تصنيف "الفيفا".. المنتخب المغربي ل"الفوتسال" يصعد بمركز واحد    تقلبات جوية متوقعة اليوم الجمعة.. أمطار ورياح قوية بالمملكة    توقيف شخص ومطاردة آخرين من المتورطين في تبادل العنف باستعمال الأسلحة البيضاء بالجديدة    السياسي الفرنسي روبرت مينار يصف النظام الجزائري بالفاسد واللصوصي    زيارة وفد من برلمان الأنديز إلى العيون تعزز التعاون المغربي – اللاتيني وتؤكد دعم مبادرة الحكم الذاتي    بشرى حجيج رئيسة الكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة تشرف على حفل افتتاح بطولة إفريقيا للأندية في أبوجا    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    أسعار النفط تواصل التراجع عالميا بعد قرارت ترامب الجمركية    مباحثات أفرو-مغربية على هامش القمة العالمية للاعاقة المعقدة ببرلين    النفط يواصل تراجعع بعد رسوم ترامب وبرميل برنت يبلغ أدنى مستوياته منذ 2021    كيوسك الجمعة | حكومة مدريد تطلق دراستين جديدتين للنفق البحري مع المغرب    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    النفط يواصل التراجع بعد رسوم ترامب وبرميل برنت يبلغ أدنى مستوياته منذ 2021    الرباط تحتضن اجتماعا لتتبع مخطط تنزيل القانون المتعلق بالعقوبات البديلة    دونالد ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان بعد إدانتها أمام القضاء    مسيرة حاشدة مرتقبة في باريس لدعم انفصال جمهورية القبائل    نقابيون يتهمون المدير الإقليمي للتجهيز بأزيلال بالتمييز بين الموظفين على أساس الانتماء النقابي    المنتخب المغربي لأقل من 17سنة يتعادل مع نظيره الزامبي (0-0)    سوق الأسهم السعودية تتفاعل مع رسوم ترمب الجمركية وتخسر 1.2 في المئة    الاتحاد الأوروبي يرغب في تعزيز شراكته الاستراتيجية مع المغرب    بوادر تحوّل في الموقف البريطاني تجاه الصحراء المغربية    المغرب والأمم المتحدة يستعدان لافتتاح مركز دولي بالمغرب لدعم عمليات حفظ السلام    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    إسرائيل تواصل حرب إبادتها بلا حدود.. يوم آخر دامٍ في غزة يؤدي بحياة 112 شهيدا وسط صمت ولا مبالاة عالميين    وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    حادثة مروعة بطنجة.. شاب يفقد حياته دهساً قرب نفق أكزناية    "أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"        بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلانات عن أنشطة مشبوهة تكتسح مؤسساتنا التعليمية قبل حلول السنة الميلادية الجديدة
نشر في التجديد يوم 20 - 12 - 2003

حين وافق عادل على تلبية دعوة صديقه في الدراسة بعد إلحاح شديد، لحضور نشاط احتفالي بمناسبة حلول السنة الميلادية، بأحد النوادي الليلية، وقد راج الإعلان عنه بالثانوية، لم يكن يدري أنه سيكون أداة مع كل المدعويين مثله من التلاميذ والتلميذات المغرر بهم لتجارة خسيسة تستهدف استقطاب التلاميذ إلى أنشطة مشبوهة، يوفر المنظمون لها كل الوسائل التي تكفل لهم إنجاح صناعة منظومة الخطوة الأولى فقط (تخفيضات في الأثمنة، تسهيلات في الآداء...) ليجد التلميذ نفسه بعد ذلك منساقا باندفاع ذاتي، وحماس شديد لاستكمال تبعاتها الثقيلة: إدمان المخدرات، الخمر، التدخين، احتراف الدعارة... وكل المظاهر السلوكية التي تترافق معها. هذه حالة تتكرر في دنيا التلاميذ طيلة الموسم الدراسي، وتشكل معبرا حقيقيا لرصد مظاهر متعددة أصبحت جائحة تعم المؤسسات التعليمية. ولكن المشاهدة الميدانية لها تظهر بجلاء مع اقتراب حلول كل سنة ميلادية جديدة.
"التجديد" استقت شهادات تلاميذ، وكذا تعليقات آباء وأولياء التلاميذ ثم الأساتذة حول هذه الظاهرة.
عزيزة الزعلي
كانت الشهادات التي استقيناها تحمل في مضمونها مؤشرات تدل على استهداف ينتج لنا في النهاية تلميذا تائها عن مساره الدراسي، وعن دوره في صناعة الحياة. فمن المستجوبين من كان ضحية واستدرك، ومنهم من عاين واستنكر رغم أنه لم ينسق مع تيارها الجارف. أما تعليقات الآباء والأساتذة، فهي تعبر عن غياب التربية والرقابة وأشياء أخرى... لتتداخل المسؤوليات وتتشعب مساراتها!!
خطوة أولى... ووقعت الواقعة
بأسى وحزن عميقين يستعيد عادل تفاصيل تجربته المريرة، حيث لازال استرجاع شريطها يضغط على الذاكرة بشكل مؤلم، ولقد بدأت معاناته بعد أن أقنعه صديقه بالذهاب معه للاحتفال بمناسبة حلول السنة الميلادية بأحد النوادي الليلية بالمعاريف، قال عادل إن الإعلانات لهذا النشاط كانت توزع في ساحة الثانوية على التلاميذ، اعتبر أن الأمر لا يعنيه في البداية، لكن مع إلحاح صديقه أذعن للأمر، خاصة وأن مجموعة من رفقائه شجعوه على الذهاب معهم، ويستطرد عادل :قلت مع نفسي، أجرب، ماذا سأخسر؟ إن هي إلا ليلة واحدة! أغرتني أجواء الاحتفال شاركت في كل طقوسها: رقص وخمر وتدخين... لكن الليلة لم تنته بل طالت أيامها، وكان علي منذ تلك اللحظات أن أتحمل تبعاتها، استجابة لنزوة من نزوات النفس الجامحة... ووقعت الواقعة، ونصيبي من تلك الليلة السقوط في عالم المخدرات. الخطوة الأولى دفع صديقي ثمن تجربتها لأجد نفسي بعدها أدفع الثمن مضاعفا. تحدث عادل بمرارة، وهو يحكي كيف أنه اضطر لبيع ملابسه، وتجهيزات منزلية كان يسرقها لعائلته، بل أحيانا يلجأ إلى التسول، من أجل تغطية المصاريف التي كان يحتاجها لاقتناء مستلزمات إدمانه من المواد المخدرة. وأضاف
أنه كان يقتنيها من داخل المؤسسة أو في الساحة الخارجية لها، ويتردد على الملاهي والحانات حتى أصبح محترفا في هذا العالم. إنه يعرف كل أنواع المخدرات بأسمائها ومكوناتها...
انتهى به المطاف أخيرا إلى السجن بعد أن قبضت عليه الشرطة وهو يتسكع بالشوارع، وفي جيبه قطعة من الحشيش. وذلك بعد أن طرده والده من البيت.
كانت ثلاثة أشهر مدة سجنة كافية للقضاء على مستقبله الدراسي. يقول عادل إنه كان يتوصل بكل ما يحتاجه من مواد مخدرة حتى داخل السجن بواسطة الحراس، بعد أن يدفع لهم المقابل. وهذه المواد كانت تصل إليه في الياغورت، أو في قوالب الحلوى.
بعد خروجه من السجن شاءت الأقدار أن تغشاه الرحمة وتتنزل السكينة في فؤاده ويتوب إلى رشده، وحين طلبنا منه تقييم هذه التجربة، أجاب: تعلمت أن المعاصي يستدعي بعضها بعضا، فالمسافة للسقوط قصيرة جدا، خطوة واحدة لها تبعات مكلفة جدا. لكن ما لم أجد له تفسيرا لحد الآن هو كيف أن اكتساح هذه الظواهر للمؤسسات التعليمية لم يحرك ساكنا لإيقاف هذا النزيف؟
إذ يحتل الحديث عن المخدرات أغلب مساحة هذا المشهد.
دعاية على أبواب المؤسسات التربوية
فإذا تلمسنا تفاصيل هذه الظاهرة، نجدها في شهادات تلاميذ وتلميذات، التقطنا صورها عن قرب بل بعض ضحاياها من زملائهم. تقول مريم -تلميذة في السنة الثانية ثانوي علوم اقتصادية-: في الأسبوع الأخير من شهر دجنبر، يعيش التلاميذ على إيقاع حمى كاسحة تسمى في الأوساط التلمذية جمَّ قٍَُُّ (لي بوم) أو ٌمَّ ِفُّْىمَّ (لي بارتي) والتي باتت شرا داهما لا دافع له، تلصق إعلانات عن تنظيمها على أبواب المؤسسات، وتروج في صفوف التلاميذ، ويحرض بعضهم بعضا على حضورها وغالبا تضيف مريم ما ستكون الجهة المنظمة لها مقهى أو ملهى ليلي أو حانة أو فندقا... وقد ينظمها أحد التلاميذ ويدعو لها زملاءه، ويكتري من أجل ذلك فيلا أو يحجز ناديا ليليا باسمه، وهذه بالنسبة له عبارة عن تجارة يهدف من تنظيمها إلى الربح المادي.
ما يثير الانتباه -حسب مريم- في هذه الإعلانات الدعائية، هو الأثمنة المحددة فيها لحضور هذه الأنشطة، حيث أنها تتراوح ما بين 25 درهم للذكر، و20 درهم للأنثى، و30 درهم إذا كانا معا. ويؤكد أحمد سنة أولى ثانوي علوم رياضية أن موزعي هذه الإعلانات هم تلاميذ يدرسون بالثانوية نفسها، لباسهم غالبا ما يكون موحدا بشكل يوحي بأن لهم تنظيما خاصا له أتباعه، وهذه واجهة لنشاطاتهم المشبوهة.
وقد يأخذ هذا النشاط الاحتفالي مظهرا آخر، حيث يمكن أن ينظمها أحد التلاميذ، إما في بيت عائلته أو أحد أصدقائه، ويساهم كل من يود المشاركة بمبلغ مادي يتفق عليه لشراء مستلزمات الاحتفال، وهي أيضا لا تخلو من سلوكيات لا أخلاقية. أما مصطفى -سنة ثانية ثانوي- فيصرح بأن التلاميذ بالمؤسسات يتبادلون فيما بينهم هدايا تحمل رمز الصليب، أو رمز مريم العذراء، استعدادا للمناسبة، ويرتدون ملابس غريبة ويحلقون رؤوسهم... يسكت قليلا، ثم ينتفض قائلا: خلال هذه الأسابيع كانت حملة دعائية إشهارية لشركة بيبسي أمام المؤسسات التعليمية، يوزعون المنتوج مجانا على التلاميذ، ويخلقون لهم أجواء راقصة صاخبة، بموازاة ذلك. وينخرط تلاميذ وتلميذات في الرقص دون أدنى مراعاة الفضاء المؤسساتي، عقب صديق له على ذلك إنهم يقومون بجولة لم يستثنوا منها حتى رحاب الكليات، ولم يحرك لذلك أحد من المسؤولين ساكنا.
الآباء يستنكرون ويضعون الأساتذة في قفص الاتهام؟
من جانب آخر صرح مجموعة من الآباء بأن ما يحكى يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل أبنائهم، ولم يخفوا استنكارهم لهذه الأوضاع التي أصبحت تكتسح المؤسسات التعليمية، تقول زينب (أم لابنتين): ما يروج بالمؤسسات، نسمعه أحيانا عن فتيات تورطن في سلوكيات لا أخلاقية، يجعلني أعيش على إيقاع خوف دائم، دفع بي إلى تعقب ابنتي ومحاسبتها عن كل تأخر، وأنا أعلم أنني لا يمكنني أن يكون سجانا لها أو حارسة ملازمة لها كظلها، هذا يجعلني أدعو الله صباح مساء بأن تستكمل ابنتي مشوارها الدراسي بسلام، وتتساءل أن ما يشاهد بالمؤسسات لا يحرك الآباء لدفع الإدارة إلى تحمل مسؤوليتها، حتى ننقذ جيلا ضاعت القيم والأخلاق في صفوفه، وتاهت معه ملامح الهوية والأصالة.
في حين أن سعيدة (أم لولدين) تعلق على ذلك بأن غياب الحرص على مصلحة الأبناء وعدم تقاسم المسؤوليات بين كل المسؤولين التربويين آباء وأساتذة... يفصل محور التربية عن التعليم فيما يروج الآن أصبح معروفا وما خفي كان أعظم تقول سعيدة.
أما فاطمة (أم لأربعة أولاد) فقد أرجعت هذا الانفلات في صفوف التلاميذ -كما تسميها- إلى الواقع التعليمي الهش الذي لا يواكب التطورات على مستوى البرامج، ولا يستوعب التناقضات التربوية التي أصبح يعيشها التلاميذ بين واقع تنقله التلفزة، وواقع حقيقي يكسر كل الأحلام. ويبدو بالنسبة لفاطمة أن افتقاد مجال التعليم للأستاذ القدوة مدخل حقيقي لإفساد المتعلمين، ثم ضعف المراقبة وضبط ساحة المدرسة من قبل الإدارة، وتتساءل عن سبب وجود شباب لا يدرسون بالمؤسسة، وينتظرون أمام بابها للتحرش بالتلميذات، بل وتهديدهن. والإدارة تحدد مسؤوليتها فيما يقع بداخل المدرسة وليس خارجها، فذلك من اختصاص السلطات الأمنية.
ويوضح مصطفى -أب لأربعة أولاد- أن ما يحدث بالمؤسسات التعليمية هو مظاهر لتيار الإفساد الممنهج، إذ كيف يعقل أن إعلانات عن هذه الأنشطة المشبوهة في ساحة المدرسة، ولا يلقي لها الطاقم الإداري بالا، والأساتذة يعتبرون ذلك خارجا عن مسؤولياتهم لأنهم ملزمون باستكمال البرنامج الدراسي المحدد وليس إقحام دروس التربية، ويشدد مصطفى على دور الأفلام المكسيكية وما تروجه القنوات من أفلام خيالية من تخريب عقول الأجيال. وتحدث عن اللباس الغريب، وعن العلاقات المبالغ فيها والتي أصبحت موضة العصر، وعن بيع التلاميذ للمخدرات وتعاطيهم لها، ثم يتساءل مصطفى: فأين رجال التربية والتعليم؟!
بينما فضلت خديجة -ربة بيت- أن تحكي عن تجربة ابنتها التي تسائل، من خلال قصتها، كل المسؤولين وكل من له غيرة على التربية والتعليم. تحدثت عن قصة مريرة لفتاة رماها القدر بين أيدي أثيمة اغتصبت طموحاتها وآمالها: حين غرر بها رفيقات السوء واصطحبنها إلى حفلة لم تكن تعلم أنها بداية لنهايتها، قالت إنها ستذهب لتراجع دروسها مع صديقتها، منذ ذلك اليوم وابنتي في تدهور مستمر، تنتابها حالة هستيرية ولا أعرف سببها. وحين تزورها زميلتها تصبح على ما يرام. بعد مرور مدة على هذه الحل شككت في الأمر، وتبددت شكوكي عندما اصطحبتها إلي الطبيب: ابنتك مدمنة على المخدرات قالها لي الطبيب كالصفعة التي أيقظتني على واقع لم يعد يربطه بالتربية والتعليم إلا الاسم. وتضيف خديجة بكل الأسى والأسف الباكي: عندما اكتشفت من خلال ابنتي كم من ضحية كانت التجربة الأولى هي بوابة لولوجها إلى متاهات لا قرار لها، وصرحت لي صديقة ابنتي في لحظة مصارحة أنها فقدت عذريتها في حفل مختلط، بمناسبة حلول السنة الميلادية دون أن تشعر بذلك لأنها كانت ثملة. وهذا يتكرر دائما في مثل هذه الأجواء لكثير من التلميذات.
الأساتذة يؤمنون بدورهم في الإصلاح ولكن...؟!
لم يخف الذين التقيناهم من الأساتذة معاينتهم لمظاهر الظاهرة التي نتحدث عنها، واستنكارهم لها ولكن -حسب آمنة أستاذة الرياضيات- البرامج التعليمية المسطرة وإكمالها في وقت محدد تمشي في اتجاه الفصل بين التربية والتعليم، فالأستاذ مطالب بتنفيذ تعليمات المذكرات الوزارية، وضغط البرامج لا يترك لك الوقت لتقديم النصائح أو توجيه التلاميذ، هذا من جهة، ثم من جهة ثانية لم يعد التلاميذ يعطون اعتبارا لكلام الأستاذ في غياب التنسيق بين مسؤوليات كل المهتمين مباشرة.
وصرحت الأستاذة آمنة بأن بعض التلاميذ يدرسون بقسمها كانوا يتعاطون مواد مخدرة، ويلاحظ ذلك من خلال كلام متثاقل ومشي متمايل، وأعينهم المحمرة. وهذه الحالات ربما تتكرر مشاهدتها في كثير من الأقسام، ولكن مادام لم يؤذ أحد فليس لك الحق في محاسبته.
وعن إعلانات الاحتفال بالسنة الميلادية أفادت أن التلاميذ والتلميذات -حسب علمي- يقيمونها في بيت أحدهم بهذه المناسبة، ثم بمناسبة انتهاء الدورات الامتحانية، ولكن ماهو خارج عن المؤسسة وعن القسم ليس من مسؤوليتنا. وتعقب على ذلك قائلة المؤسسة للأسف لم تعد فضاء للتربية والتعليم كما كان، بل أصبحت فضاء لا تطيق معه حتى مزاولة مهنتك، فحين نتحدث عن التلميذ، فإننا نتحدث عن شباب يقضون نصف أوقاتهم خارج أسوار المؤسسة، وقد ترى مظاهر عديدة لتجمهراتهم غير التربوية، ولكنها خارج حدود مسؤوليتنا.
الأستاذ عبد الرحمان (أستاذ التربية الإسلامية) يقول إن هذه الظاهرة الشاذة برزت في المؤسسات التعليمية منذ مدة، خاصة تلك الموجودة بالأحياء الراقية، وتتمثل في توزيع الدعوات من طرف بعض الجمعيات والنوادي المجهولة، والتي تدعو التلاميذ الشباب عموما إلى المشاركة في أنشطة مشبوهة، وعامة هذه الدعوات تفضل أن يكون المدعو مرفوقا بصديق أو صديقة مع تخفيض الثمن في هذه الحالة. واعتبر أن الظاهرة أصبحت واضحة للعيان، لكن المسؤولين لم يحركوا ساكنا على الأقل لضبط العملاء الفاعلين، إنه تيار جارف يهدد مستقبل شبابنا، ويضيف كنا نعتقد أن ظواهر الشذوذ وانتشار المخدرات ستجد لها من يعالجها، وإذا بنا نرى انتشار ظواهر مرضية أخرى، ونحن على أبواب الاحتفال برأس السنة الميلادية، فهل هذه الأمور ستواجه بنفس التجاهل؟!
وترتيب المسؤوليات بين كل الغيورين على مصلحة الشباب هو المدخل الحقيقي للتغيير وإيقاف زحف هذا الإفساد الممنهج لأبنائنا.
في حين اعتبر فؤاد (أستاذ اللغة العربية) أن هذه المظاهر ليست من أصالتنا وتخالف عقيدتنا الإسلامية، وإن كان لابد من الاحتفال فلنخلق أجواء تناسب قيمنا، ونبتكر له أساليب تربط الأجيال بتاريخها وحضارتها، ربما المسؤولية تقع علينا كأساتذة ولكن توحيد الجهود وفسح المجال للاقتراحات مع إشراك الشباب وأولياء أمورهم لكي يدركوا نصيبهم من المسؤولية كفيلة بالاستدراك وتفويت الفرصة على المخربين وفضح أساليبهم.
وللإدارة رأي آخر
أجمع من التقيناهم من أطر إدارية بالمؤسسات التعليمية أن حدود مسؤولياتهم هي المؤسسة وفضاؤها الداخلي، وأنهم يبذلون قصارى جهودهم في الضبط التربوي للتلاميذ ولا يتساهلون مع أي وضع شاذ، ويتوسلون في ذلك عبر أساليب عديدة تكثيف المراقبة في الساحات، وتوجيه التلاميذ عبر أنشطة رياضية وثقافية، وإن كانت الاحتفالات بالسنة الميلادية تتخذ هذه المظاهر المشبوهة فإيقافها من اختصاص رجال الأمن لأنها لا تقام بالمدرسة، حسب قول حارس عام لثانوية بالبيضاء.
من المسؤول؟
أرأتيم كيف يلقي الآباء اللوم على الأساتذة؟ أرأيتم كيف يلقي الأساتذة اللوم على الآباء ويقصرون حدود مسؤوليته داخل جدران الفصول الأربعة؟ أرأيتم كيف تتملص الإدارة هي الأخرى من الملام وتلقي اللوم على رجال الأمن؟ ورجال الأمن، على من سيلقون اللوم؟ هل هم حراس عقيدة وأخلاق؟ أم حراس أمن إذا ما سفكت الدماء وسقطت الأرواح؟
لكن، أين هي وزارة التربية الوطنية والشباب؟ ألها أعين تبصر بها؟ أم لها آذان تسمع بها؟ أم لها قوانين وتوجيهات تتبعها حتى النهاية؟ وأين هي وزارة الاتصال وقنواتها الإذاعية والتلفزية وبرامجها وأفلامها وسهراتها وندواتها؟ أليس لها من ندوات إلا اللقاءات والحوارات الحريصة على الواجهة السياسية من دون الحقائق الاجتماعية والتربوية والنفسية المشتعلة نارا ولهيبا يحرق مستقبل أجيال عريضة بعد أن غرقت ألوف مؤلفة في واقع بئيس؟ ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ما ذا أعدت لهذه الأهوال؟ وأين الحكومة كلها والمجتمع المدني برمته؟ هل دخلوا في غار أهل الكهف فضرب على آذانهم سنين عددا؟ أئذا قامت الجهات المتدينة في وجه تيار الإفساد العالمي قيل لها مكانك، وإلا فأنت منبع التطرف الديني والإرهاب المسلح؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.