كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن العنصرية الغربية اتجاه العرب والمسلمين،خاصة بعد ذلك الجدل الكبير الذي أثارته سلسلة كبيرة من الحوادث المهمة التي حدثت في البلدان الغربية والتي تمحورت حول نظرة الإنسان الغربي للإسلام،فكانت البداية بالرسوم المسيئة التي رسمها رسام دانمركي سنة 2006،ثم كان المرور بالقرار الفرنسي بمنع النقاب في الأماكن العامة وانتهاء بما أراده قس أمريكي من حرق للمصحف الكريم في ذكرى مرور 9 سنوات على تفجيرات أل 11 من سبتمبر. لا بد وان تسلسل هذه الحوادث يفضي إلى تساؤل واضح كنهه وهو ما الذي حدث ليزداد التوتر بين الإسلام كدين من جهة وبين الغرب كقوة اقتصادية وصناعية من جهة أخرى؟هذا التساؤل هو تساؤل غير متوازن،لأنك عندما تتحدث عن الإسلام تتحدث عن دين وعن إيديولوجية،وعندما تتحدث عن الغرب تتحدث عن دول اقتصادية بالدرجة الأولى ليست لها إيديولوجية موحدة باستثناء خطاب المصلحة والرغبة في تقوية مكانتها العالمية خاصة بعد سقوط النظام الشيوعي واندحاره،لذلك فالسؤال الذي يجب طرحه هو لماذا صارت بعض الدول الغربية تنظر للإسلام كعامل خطر قد يهدد ليس فقط مصالحها الاقتصادية بل حتى هويتها الداخلية وتماسكها القومي؟ منذ صغري وفي كل مرة أتردد فيها على المساجد لسماع خطبة الجمعة،إلا و تتلقف مسامعي دعاء "اللهم دمر اليهود والنصارى" في نهاية الخطبة،ليتكون لدي منطق غريب بان دماء المسلمين طاهرة أما غيرهم من الأمم فهم ناس منحطون وسفلة ومن واجبنا تدميرهم كلما سنحت الفرصة لذلك ،غير أنني بمجرد تقدمي في العمر صرت أرى ذلك الإنسان الغربي الذي نشتمه في دعائنا إنسانا حضاريا يفوقنا وعيا وتقدما،لذلك لم استغرب كثيرا من تلك الحملات المسعورة ضد الإسلام والمسلمين من بعض الغربيين وذلك لأنني آمنت ان ما يحدث مجرد تسوية للحسابات،فنحن أيضا لا نراهم إلا بمنظار الفجور والكفر،وبالتالي فما يحدث بيننا وبينهم من توتر يعود سببه إلى النظرة الأحادية التي يرى بها كل جانب الآخر.. ما قام به بعض المحسوبين على الإسلام من قتل للأبرياء في التفجيرات الإرهابية التي حدثت في أمريكا ولندن ومدريد،كان سببا رئيسيا في تنامي موجة العداء ضد الإسلام التي يقودها في الغرب بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة،فكما يقول السيد ضياء الموسوي:"المتشددون جيناتهم مختلفة وحمضهم النووي واحد"،فهذا الغلو في الدين الإسلامي وهذا التشدد المتطرف في العقيدة الذي يجيز قتل الأبرياء بدعوى أنهم يخالفوننا في الدين،كانت اكبر ثمراته نمو وتصاعد اليمين المتطرف في الغرب الذي استفاد كثيرا من هذه الأعمال الإرهابية ليرسم صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين في الغرب،ولنا مثال واضح على هذا الأمر في سويسرا،حيث صوت أكثر من 50 في المائة من الشعب السويسري على قانون يحظر بناء المآذن،وهذا الأمر يدل على ان الإنسان الغربي صار يتلقفه مغناطيس اليمين المتطرف الذي ينادي بالثبات على الهوية ومحو كل عامل من شانه ان ينوع هذه الهوية أو يربكها.. الطريقة التي يتعامل بها الكثير من المسلمين مع الغرب كانت ذلك الحطب الذي أشعل نار التوتر بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.ففي بلد كفرنسا وهو من أكثر البلدان احتراما للحرية الإنسانية،تم إعطاء هامش واسع من الحرية للجماعات الإسلامية وهو الهامش الذي لم تكن لتحلم به هذه الجماعات في بلدانها الإسلامية الأم،هذه الحرية تم إعطائها في إطار المبادئ الثلاث التي قامت عليها الثورة الفرنسة وهي الحرية-المساواة-الأخوة،أي في إطار الدولة المدنية وليس الدولة الدينية،وبالتالي فانا أرى انه من غير المنطقي ان نجبر بلدا كفرنسا على عدم سن قانون يمنع النقاب في أماكنها العامة،ما دام النقاب يتعارض أصلا مع الحرية التي أصلها الوجود،والوجود يتركب على وجود معنوي ومادي كما قال بذلك فلاسفة عصر الأنوار الذين وضعوا أسس الثورة الفرنسية،وبالتالي فالجدل الكبير حول هذا القانون مجرد مضيعة للوقت ما دام من واجب كل فرد ان يحترم قانون الدولة التي تؤويه.. فرنسا أوت الكثير من المهاجرين العرب،ودرست الكثير من المفكرين العرب،بل ان فرنسا كانت جنة ثروة لكثير من رجال الأعمال العرب،فعلا ما قامت به فرنسا في السابق من استعمار لعدد من الدول المتخلفة نقطة سوداء سيبقى التاريخ شاهدا عليها إلى الأبد،لكن نسيان ما قامت به من أمور لصالح العرب واختزالها في دولة عنصرية تكره الإسلام لأمر يبعث على السخرية خصوصا وان فرنسا لم تقدم دليلا على هذا الكره سوى منع النقاب الذي هو أصلا مجرد عادة استحدثت في الإسلام،والكلام هنا لجملة من اكبر علماء الأمة الإسلامية من قبيل الغزالي والشعرواي ومحمد عبدو والقرضاوي.. في أمريكا وحدها هناك أكثر من 2000 مسجد،وفي فرنسا هناك أكثر من 1500 مسجد،وفي روما موطن المسيحية هناك العشرات من المساجد،لكن في بلد كالسعودية لا وجود ولو لكنيسة واحدة،رغم ان السعودية هي موطن الإسلام دين التسامح والرحمة،وهذا التطرف السعودي يظهر جليا على الكثير من مواطنيها،فهم في داخل بلدهم شرفاء ومتعبدون،وبمجرد ما تطأ أقدامهم بلدا آخر حتى يطلقوا العنان لرغباتهم،ولنا ان نرى ما يفعل الكثير من مواطنيهم في مدننا السياحية وما تقوم به الكثير من السعوديات من تبرج سافر بمجرد ما يركبن الطائرة في اتجاه بلد أوربي. عندما نريد ان ننظر إلى الغرب،علينا ان لا نحكم عليه بالنظر إلى الغطرسة الأمريكية أو إلى الآلة الهمجية الإسرائيلية ولا حتى إلى السياسات الغربية الأحادية التي تتركب على مصطلحات الامبريالية الجديدة كالعولمة وصدام الحضارات،بل على نظرتنا ان تكون شاملة لجميع الأطراف،ففي أوربا مثلا، هناك الكثير من الناس ممن تبنوا الدفاع عن القضايا الإسلامية أكثر من كثير من المسلمين،ومنهم برنارد شو،شكسبير،روجي جارودي...،وغيرهم كثير خاصة من جملة من المستشرقين الذين تحدثوا عن الإسلام بكل حيادية،إذا أردنا ان ننظر إلى الغرب كذلك،علينا ان لا ننظر إلى السياسة الخارجية لأمريكا الذي يحكمها لوبي صهيوني لا يريد بالعرب والإسلام خيرا،ففي الغرب هناك الكثير من الأجوبة على أسئلة تشغل بال كل عربي ومسلم من قبيل التطور وتحقيق الرخاء،طبعا أنا لا أقول بتطبيق النموذج الغربي قلبا وقالبا على بلدان مسلمة لها الكثير من الخصوصيات التي تميزها عن غيرها من الدول،وإنما أنادي بالاستفادة من تجاربهم في ميادين الديمقراطية وحقوق الإنسان وتطوير الاقتصاد،ولنا ان نرى ما الذي فعله بلد ككوريا الجنوبية الذي كان لأمد قريب من أفقر بلدان العالم،وكيف صارت هذه الدولة الآن بعدما استفادت من التقدم الاقتصادي لأوربا وبقية العالم المتقدم.. الإسلام لا يحتاج من يتقوقع على ذاته وينغلق على محيطه بحيث لا يرى إلا ابعد من انفه،الإسلام يحتاج إلى من يفهم رسالته السامية القائمة على التسامح وعلى الإخاء،الدفاع عن الإسلام لا يكون بتكرار العنتريات التي ما قتلت ذبابة،ولا بقتل الأبرياء ولا بالتمادي في لعب دور الضحية والتشدق بأوتار المؤامرة،دفاعنا عن ديننا سيكون باحترامنا للآخر كيفما كان دينه ولونه وعرقه،دفاعنا عن الإسلام سيكون بنبذ التعصب و التطرف الذي لا ينتج سوى الموت،فلو ان المسلمون في العصر الحالي قدموا رسالة حب وإخاء لباقي الشعوب العالمية لما تجرأ هذا القس الأمريكي السافل على رغبته بحرق القران الكريم،ولما تمادى اليمين المتطرف في أوربا في حشد أصوات الناس،فللأسف،يتناسى الكثير من المسلمين الجدد أنهم يقدمون خدمة مجانية للصهيونية العالمية التي صار طريقها ميسرا بعدما أقنعت الكثير من شعوب العالم بتخلف المسلمين وانحطاطهم وعدم تقبلهم لثقافة التعايش والتسامح.. تغيير الأوضاع يبدأ بنا أولا مصداقا لقوله تعالى " الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بهم بأنفسهم"،فتغييرنا لطريقة تفكيرنا ونظرتنا للآخر سيجعل بلا شك من تطورنا وتقدمنا أمرا ميسرا ما دام ذلك الاسمنت المسلح قد تكسر وما دام العالم سينظر إلينا نظرة ايجابية بعيدا عن كل دعوات الانغلاق والتناطح التي ينادي بها من يوزعون المخدرات الدينية في المساجد والكنائس وباقي بيوت التعبد.. [email protected] http://www.facebook.com/profile.php?id=568799586