هل يقود الحب المفرط للمسرح إلى أن يتحول رجل المسرح إلى مسرح في ذاته؟ ربما يكون هذا العبد الحق الزروالي، معرفا ب«ال» المسرحية من النوع الذي يحمل مسرحه فوق كتفه مثل قدر الحياة والموت. نحن في فاس، ومن باب بوجلود تحديدا، سأغرف من بعض ثنايا ما علق في ذاكرة الطفولة. منذ أزيد من أربعة عقود، كان علي أن أنتظر صديقي الزروالي عند العتبة المحرمة، ففي التداريب المسرحية كان يحظر على الزائر الغريب أن يلتقط مشهدا أو يسمع صرخة. لا بأس، إذن، فهناك فتحة صغيرة في أسفل باب سينما «بوجلود» يمكن للطفل الذي ينتظر أن يسترق منها السمع إلى أصوات «مانغالا الهندية» أو «ساحر جهنم» أو «رابعة العدوية»، في انتظار إكمال فصل من الفرجة الأخرى التي تكون بصدد التشكل في الطابق العلوي للشبيبة المدرسية حيث الطفل الآخر الذي اسمه الزروالي، يمارس عبادته. في الطريق إلى «المخفية»، سيتمسك طفل المسرح بالصمت وسيكون على طفل السينما أن يستفزه عساه يبوح بحوار مسرحي، لكننا سنلتقي في دار الشباب ب«البطحاء» للمرة الأولى، ولم يكن غير «المنفلوطي» قادرا على تحقيق ذلك الحلم. الطفل المسرحي يذرف دموعا حقيقية. هل كان يبكي لفراق «مجدولين» أم إنه كان يستشرف آفاقا ضبابية لحب المسرح الذي سيتحول إلى مهنة؟ من أين قَدِمْتَ يا طالب القرويين؟ وهل عشق «مجدولين» سيمسخها في اسم «عيوشة»، ثم ما شابه من التقاسيم والوجوه التي لا تعدو أن تكون صورة طبق الأصل للعشيقة الأولى التي طرقت القلب ولم تصغ إلى أحزانه؟ إلى أين أنت ذاهب أيها الشغوف بفاس وبالمسرح؟ فالرصيف لم يبارح مكانه. أنت أمامي تفترش الأرض خلف وعاء مملوء بالحمص، وأنا أمامك أعزف على كؤوس حياتي، ولا بأس أن نشارك بعضنا ملح الكلام. تلك القصاصات المقطوعة من صحف المرحلة، كان تاجر الجملة في الملاح يتصورها أغلفة واقية للحيلولة دون تكسير الكؤوس، وكنا نتسابق على قراءتها في مثل اكتشاف العالم المتناثر، عناوين وكلمات مقطوعة الرؤوس. مهلا، لم تكن الأصوات ترتفع: «الشعب يريد»، وسيهزمنا هذا الجيل الذي فتح عيونه على عصر الثورات العربية القادمة من رحم التكنولوجيا. كانت البداية مع القصاصات، ولم يكن يدور في خلدنا أننا سنقتسم المكتب ذاته في طابع جريدة «العلم». رحمك الله يا علال الفاسي، ولم يبق إلا أن نتقاسم مع «الوالدة» خناتة بنونة نخب الصمت الذي سقط، فقد شب الأطفال ولم يتوبوا إلا أمام رحاب الإبداع الذي أصبح مسرحا عابرا للمدن والبلدان والقارات. تحضرني اللحظة هذه المفارقة. كنت أرغب أن أكون رجل مسرح، لكنه ابتعد عني وتهت في عالم الصحافة، وكان هذا الزروالي يرغب في أن يكون صحافيا فاختطفه المسرح، ولو أنه آنس في نفسه أن يمثل دور الصحافي على شاشة التلفزيون ضمن مشروع لم يتم. نعم، هي المقاربة الأعمق بين الصحافة والمسرح تكون قابلة للتحقق. الصحافي ينسج عالمه وحيدا، متكئا على ما يراه ويسمعه ويدققه، والمسرحي يكون بدوره واحدا يصوغ عالما آخر اسمه «المسرح الفردي»، لكن الزروالي سيتكئ على «عكاز الطريق» ولن يلوح لغير من يراه وهو يجهر «كدت أراه»، تماما كما ستكون له صولات ضد القهر وأنواع القمع والإذاية، فيصرخ: «افتحوا النوافذ». لم يتعب أبدا، فقد كان يحمل مسرحه على كتفه مثل أقدار الموت والحياة، لكن رفيقته ستكون هذه المرة عربة من نوع آخر، إنها ليست عربة «تينسي ويليامز»، ولكنها عربة «إير4»، لم يتبين أحد ما إن كانت تحمله أم يحملها، فقد نشأت بينهما علاقة في مثل الكتاب الأول الذي قرأه بلسان المنفلوطي، ثم صار منفلوطيا آخر، يبحث عن «رماد أمجاد» في تاريخ سقوط الأندلس، يوم لم يستطع الأمير الصغير أبو عبد الله أن يصونها مثل الأمانة. وبين محطة وأخرى، سيحن إلى «الأسطورة»، سيصنعها أو تصنعه، لا فرق، فمنذ أن كان المسرح وهو أسطورة. في ثمانينيات القرن الماضي، ركب الزروالي عربته ورحل يبحث عن مكان يستظل به تحت الشمس، من الجزائر إلى تونس، ثم باب العزيزية. أي رياح هذه التي تحمل المبدع إلى أن يدلف إلى ثكنة عسكرية ستفوق شهرتها كل الآفاق! حكى أن القذافي طلب إليه أن يكون ممثلا، فرد عليه بأنه أقرب إلى عالم السينما، ثم استقر الرأي على تشكيل أول فرقة مسرحية مغاربية، كان روادها من تونسوالجزائر وليبيا طبعا. غير أن المشروع الذي بدأ في سعة الحلم سيتهاوى أمام النزوات. ذاك شيء من الماضي، لكن ماضي المسرح في فاس لا يمكن أن يخذل «حربة» و«عيشة بيطيط» ثم ذلك الرجل الذي أنشد يوما وهو يمتص رحيق السبسي: «راه الكيف نحلني وخلاني عريان.. تركي الكيف يا كتامة وسمعي للسلطان». كان مسرحيا من نوع آخر، في مثل «الساقوط» و«البوراشدي» و«الأزرق». أما إدريس الملة، فتلك قصة أخرى عن أيام خلت، كان يوجد فيها بالبليدة في مرأب أطلق عليه اسم «المسرح الشعبي». من منا لم يفتتن بأولئك المسرحيين الآخرين: أحمد زكي العلوي ومحمد تيمد، والأيام التي انفلتت منها مسرحية كان عنوانها «موت اسمه التمرد». مهلا أيها الصديق، فلا زال في الأمل متسع من الوقت لتعيد كتابة «الحقيقة قبل الصفر»، وإذا شاءت الأقدار ستصبح مثل فريق كرة قدم من الشيوخ، لا زال يتصور أن في إمكانه أن يخوض مباراة. سأترك لك أن تختار اللاعبين الذين انسحبوا في صمت: أحمد العراقي وفاطمة الوكيلي وأحمد الخمليشي، ستكون المسرحية أقل فرجة، مثل من يرتدي لباسا كان يواتيه أيام زمان. أكاد الآن أرى الشيء نفسه، لكن لا أستطيع تبيان ملامحه، إنه غامض وساحر، في مثل شعر «نيرودا». دعونا نمثل الليلة، فالأبطال قادمون من عمق التاريخ وتطلعات المستقبل، لكن الأشياء الجميلة تأتي أيضا جحافل، وليس دائما في شكل صرخة «هاملت». إن المصائب لا تأتي إلا جحافل.