"لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    كأس العرش: الاتحاد الإسلامي الوجدي إلى ربع النهائي بعد انتصاره على الرجاء البيضاوي    "الأشبال" ينهون التحضير للقاء تنزانيا    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    الرابطة الإفريقية لكرة السلة (مؤتمر كالاهاري).. الفتح الرباطي ينهزم أمام الاتحاد الإسكندري (71-60)    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    حماس تشيد بموقف الموظفة المغربية ابتهال أبو السعد لفضحها تواطؤ "مايكروسوفت" مع آلة الحرب الإسرائيلية    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    المغرب فرنسا.. 3    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المجتمع المغربي وآفة الكذب: الكذب سلوك يومي يتسع على حساب دائرة الصدق
نشر في التجديد يوم 30 - 04 - 2003

إذا أغمض المرء عينيه وقال: إن دائرة الصدق تقل عن دائرة الكذب لصدقناه، فالكذب يغزو حياتنا الخاصة والعامة، ليس غزو النار للهشيم أو أمريكا للعراق، بل يخيم بظلاله على مناحي حياتنا كلها: في المجتمع، والسياسة والإعلام والتعليم...
فالتلميذ الذي تغيب عن الحضور أو عجز عن القيام بواجباته يصطنع مخرجا لتفريطه، والمستشار الجماعي أو البرلماني يوزع الوعود بالصناديق المضمونة على منتخبيه لإنجاز ما لا يقدر على إنجازه سليمان عليه السلام وجنوده، والزوج وزوجته يتبادلان الكذب لاستمرار العشرة واتقاء الخلافات... لو استصحبنا مذكرة وقلما ودونا عدد الكذبات اليومية والسنوية، لانتابنا استغراب من تديننا وعقولنا.
لماذا يكذب المرء؟ كيف نعيش يوما بلا كذب عوضا عن يوم للكذب؟
المجتمع المغربي وعي ضمني بالكذب
تستبطن ذاكرة المجتمع المغربي المسلم أمثالا شعبية تنم عن وعي ضمني بأساليب الكاذبين في خداع الآخرين، فاشتهر بين الناس عبارات جرت مجرى الأمثال، أولاها يضيق مساحة النجاة والفوز باعتماد أسلوب الكذب مثل "حبل الكذب قصير"، وثانيها يمنح وسيلة لضبط خداع الكاذب "نَسِّي الكذاب واسأله"، وثالثة تفصح عن النتيجة المخيبة للكذب "اللي كذب على نادره يجده في مخزنه"... وهي عبارات تقابلها أمثال أخرى تمجد الصدق: "الصدق حبيب الله"، والشفافية في التعامل "الشرط قبل الحرث ولا خصومة في النادر". "والصراحة راحة".
وبلغ من استنكار المجتمع أن وصف ذا الكذبة الواحدة كذابا وقال عنه: "اكذب كذبة تصبح كذابا"، إذ اقتراف كذبة واحدة لا يغفرها المجتمع، وبعدها لا يجد الكاذب من سيأمنه بعد تورطه في الكذب، ولم يتوقف هذا الوعي الضمني بالكذب وتمجيد الصدق بل منح مقترف هذه الخصلة حلا أوجزه في القولة الوجيزة: "إذا كان الكذب أنجى فإن الصدق أنجى وأنجى".
الكذب بالألوان
حسناء تلميذة في الأولى ثانوي، آداب عصرية، عندما سألناها عن عدد الكذبات اليومية، علت وجهها ابتسامات الخجل، كيف تكذب وتبوح بذلك، وقالت: "عدد لا يحصى".
ورغم إدراكها لعدم جواز الكذب، فإنها تقسمه إلى نوعين: اضطراري ومتعمد، بالنسبة لحالة الاضطرار تقول حسناء: "أكذب خوفا من صراخ أمي وتهيئها للضرب عندما ترسلني إلى قضاء غرض ما وأنساه، أو لم تكن لي رغبة في ذلك، أخرج من المنزل، وأنتظر قليلا ثم أعود لأخبرها بأني لم أجد ما أرسلتني إليه، أما المتعمد، تتابع حسناء وهي تضحك... فعندما أكون كاذبة وأحلف على أني صادقة، فأضيف كذبا إلى الكذبة الأولى، ولكن أرجو من الله أن يغفر لي".
أما أمها سعيدة، فالكذب لديها حسب الألوان منه: الأحمر والأبيض، تقول سعيدة: "الكذب اليوم أصبح سياسة، فقد ألجأ إلى الكذب عند الاحتياج إلى المال لتلبية بعض الحاجات، وأرى أن الآخر لديه فائض مادي، فأقول له: أعطني كذا نقود وسأرجعها لك في يوم كذا، وأنا أعلم أني لا أفي بذلك، ورغم أن "الخلق يحمق" فإنني أحاول أن لا أكذب "كذبة حمرة جمرة"، لأن هذا النوع من الكذب حرام جدا، ولكن هناك كذب أبيض، للضرورة، لإصلاح مشكل امرأة مع زوجها والخوف من تشتيت بيتهما"، وعلى الرغم من هذا التقسيم اللوني للكذب، فسعيدة تجهل أن ما تمارسه كذبا أبيضا أباحه الشرع لإصلاح ذات البين وفي الحروب وبين الزوجين لدفع الضرر الأكبر، لكن عندما طلبنا منها معرفة عدد الكذبات اليومية، ابتسمت قائلة: "كل أموري فيها شيء من الكذب، ولكن الآن مع كبر السن، بدأت أشعر بعدم فائدة ذلك، فلا بد من التوبة لأن "لكذوب على الله حرام".
صاحبتها حبيبة العلوي، امرأة في الأربعينيات من العمر تربط الكذب بالصغر والخوف، وتفرق في الكذب حسب عمر الإنسان : "في الطفولة كنا نكذب مخافة تلقي العقاب أو لتوافق صديقتك على كذبها حتى تستمر العلاقة بينهما"، أما مع الكبر وانتشار الوعي تتابع حبيبة: "مع كبر السن لابد للإنسان أن يتجنب الكذب لأنه لم يعد أحد يخاف من أحد إلا من الله، فإذا قال الإنسان الحقيقة فإنها تخرجه من الورطات سالما".
وترى حبيبة أن "مقدم الحومة" أكثر الناس كذبا، "فهو يقول أي شيء لمن فوقه، وإن لم يعلم صدقه حتى يرضى عنه، وتضيف إليهم طبقة المحامين: "فبعض المحامين تجدهم مدافعين عن متخاصمين في القضية الواحدة، رغم علمهم بحقيقة المشكل مثل حق الحضانة أو أداء الكراء أو السرقة أو غير ذلك..."
السياسة والكذب المزوق
في كل صباح تنتشر أخبار عن تزوير انتخابات رئاسية أو برلمانية أو جماعية، وفي الانتخابات تفوح روائح الدعاية الكاذبة للأشخاص والمشاريع والبرامج، الأستاذ المقرئ أبو زيد، برلماني من حزب العدالة والتنمية، في حادثة "ائتلاف الخبر"، العمل الخيري الذي يعمل أمينا له بالمغرب، يدعو بعض اليساريين إلى "مباهلة" وطنية والدعاء بالثبور على الكاذبين، مكذبا الأخبار التي يروجها بعض الخصوم، أن الأموال التي يجمعها بعض نواب حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح لفلسطين والبوسنة والهرسك حولت لشراء مقرات للحزب، وقال في محاضرة ألقاها بقاعة أبا حنيني بالرباط في رمضان الفائت،"تعالوا نتباهل وندعو ربنا أن يجعل لعنة الله على الكاذبين ".
مصطفى العلوي، مدير ورئيس تحرير جريدة الأسبوع (ع 252/81 أبريل الجاري)،قض ضميره استشراء الكذب في السياسة، وكتب يقول: "قديما كان الناس يكذبون وتحمر وجناتهم كلما كذبوا، وكانت لعنة الله على الكاذبين، فإذا الكذب يصبح بالدرجة الأولى أساس السياسة، وفي بعض الحالات أو أغلبها أساس الدولة، ويخيل للمتعمق في خبايا الأمور أن الكذب أصبح من الميزات المشترطة في المكونات الأساسية للوزراء، واستحضر مثال الوزير الذي قال لنا في التلفزيون إن المغاربة سنة 0691 كانوا يسكنون في الأشجار والأحجار.. بينما، ولست من عائلة غنية، كنت أسكن سنة 06 في فيلا المرحوم عبد الرحيم بوعبيد".
ويضيف مصطفى العلوي في ركنه "الحقيقة الضائعة تحت عنوان: "كفى من الكذب على هذا الشعب"، "ولم ينس الرأي العام المغربي، أن أول كذبة في تاريخ المغرب المستقيل، كانت هي وعد الحزب العتيد للجماهير المغربية، بأن الفوسفاط سيوفر لكل مغربي عشرة دراهم في اليوم".
ويحاول رئيس تحرير جريدة "الأسبوع" المغربية تقديم مجالات الكذب "المزوقة" في "اللوطو" والمسابقات الهاتفية والقروض الربوية داعيا إلى الاستفادة من حكم القضاء الفرنسي في 22 ماي الماضي بإيقاف" كل أساليب الإشهار المكذوب بواسطة خدمات الهاتف".
ويختم قوله: " يعلم الله وحده كيف سيكون المصير، فلو جمعنا ما سمعته آذاننا من مشاريع وملايير ومئات الملايير، ومن ملايين السواح والاتفاقيات والعقود واللجن المشتركة والأسواق المفتوحة، لكان المغرب اليوم أحسن من أعظم دولة في الدنيا".
العلاقة الأسرية ولعبة الكذب المتبادلة
تبدأ أم أمين حديثه عن الكذب مع زوجها بصيغة فلسفية: "لو قلت لك أني لا أكذب على زوجي فإني سأكذب عليك، فالكل يكذب، وهذا أمر عادي، وفي نظري أكذب لأنه الحل الوحيد للخروج من "الحصلة" التي أقع فيها لسبب ما".
بالنسبة لعمر، أب لطفلين، فهو لا يخفي استعماله للكذب مع الزوجة، لكنه يفصل بين الكذب الإيجابي والسلبي: "أكذب على الزوجة في بعض المرات وليس دائما، لأني أخاف على شعورها النفسي، وخاصة في بعض الأمور العاطفية لدوام الألفة مثل درجة المحبة لها أو الجمال، وشخصيا لا أسميه كذبا بل استلطافا، وهو جائز شرعا بأن تصرح بأشياء غير حقيقية".
أما الكذب السلبي الذي يقلق أبا عبد الرحمان فهو "الكذب في غير هذه المواضيع التي تقتضي صراحة تامة مثل الاعتراف ببعض الأخطاء، فتراكم الكذب يخلق في نهاية المطاف شقاقا بين الزوجين ، فلا يقلقني ارتكاب الخطإ بقدر ما يقلقني الكذب، فهذا ما لا أستطيع أن أنساه".
ويستدرك أبو إحسان بإضافة نموذج للكذب الإيجابي بين الزوجين: "في بعض الأمور اليومية والتصرفات العادية فيما يتعلق بالتربية أو الطبخ، يمكن استعمال التمويه وعدم الإخبار ببعض الأخطاء لاتقاء الغضب أو المشاكل، وهذا أمر إيجابي بالنسبة لي".
التصنيف نفسه، تؤكده فاطمة: "في بعض الأحيان وخاصة المتصلة بالأمور اليومية، يستعمل ما يسمى بالكذبة البيضاء أو الخفيفة، وهي تلك التي لا تؤثر على الطرفين أو أي طرف خارجي، وتكون باستعمال تقنيات ذكية، و تؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة إيجابية ، كأن أخفي على الزوج الثمن الخقيقي لبعض المصاريف لأحتفظ بها لوقت الحاجة".
أما الكذب الذي تمجه فاطمة بين الزوجين، هو أن يكون الكذب في الأمور الكبيرة، تتابع فاطمة: "وهناك كذب ممقوت وهو المتعلق بالأمور الكبيرة، مثل أن يقول الزوج للزوجة: إني في حاجة إلى دين أو "كريدي" لشراء منزل أو إنجاز مشروع يعود على الأسرة بالنفع، ثم تفاجأ بزواجه، وكذلك بأن تجمع الزوجة المال وتستغله لحاجة خاصة بها فقط".
وتضيف: "أرى ألا يكون الكذب بين الزوجين في الأمور الجادة، فاستعماله في هذه الحالات يجعل الحياة مبنية على الخداع والغدر، وبصفة عامة، لا يجب أن يكون للكذب أثر على العلاقة بين الزوجين أو على الآخرين والمجتمع".
التربية على الصدق تقلل الكذب
بخجل وابتسامة يقول سعد القاسمي، تلميذ في الأولى ابتدائي ذي سبع سنوات: "كذبت مرة على صديقي، أخبرته إني ذهبت إلى المخيم ولكني لم أذهب، أما والدي والمعلم فإني لا أكذب عليهما، لأنني عندما أقول الصراحة فإنهما لا يضرباني"، ونظرا لبراءة سعد الطفل فهو لا يحس بمن كذب عليه، "وإذا علمت ذلك، يضيف سعد، فإني لا أصاحبه وأنصحه: "لا تبقاش تكذب". وبنباهة ينشد سعد بيتا شعريا:
الصدق أولى أن يشاع قد حطم الكذب القناع.
عزيز، أب يحمل طفلته بين حضنه، يؤكد أن للتربية دورها في تحلي الأبناء بالصدق واجتناب الكذب، يستهل حديثه بالفرنسية " (Il faut) "يجب" باش تكذب، لأن تربيتنا تمت على ذلك، فالوالدين منذ الصغر يخوفوننا "بالغول"، ويقولون إنهم رأوا شيئا في القمر قبيل الاستقلال، أما الأوروبيون فمنذ الصغر يعلمون أبناءهم قول الحقيقة، ولهذا ترى حياتهم منتظمة".
هذا الانبهار بثقافة الآخر يؤكده عزيز بنماذج أخرى" فالمهندس الزراعي في الدول الأوروبية، تجده يلبس لباسا زراعيا وصادقا في خدمته وعمله، أما عندنا فالمهندس هو ذلك المسؤول، الأنيق اللباس الذي يكره أن يلصق به تراب أو غير ذلك".
يوم بلا كذب
في مجالات الطب وإمضاء الشهادات، وفي التجارة وبيع السلع، وبين الآباء والأبناء، وفي معاملات السلوك اليومي بين أفراد المجتمع، تكاد العلاقات الإنسانية نبني في معظمهاعلى أسلوب الكذب والتزوير والخداع. فمتى يستفيق المسلمين على خطر الكذب في علاقاتهم الاجتماعية،ويتم الاحتفال بيوم بلا كذب.
ولكن واقع سلوك المجتمع يبين أن الكذب أمرا عاديا، و سار تقليد الآخر بالاحتفال بيوم للكذب بدل يوم بلا كذب، مبررا للكذب، وتريد بعض الكتابات في بيان أصل هذه خدعة أبريل أنها تخطيط من نصارى الإسبان لهزم جيش غرناطة بالأندلس، "إذ استطاع النصارى الكاثوليك من إخضاع كل إسبانيا تحت سيطرتهم، منهين بذلك حكم المسلمين الذي دام ثمانمائة سنة، إذ سقط آخر حصن للمسلمين، وهو غرناطة في أول أبريل، ولذلك اعتبروها بمعنى خدعة أبريل (April poop) ومن تلك السنة إلى الآن يحتفلون بذلك اليوم ويعتبرون المسلمين حمقى" الدكتور عصام بن عبد الله القريوتي في كتابه: (كذبة أبريل نيسان... أصلها التاريخي وحكمها الشرعي).
و يؤكد الدكتور لطفي الحضري، أستاذ علم النفس أن الكذب يتكون من ثلاثة عناصر:
-كذب الاضطراب السلوكي: حيث يسعى الإنسان إلى البحث عن المركز الاجتماعي.
كذب الاضطراب في الشخصية: إذ يتحول الإنسان إلى كائن ذي شخصية عدوانية تسعى إلى جلب المصالح، ولا يهمه ما يلحقه من أضرار بالآخرين، وهو يدخل في قوله تعالى حكاية عن سلوك اليهود في غيرهم من الأقوام: (ليس علينا في الأميين من سبيل).
الكذب الهذياني: وهو حالة من الاضطراب النفسي، إذ يحاول الفرد أن يختلق قصة يلعب فيها الدور الرئيسي، ويعتقد أنه نفس الشخصية، فهو مثلا يقول: أنا مدير، ويتعامل في الواقع مجسدا لهذه الصفة، وينتقل السلوك من دائرة الإلقاء إلى المعايشة والتجسيد.
فالطفل، يضيف الدكتور لطفي الحري، يعيش مرحلة عادية في سن السابعة من عمره، يحاول خلالها تقمص شخصية ما عن طريق المحاكاة، وهذا لا يعتبرنوعا من الكذب، ولكن إذا استمرت هذه المرحلة إلى سن المراهقة والرشد أصبحت حالة مرضية وجب علاجها.
ويرجع الدكتور الحضري أسباب الكذب الثلاثة إلى سببين:
عدم الثقة في النفس، ويمكن تجاوزها من خلال التربية في الطفولة وعدم ربط الخطأ بالرهبة والخوف لدى الطفل، حيث يضطر الطفل إلى الإخفاء لجلب الربح.
ثم الفشل العاطفي مع الجو العائلي أو الجنسي.
ويقترح الدكتورالحضري حلول آفة الكذب لدى الأفراد بإزالة مسبباتها، وعلاج المعني بالأمر نفسيا وسلوكيا، أما الكذب الإداري فهو الذي يهدف منه صاحبه إلى ربط الكذب بجلب مصالح في الواقع السياسي، وعلاجه يكمن في العمل على إزالة عنصر الخوف بين الإدارة والمواطن، أو المواطن والواقع السياسي.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" متفق عليه.
قالوا عن الكذب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما روته أسماء بنت يزيد: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس".
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان".
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "لا تبلغ حقيقة الإيمان حتى تدع الكذب في المزاح".
قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان في سؤاله عن خلق الرسول عليه السلام: "هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجاب أبو سفيان: لا. فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل".
قال عبد الله بن مسعود: "إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى ما يكون للفجور في قلبه موضع إبرة يستقر فيه، وإنه ليكذب ويتحرى الكذب حتى ما يكون للصدق في قلبه إبرة يستقر فيه".
يقول سعد بن أبي وقاص: "المؤمن يطيع على الخصال كلها غير الخيانة والكذب".
عبد لاوي لخلافة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.