غدا الحديث عن حرية الصحافة في علاقتها مع المؤسسة القضائية له أهميته القصوى، سيما بعد التراجع اللافت في المكتسبات التي تحققت لدى الإعلاميين، بعد سنوات من النضال لتحقيق قدر من الحرية، من أجل إعلام مسؤول وجدي، في مواجهة الفساد الذي ينخر جسم المجتمع. ولعل المحاكمات الأخيرة خير دليل على هذه الانتكاسة التي عصفت بهذه الأحلام فبدت كسراب. وكان لابد من خطوة في طريق تصحيح العلاقة التي تربط الجسم الصحافي بمؤسسة القضاء، وهو ما دعا بعض الفرق البرلمانية لأحزاب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة، وبدعم من حزب التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار..إلى حوار وطني موسع حول:" دور ومستقبل وسائل الإعلام في المجتمع المغربي". وقد أكدت في هذا الإطار لطيفة بناني السميرس، رئيسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية "على ضرورة إحداث قضاء متخصص في قضايا الصحافة في المحاكم". وفي السياق نفسه، ومن أجل فتح حوار جدي ومسؤول ، بين مؤسسة القضاء ووسائل الإعلام في خريبكة، تم تنظيم لقاء تواصلي بمبادرة من محكمة الاستئناف، حيث احتضنت إحدى قاعات الجلسات، هذا اللقاء مع الجسم الصحافي المحلي، وذلك من خلال العرض الذي تقدم به الرئيس الأول للمحكمة السيد عبد العزيز وقيدي تحت عنوان:" حرية الصحافة وتأثيرها على المحاكمة الجنائية". وقد حضر هذا اللقاء ممثلو الصحف الوطنية ومراسلو بعض الإذاعات، ورجال القانون، من قضاة ومحامين ومتتبعين.. وفي أول تدخله، أشار السيد عبد العزيز وقيدي إلى أن هذا اللقاء التواصلي، هو الخطوة الأولى لمد جسور التواصل، ستتبعها مجموعة من اللقاءات التواصلية مع الصحافيين، في إطار العمل المشترك، لكون الإعلام شريك أساسي في بناء المجتمع الديموقراطي، ولأنه أصبح يلعب دورا حيويا ومؤثرا في كافة مناحي الحياة المعاصرة، بعد التدفق الهائل للمعلومات والزخم الكبير لكثير من المستجدات في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة... والى جانب ذلك، فهو شريك أساسي في توعية المواطن، من حيث تعريفه بواجباته وحقوقه القانونية.. كما أن الصحافة أصبحت تلعب دور الرقيب على ما يجري من محاكمات، وهي بذلك مسؤولة عن إعطاء المعلومة للرأي العام، بشكل أدق وبكل شفافية، في إطار ما يسمح به القانون. لكن، يضيف السيد عبد العزيز وقيدي، أن بعض الصحافيين يجرون وراء الإثارة والتشويق.. إلى حد المساس بحرمة الجناة، حين يتعلق الأمر بنشر صورهم أو تصريحاتهم بطرق مختلفة، أو كأن ينحازوا إلى تبرئة المتهم وإبراز ضعف أدلة الاتهام، وقد يكون ذلك بالقذف وإثارة جهات ضد أخرى. كما قد يتم ذلك على حساب خرق سرية البحث، خلال أطوار التحقيق، بالضابطة القضائية أو قاضي التحقيق، وهو ما يؤثر سلبا على مجريات المحاكمات. وفي المقابل، فقد أكد السيد عبد العزيز وقيدي على حق الصحفي في التوصل إلى المعلومات ونقل الأخبار بالسرعة المطلوبة، لان ذلك لم يعد فقط حقا من حقوق الإنسان، ولكنه أمسى شرطا أساسيا من شروط المحاكمة، لأنه يتضمن حق المواطن في الإعلام. لكن ذلك لابد أن يتم تحت ضوابط قانون حرية الصحافة، واخذ إذن رئيس المحكمة. كما أن المشرع استهدف فتح أبواب المحاكم ومراقبة سيرها، ونقل ما يدور داخلها من اجل هذا الهدف، شريطة أن يتوفر عنصر الأمانة دون سوء نية مسبقة، كحذف أو تركيز على وجهات احد الأطراف، بهدف التأثير على سير المحاكمات. وخلص السيد عبد العزيز وقيدي في عرضه، إلى بعض الإجراءات لبناء جسر التواصل والتعاون بين مؤسسة القضاء والجسم الصحافي : كعقد ندوات مشتركة ومستمرة بين رجالات القانون والإعلاميين، وتنظيم حلقات تكوينية في ميدان التخصص القضائي، وإدراج مواد قانونية ضمن مقررات المعهد العالي للصحافة. كما انصبت جل المداخلات على أهمية تمتع الصحفي بقدر كبير من الحرية، وحقه في المعلومة، ونشر ما يدور في ردهات المحاكم للرأي العام بالسرعة والدقة المطلوبتين، بعيدا عن الإثارة الرخيصة والتشويق البعيد عن الحقيقة بهدف تجاري محض.