رصيده الكروي وألقابه الكثيرة تتحدث عنه، فهو واحد من الحراس المتميزين الذين أنجبتهم الساحة الكروية الوطنية في العقدين الماضيين. فرض نفسه داخل فريقه الرجاء البيضاوي وقاده إلى اكتساح الألقاب وطنيا وقاريا، بل كان له دور حاسم في أكثر من لقب. مجرد وجوده في المرمى كان يبعث على الارتياح في نفوس زملائه، كيف لا وهو الحارس الذي عرف بتدخلاته الحاسمة وردود أفعاله القوية وكذا تصديه لضربات الجزاء. إنه الحارس العنكبوت مصطفى الشاذلي، الذي يعترف بكونه ولد ليكون حارسا للمرمى، لأنه وجد نفسه يدافع عن «حجرتين» بالحي، وفرض نفسه بين أترابه قبل أن يقتحم باب الممارسة على أعلى مستوى عبر بوابة الأولمبيك البيضاوي. طيلة شهر رمضان الأبرك هذا، سنسافر مع الحارس الدولي مصطفى الشاذلي في رحلة ممتعة نقف خلالها عند لحظات العز والتألق كما اعترضه احيانا بعض الانكسارات، التي يرويها اليوم بكثير من الحسرة. تابعت دراستي إلى أن بلغت مستوى الباكالوريا في شعبة العلوم التجريبية، حيث أصبح من الصعب علي التوفيق بين الممارسة والدراسة، كان في إمكاني مواصلة تعليمي إلى مستويات أعلى. .فرغم أني رسبت في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، إلا أني استعدت تفوقي الدراسي، ولاسيما بعدما التحقت بصغار جمعية الحليب، حيث حققت التوازن بين كرة القدم والدراسة. كنت متفوقا في المواد العلمية وتحديدا مادتي الرياضيات والفيزياء، ونجحت في السنة الرابعة إعدادي بمعدلات جيدة. لقد حصلت في مادة الرياضيات على نقطة 18 / 20 وفي الرياضيات على نقطة 20 / 20. ساعدني توجهي العلمي كثيرا في قراءة مجرى الكرة، وكنت أتوقع اتجاهها جيدا، وهي نقطة قوة عندي زاد من فعاليتها كوني أعسر. فأقوى وأمهر حراس المرمى على الصعيد العالمي يلعبون بالرجل اليسرى. ففضلا عن ذكائهم الحاد، يتمتعون بالقدرة على قراءة اللعب جيدا. بعدما استدعاني المدرب المرحوم العماري، وطاقمه المساعد آنذاك، المكون من المرحوم الخلفي وحجام، إثر تألقي رفقة فريق الشبان، الذي كان لعب حينها في رفع ستار مباريات فريق الكبار. حيث لفت الأنظار بتدخلاتي وسرعة ردود أفعالي، فنادى علي في بعض المباريات حارسا ثالثا رفقة فريق الكبار، وهو نفس الذي تكرر مع المدربين تيلمان وبلاتشي، الذي ضت رفقته أول مباراة رسمية، وكانت ضد الوداد البيضاوي، الذي كان يعج بالنجوم (أبرامي، الداودي، فخر الدين، بنعبيشة، ...)، وهي المباراة التي استقبلت فيها شباكي ثلاثة أهداف، سجلها فخر الدين بعد انفراده بي. هنأني المدرب واعتبرني أحسن لاعب في المرمى، وعاتب باقي اللاعبين، وخاصة المدافعين، لأنني تصديت للعديد من الكرات، وتحديدا القذفات القوية لرشيد الداودي. بعد التشاور مع العائلة، كان الحل هو التوقف النهائي عن الدراسة، لأنني أصبحت ملزما بمرافقة الفريق الأول في تنقلاته لخوض اللقاءات، بالإضافة إلى المقابل المالي الذي كنت أحصل عليه، ولاسيما المنح التي كانت تبلغ حينها 2000 درهم عن كل فوز. تخيلوا أن عائلة بسيطة شعبية يصبح ابنها اليافع يحصل على مقابل مادي من هذا الحجم في بداية التسعينات. آمنت الأسرة بمستقبلي في كرة القدم وراهنت عليه. بدأ الوسط الرياضي والإعلامي يتحدث عني ويتنبأ لي بمستقبل زاهر، وهنا أعود إلى الدور الكبير الذي قام به والدي رحمه الله. لقد كان واعيا بخطورة سن المراهقة وانعكاساتها على الفرد متى افتقد للمساندة العائلية. فأصر على التواجد بجانبي ودعمني حتى بلغت مرحلة النضج. وهنا أستحضر واقعة طريفة وقعت لي، وتعكس إلى أي مدى بات من الصعب علي الجمع بين الدراسة والممارسة. رغم أنني كنت رياضيا إلا أنني لم أكن أحضر حصص التربية البدنية في المدرسة، وخاصة في مستوى الباكالوريا. كان أستاذي في هذه المادة هو شفيق، الذي شغل منصب مدير تقني بالرشاد البرنوصي وعمل أيضا بمدرسة الرجاء البيضاوي. كان الأستاذ شفيق يطلب مني متى حضرت حصته الالتزام بالحضور، إلا أنه كان صعبا علي المواظبة. وأتذكر أنه حينما توصلت بنتيجة الامتحانات وجدته قد منحني نقطة 1 / 20. ضحكت كثيرا، لأني رغم توجهي الرياضي أحصل في مادة التربية البدنية على مثل هذه النقطة، التي تقبلتها بصدر رحب. وتمر الأيام، والتقيت بالأستاذ شفيق بعدما أصبح مسؤولا داخل مدرسة الرجاء البيضاوي، وأعدته سنوات إلى الوراء، فقال لي إنه لم يكن يعرف بحقيقة ممارستي لكرة القدم، وتكونت حينها بيننا صداقة متينة. وكانت لحظة الحسم في المشوار الرياضية هي سنة 1995، التي صادفت اندماج الأولمبيك البيضاوي بالرجاء، فكان الانقطاع النهائي عن الدراسة. علا بأني حاولت جاهدا الجمع بينهما، لكني لم أتمكن. فكرت مليا رفقة والدي، الذي يمكن أن نقول إنه كان رجل أعمالي، وتم الاتفاق على التضحية بالتعليم. طلب مني التركيز جيدا على كرة القدم، لأنه استشعر القيمة التي أصبحت لدي بفريق الأولمبيك البيضاوي، وأظن أننا وفقنا في هذا الاختيار. أصبحت لي مكانة محترمة داخل الفريق، الذي أثبتت جدارتي بالدفاع عن ألوانه وفي سن مبكرة. فاللعب إلى جانب أسماء كموماريس، القدميري، الكوطي، عرشان... يعد امتيازا، بالإضافة إلى شرف التدرب بجانب أسطورتي كرة القدم الوطنية عبد المجيد الظلمي ومحمد التيمومي، الذي تصديت للعدد من كراته، وخاصة عندما يسدد بالرجل اليسرى، وكان يثني علي ويشجعني على الاستمرار والجدية في التداريب.