغة راكبا قاربا. ويتابع علي كلامه بنبرة متحسرة، محاولا استجماع قوته، التي نخرها البرد القارس بفعل تسرب مياه الأمطار إلى ملابسه، رغم احتمائه تحت قطعة من البلاستيك، "لا يمكنك الوصول إلى الدوار مشيا على الأقدام، لو أني لم أكن في حاجة إلى بعض المؤونة لما خرجت من منزلي. الناس هنا يعانون في صمت". "تتحول حياتنا إلى عذاب في فصل الشتاء، أنا ذاهبة إلى السوق من أجل جلب بعض المواد الأساسية لأسرتي، قطعت مسافة طويلة كلها أوحال قبل أن أصل إلى هنا. والمعاناة ستكون أكثر لدى عودتي من السوق، حيث سيكون علي المشي في هذه الطريق وأنا محملة بما اشتريته من السوق من مؤونة"، تقول نجية لهسبريس، وهي من النساء القلائل اللواتي تحدين هذه الظروف الصعبة للذهاب إلى السوق، نظرا لكون زوجها غير موجود بالمنزل، حيث يشتغل بمنطقة كتامة. الدواب والقوارب تفك العزلة "استعنت ببغلي للوصول إلى القارب، فأنا من دوار علونة، وحتى الدواب يصعب عليها التنقل في مثل هذه الظروف، لأن الوحل يجعل قوائمها تغوص في التراب. يصعب علينا نقل منتوجنا من الزيتون نحو السوق، نحن نعيش حياة صعبة للغاية، لكن ماذا علينا أن نفعل؟" يقول أحد شباب دوار عين زمزم، في تصريح لهسبريس، مضيفا أن الناس منسيون في منطقته. من جانبه، أبرز صاحب قارب يعمل على نقل سكان مجموعة من دواوير جماعة كلاز عبر نهر ورغة نحو الطريق المعبدة، في تصريح للجريدة، أن الدواوير الأكثر معاناة مع العزلة، خلال فصل الشتاء، هي القليعة وعين زمزم وعلونة والسيوان والغريفة. وأضاف أنه تم فتح طريق تربط هذه الدواوير بالطريق المعبدة، غير أنها تصبح غير صالحة للاستعمال خلال فصل الشتاء، محملا جزءا من مسؤولية ذلك إلى الساكنة المحلية، التي اتهمها بأنها تتعمد تصريف مياه الأمطار نحو هذه الطريق، ولا تعمل على المحافظة عليها من الانجراف. "اُنظر إلى الواقع، إنه يعبر عن نفسه بنفسه، المواطنون يعيشون في محنة مع العزلة، التي تتضاعف خلال فصل الشتاء"، يقول طالب من دوار عين زمزم، كان في طريق عودته إلى مدينة فاس حيث يتابع دراسته الجامعية. وأضاف، في تصريح لهسبريس، أن الناس بمنطقته همهم الأساسي، خلال فصل الشتاء، هو الوصول إلى الطريق المعبدة وتوفير الغذاء لمواشيهم ولأبنائهم. "الناس هنا يبتهلون إلى الله، في ظل هذه الظروف المناخية والطبيعية الصعبة، أن لا يصاب أحد أقاربهم بوعكة صحية، لأنه سيواجه قدره المحتوم، حيث يستحيل عليه الوصول إلى المستشفى"، يقول الطالب ذاته، الذي طالب الدولة بالاهتمام بمنطقته، التي أكد أنها توجد خارج كل مخططات التنمية.