خلال دورتها الحالية الثالثة والثلاثين المنعقدة بجنيف في سويسرا، انتخبت اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان المغرب في شخص السيدة نادية أمل البرنوصي لرئاسة اللجنة الاستشارية لأكبر هيئة حقوقية أممية هي مجلس حقوق الإنسان، وذلك خلال الانتخابات التي جرت أول أمس الاثنين 17 فبراير الجاري، والجدير بالذكر أن المغرب ترأس هذا المجلس نفسه خلال سنة 2024 في شخص السفير السيد عمر زنيبر بعد حصده لأغلبية الأصوات مقابل منافسه الجنوب إفريقي على المقعد السيد مكسوليسي نكوسي، وقد ترأس المغرب ويترأس عددا من اللجن والمجالس الدولية، ويشغل عضوية في العديد من مكاتب الهيئات الحقوقية والاقتصادية والديبلوماسية والثقافية القارية والدولية، التي تشهد له بخبرته ومكانته ووزنه بين الأمم، وثقة المجتمع الدولي في جهوده من أجل النهوض بالتزامات الهيئات القارية والدولية لصالح السلام والاستقرار والأمن والتعاون، ودعم التنمية والديموقراطية والحريات والحقوق، ومع كل هذا الوضع المتقدم من سنة إلى أخرى في الظفر بمقاعد وازنة بين الأمم، فإن الديبلوماسية المغربية لم يعرف عنها أنها وجهت هذا الانتصار والتشريف للشماتة في منافسيها أو ادعاء الاستعلاء على شركائها أو رفع شعارات شوفينية ضيقة، وإحداث جلبة وهستيريا عارمة في صفوف الشعب بدعوى انتصار على عدو وسحق منافس وافتكاك حق واستحقاق مكانة رفيعة تسمح لها بالهيمنة وتمرير أجندات خاصة وتصفية حسابات مع هذه الدولة أو تلك. مناسبة هذه الإشارة وهذا الحدث، أن ثمة دولة بجوارنا لا تكف بمناسبة أو بدون مناسبة عن الخروج من طورها ومن آداب التنافس وأخلاق التباري، وتحويل أي ترشيح لها أو فوز في استحقاق قاري أو دولي مهما صغر أو كبر، في المشهد الداخلي ببلادها، إلى مسألة حياة أو موت وإلى موضوع عزة وكرامة أو مهانة وإساءة، متناسية أن هذه المقاعد والمناصب المتنافس عليها هي في خدمة المجموعة القارية أو الدولية التي تحتضنها، وليست ملحقة لديبلوماسية البلد المترشح أو الفائز، يحولها لحسابه ولخدمة أهداف وأجندات أخرى لا تعني أحدا غيره، أو يوجهها ضد بلد شريك وعضو في الهيئة التي انتخبته. ففي الانتخابات الأخيرة للاتحاد الإفريقي التي جرت نهاية الأسبوع الفارط في قمة بأديس أبابا، لاختيار هياكل وقيادات وشغل مناصب إدارية في هذه الهيئة الوحدوية القارية، سلم الرئيس الموريتاني الرئاسة الدورية للاتحاد للرئيس الأنغولي في أجواء سلسة وصحية وعادية وحضارية، وانتخب السيد محمود علي يوسف وزير خارجية جيبوتي رئيسا لمفوضية الاتحاد، تحت تصفيقات المؤتمرين ووفود الدول الإفريقية والمنظمات الحاضرة، ولم يقف المتابعون على أية ظاهرة تخدش صورة هذا المحفل الإفريقي، باستثناء الاستثناء الدائم بين الأمم والدول ممثلا في دولة العصابة الحاكمة في الجزائر التي "افتكت" منصبا كما يحلو لها دائما أن تصف بذلك حصولها على مقعد أو منصب في هيئة قارية أو دولية. إذ بمجرد إعلان حصولها على مقعد نائب رئيس مفوضية الاتحاد في شخص السيدة سلمى مليكة حدادي، كما أعلن عن شغل دول مناصب ومقاعد أخرى، حتى اندلعت بين الوفد الديبلوماسي للعصابة الجزائرية فرحة هستيرية وفوضى عارمة في قاعة المؤتمر، مصحوبتين برفع شعارات ترفعها "الإلترات "عادة في الملاعب الرياضية، وأمام ذهول الأفارقة وضيوفهم من هذا التصرف الغريب والجلبة والصراخ إلى حد الجنون غير المبررين، أكدت العصابة للعالم وبالملموس بمشاهد الدموع والعويل والقفز والرقص ورفع شارات النصر واستباحة الفضاء الهادئ للقاعة، وكذا جسد المرشحة الجزائرية الفائزة بمنصب نائب رئيس المفوضية، بالقُبل الغامرة والأحضان تحت مسمى التهنئة وإظهار السرور والفرح، أننا أمام حالة مرضية مزمنة لا علاقة لها بالعمل الديبلوماسي ولا بالفوز الانتخابي المستحق للقيام بخدمة جماعية لمصلحة الجميع بمن فيهم حتى أولئك الذين لم يصوتوا لصالح مرشحة الجزائر ناهيك عمن نافسوها. لا تفهم العصابة في الانتخابات شيئا، ولا في الفوز بمقعد أو بمنصب تكليفي قبل أن يكون تشريفيا شيئا، لأنها وبكل اختصار تتصور أن الذين منحوا مرشحيها أصواتهم لمناصب قيادية أو إدارية إنما فعلوا ذلك نكاية في المغرب ونصرة للعصابة في عدوانها على بلادنا ودعما لملفها الوحيد الذي تطوف به أرجاء العالم وأروقة المنظمات والهيئات الدولية، والحال أن المغرب الذي تستهدفه بكل الشعارات التي رافقت ترشيحها وفوزها بمنصب إداري وعادي ومحدود في مفوضية الاتحاد الإفريقي، هو مكون من مكونات هذا الاتحاد وعضو في لجنه ومجالسه، وله كلمته المسموعة، كما له أصدقاؤه وشركاؤه الأفارقة في الاتحاد، بل وداعمو وحدته الترابية ومغربية صحرائه، وعلى رأسهم رئيس المفوضية الاتحادية رئيس السيدة الجزائرية الفائزة التي ستتولى مهام النيابة عنه وليس التقرير بدله. من حق الشعب الجزائري في ظل إجهاز العصابة الحاكمة له على فرحته الحقيقية بالكرامة والحرية والديمقراطية والتنمية، أن يفرح ببلده تتبوأ مقعدا بين الأمم، لكن ليس من حق العصابة أن تسوق هذه الفرحة كانتصار على المغرب حيث لا انتصار، ولا أن تدس سموم الكراهية وعنف الخطاب ضد الشعب المغربي في هذه الفرحة الوهمية المسوقة داخليا للتغطية عن فشل حقيقي وذريع في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية لدولة في حجم الجزائر من حيث الثروات المادية والبشرية. وإلا فماذا يعني أن ينتخب رئيس مفوضية الاتحاد المنتمي لدولة متواضعة في أجواء عادية وحضارية وبكل الاحترام الواجب للقاعة والوفود المشاركة، والمصوتين له وغير المصوتين والمتنافسين معه، وتنتخب نائبته الجزائرية وسط عربدة وهستيريا لا مثيل لها من قبل الوفد الديبلوماسي، بل وببث لا يكاد ينقطع، إلى غاية اليوم، لمشاعر الكراهية وعنف الخطاب ضد المغرب والمغاربة في وسائل إعلام العصابة وفي منابرها ومناشيرها وقصاصات أنبائها، لاعتبار هذا الفوز نصرا مؤزرا للعصابة ولأطروحتها الانفصالية، وهزيمة نكراء للمغرب ولوحدته الترابية ولمؤسساته الدستورية، بل وذهاب قيادته وسقوطها وموتها كما سوقت له العصابة في أكبر هجمة لها على المغرب عبر أذرعها الإعلامية وذبابها الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الاحتفالية الأخيرة بالنصر والفوز والشماتة بما تحسبه سقوطا وموتا للمغرب وتوقعا لدماره وخرابه. لقد حولت العصابة نجاحها إلى مهزلة في استحقاق تنظيمي وانتخابي عادي لهيئة قارية هدفها المعلن والمسطر الذي يعمل عليه جميع الأعضاء بمنتخبيهم وقياداتهم داخل الهيئة هو تحقيق الاندماج بين أعضاء الاتحاد وتأسيس وإقامة سوق مشتركة، ويقاس أي تدخل للعصابة الجزائرية في الشأن الإفريقي من موقعها في صناعة القرار أو في دعمه أو مناقشته، بمدى الوفاء لهذا الهدف ولأهداف التعاون لا التفرقة والسلام والتهدئة لا نشر الكراهية والحروب والقطائع. هذا فضلا عن أنه رغم نجاح العصابة في "افتكاك" منصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد، لا يعطيها هذا الافتكاك الحق في إقحام ما تحلم بإقحامه في أروقة الاتحاد وقاعاته ومداولاته بشأن ملف نزاعها حول الصحراء المغربية، الذي خسرت الرهان على استدامة طرحه كخنجر مسموم في خاصرة الاتحاد الإفريقي، فقد دلت تطورات هذا الملف في الهيئة الإفريقية على صرف النظر عنه بصفة نهائية، بوصفه صراعا ثانويا مفتعلا مسمما للعلاقات الإفريقية، بعد إحالته في فترات سابقة على الولاية الحصرية للأمم المتحدة للنظر في شأنه. ومنذ ذلك الحين لم يعد إذا أمام المنتظم الإفريقي إلا دعم الجهود الحصرية للأمم المتحدة وفي إطار الاحترام التام لصلاحياتها في الإشراف على ملف النزاع ومواكبة تطوراته، أما ما تهذي به العصابة الجزائرية وتلوح به من شعارات أمام شعبها بإعادة تنشيط وتسخين عضلات نزاعها حول الصحراء في مؤتمرات واجتماعات وبلاغات الاتحاد الإفريقي، إثر حصولها على منصب أو مقعد، فهو من سابع المستحيلات، والدليل أن قمة أديس أبابا المنتهية التي شهدت انفجار الهستيريا الجزائرية، تطرقت لكل القضايا والملفات والنزاعات في القارة الإفريقية، ولم تتطرق بتاتا لا في جدول أعمالها ولا في أشغالها ولا في بيانها الختامي لملف اسمه قضية النزاع حول الصحراء، وهو الملف الوحيد الحصري للعصابة الحاكمة في الجزائر، والذي نجح المغرب في انتزاع شوكته من أقدام إفريقيا.