نحو شيان.. حافلات وسيارات تخترق الجبال عندما يستيقظ التنين يهتز العالم.. كذلك قال نابليون بونابارت، وكذلك اهتزت الأرض بعد استيقاظ تنين الصين. بيان اليوم تصطحبكم في رحلة طيلة شهر رمضان، عبر حيز ضيق من صفحاتها لا يتسع لبلد بحجم الصين، تضعكم في قلب مدنها وتتجول بكم في شوارعها، وتقربكم من أناسها. البداية ستكون بالعاصمة الروحية بيجين كما يتغنى بها الصينيون أو بكين كما وصلت العالم، والحكاية ستنتهي أيضا مع بيجين، لكن بين بيجين وبيجين هناك الكثير من المشاهد التي رصدتها بيان اليوم، بداية من مدينة البيفوانا مرورا بمدينة الماء والسماء، وصولا إلى عاصمة الصين قبل آلاف السنين ومركز الإسلام والمسلمين. الصينيون شعب ينام في دقيقة ويستيقظ في دقيقة، شعب يشتغل كثيرا ويأكل قليلا، يحسب خطواته، ويقيس حركاته.. ببساطة إنهم أناس ينافسون الحواسيب والهواتف الذكية في نظامها ودقتها ونجاعتها. بيان اليوم ترسم لكم صورة أخرى عن شعب تمكن من الجمع بين مجتمع محافظ ومتطور، عبر تمسكه بالهوية والتقاليد من جهة وانفتاحه على العلوم والمعرفة من جهة أخرى. هذه هي الصين.. بمحاسنها ومساوئها تبقى أول بلد في العالم اقتصاديا وبشريا وصناعيا. في طريقنا نحو العاصمة القديمة للصين، وقبلة المسلمين في البلاد، مدينة شيان، قطعنا حوالي 500 كيلومتر في طريق جبالها أكثر من سهولها. قبل الانطلاق، سألت أحد الأصدقاء، هل الطريق وعرة، وهل سنصعد الجبال ثم ندنو من الهضاب، كما يوجد في بلدي؟.. أجابني بابتسامة ماكرة، سترى كيف هي الطريق لا تستعجل. أخذت الحافلة طريقها، ومرت نصف ساعة لم نصل بعد الجبال، نسير في طريق سيارة تسع حافلة بل حافلتين وشاحنة وسيارات. نال مني التعب، فغفوة قليلا، لاستيقظ على مشهد مغاير، فقلت كم لبثت.. قال دقيقة أو دقيقتان، قل سائق الحافلة أعلم بما لبث. اعتقد لوهلة أننا، نسير في ليل مدينة شيان، وأنني تجاوز محنة صعود الجبال في الحافلة كما تعودت عليه في بلدي، لكن لا شيء من ذلك حصل. لأن المشهد الذي اعتقده ليلا، سرعان ما اختفى وظهر ضياء الشمس، لأستنتج أننا مررنا بنفق يخترق جبلا. تذكرت جواب الصديق الصيني، فالجبال تحيط بنا من كل مكان، ومع ذلك نسير في طريق مبسوطة كل البسط، ومع ذلك سريعة سيارة. بعد أقل من دقيقتين، دخلنا نفقا جديدا، واستمر لمسير حوالي 5 دقائق، غادرناه لندخل في نفق آخر، واستمر المشهد، حافلة تخترق الجبال بكل سهولة. طريق جبلية طويلة، بددت كل مخاوفي من كوابيس حوادث السير في بلدي، فقلت للصديق الصيني، ليتنا نسير في هذه الطريق لأزيد من ألف كيلومتر لأحظى بجرعات إضافية من المتعة أحملها لبلدي، استعين بها عند كل سفر في طرقه الجبلية. انتصفت المسافة، باحة استراحة وسط الجبال المغلفة بالأشجار، صممت بعناية، مراحيض متوفرة، وخدمات يحتاجها الصينيون أكثر من غيرهم. وبعد الباحة بقليل، نقطة تفتيش للشرطة الصينية، بناية زجاجية بنيت بعناية، تحوي حماما وغرفة نوم، وخدمات إضافية لمرابطين في نقطة التفتيش. طلب الشرطي من الحافلة الوقوف، تجول في وجوهنا فوجدها غير التي ألفها، ابتسم بصدق، والتقط صورة للراكبين قبل المغادرة، فهذا إجراء روتيني في الصين. أكملنا طريقنا نحو مدينة شيان، واختراق الجبال أصبح يستهويني أكثر، فكلما غادرنا نفقا، أنتظر القادم، لأستمتع باختراق الجبال. فجأة، توقفت الحافلة، قرب مخرج نفق، الانتظار طال 30 دقيقة، ولا صيني خرج من سيارته أو حافلته أو شاحنته، يسأل عن السبب، أو صعد من لهجته كما يحدث في بلدي، الكل لزم مكانه، حتى استعادت الطريق حركتها. واصلت متعة اختراق الجبال، وكلما اخترقت جبلا، أضيف شحنة إضافية من الطاقة الإيجابية، أحملها لبلدي، أتزود بها عند الضرورة. ليست الحافلات فقط من تخترق الجبال، فحتى قطاراتهم السريعة تخترق الجبال، والأنهار والبحار، شعب يخترق كل شيء. شبكة الطرق السيارة بالصين تجاوز 90 ألف كيلومتر، حيث تجاوز تلك المتواجدة بالولايات المتحدة الأميركية، ورصدت الحكومة الصينية مبالغ ضخمة لتجهيز البلاد التي كانت قبل 18 سنة لا تتوفر حتى على طريق سيارة لمسافة متواضعة.