الباحث : عبد الحق بلفقيه إلى جانب الحق في البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، فإن دستور 2011 منح المحكمة الدستورية اختصاص جديد يتمثل في البت في إشكالية تخلي أحد أعضاء البرلمان عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات التشريعية، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. إذ يتم خلع صفة نائب بمجلس النواب أو مستشاري بمجلس المستشارين عن العضو المعني، وفقا لما نصت عليه المادة 61 من الدستور بأنه " يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلي عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. وتصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد، بناء على إحالة من رئيس المجلس الذي يعينه الأمر، وذلك وفق أحكام النظام الداخلي للمجلس المعني، الذي يحدد أيضا آجال ومسطرة الإحالة على المحكمة الدستورية ". و هو الأمر الذي يطبق أيضا في إطار مجالس الجماعات الترابية و الغرف المهنية، حيث نجد أن المحكمة الدستورية، باعتمادها على تقنية القياس، قضت في قرار لها ( 818-2011): "…لئن كان الفصل 61 من الدستور ينص على انه يجرد من صفة عضو في أحد مجلسي البرلمان كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات مما يجعل هذا المبدأ يسري أيضا على المنتخبين في مجالس الجماعات الترابية و الغرف المهنية…. " الإشكالية التي في هذا الصدد هو شرعية المؤسسة التي تمارس البت في مسالة التخلي، هل هي المحكمة الدستورية، بموجب الفصل 61، أو مؤسسة البرلمان، بموجب نظامه الداخلي، أو الملك،( بموجب الفصل 42 ). في حقيقة الأمر، هذا التوجه الدستوري الجديد، القاضي بتدخل المحكمة الدستورية في مسالة الترحال السياسي، استفز و يستفز الكثيرين من الفاعلين السياسيين على رأسهم الأستاذ و المحامي عبدا للطيف وهبي على حد قوله في مقاله " من يحمي الدستور " الذي نشر في أخبار اليوم عدد 1853، "…إن بعض توجهات المحكمة الدستورية تستفزنا كبرلمانين.." معتبرا أن " المحكمة الدستورية" يتمدد اختصاصها بشكل مخيف قد يلغي دور المؤسسات الدستورية الأخرى وخاصة منها التشريعية.."، و بالتالي اعتبر أن المحكمة الدستورية لا يمكنها مطلقا أن تقوم مقام مجلسي البرلمان مثلا في البت في حالة التخلي التي هي من اختصاص مكتبي مجلسي البرلمان". و هو الذي اعتبر، أيضا، في مقال له نشر سابقا بأخبار اليوم عدد 1823 بعنوان "إشكالية التخلي و مشروعية التجريد" أن حالة التخلي و التجريد تعتبر عقوبة للنائب البرلماني… و قد تمتد هذه العقوبة إلى المواطن أو الناخب الذي يكتشف أن من اختاره في مجلس ممثلي الأمة قد جرد من صفة… ". أولا: و قبل الخوض في الغاية الدستورية من وراء الفصل 61، أذكر الأستاذ و المحامي المحترم أنه كان من الأجدر في البداية الدفاع عن استقلالية السلطة التشريعية، فمن خلال قراءة استعراضية يتبين للعيان أن " رئاسة الدولة " دائمة الحضور في المسطرة التشريعية، سواء من خلال مشاريع القوانين التي تقترحها الحكومة والتي تمر في مجملها عبر بوابة المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، أو من خلال طلب القراءة الجديدة لمشروع أو مقترح قانون معروض على البرلمان، أو في المحطة النهائية للتشريع والمتعلقة بسلطة الملك في الأمر بتنفيذ القانون خلال أجل 30 يوما. و ما يجب الإشارة إليه هو كون الدستور الحالي-2011 – لم ينص على وجوب صدور القانون في حالة عدم موافقة رئيس الدولة أو عدم الرغبة في الأمر بتنفيذه. وهو ما يوحي أنه في حالة رفض الملك إصدار الأمر بتنفيذ القانون يكون الأخير في حكم العدم. و هنا تطرح إشكالية شرعية " مؤسسة البرلمان " باعتبارها صاحبة " السلطة التشريعية " بمنطوق الدستور. فبالأولى هنا الدفاع عن هذه الاستقلالية التشريعية ثانيا، الأستاذ المحامي اعتبر في مقاله "من يحمي الدستور"، " انه لا يمكن للمحكمة الدستورية مطلقا أن تتجاوز الحدود المرسومة لها والمبنية على التوازن بين السلط "، نعم يجب الإقرار في هذا المجال أن القاضي الدستوري المغربي، في مرحلة ما قبل دستور 2011، بدا وكأنه "غير مهيأ" لاستيعاب الحمولة الحقوقية لديباجة الوثيقة الدستورية و ذلك بحصر فكرة ضمان الحقوق و الحريات داخل العلاقة بين البرلمان كمؤسسة تشريعية و البرلمانيين كممثلين للأمة. الشيء الذي يعني أن قراراته لم تتجاوز خلال هذه المرحلة، في تأثيرها، محيط المؤسسات الدستورية التي لها علاقة مباشرة به ( البرلمان و الحكومة). هذا المعطى، سيتعرض للتغيير، بعد دستور 2011، بفعل القراءة الجديدة التي حملتها آلية الدفع بعدم الدستورية عبر مطالبة المحكمة الدستورية بالتدخل بشكل بعدي، في مواجهة قانون ساري النفاذ. هذه المسألة ستجعل المحكمة الدستورية بمثابة "مؤسسة قضائية مستقلة" خارجة عن الجهاز القضائي العادي و بدون أي رابط تراتبي معه، و مجبرة في الدخول في حوار مع القضاة للوصول إلى توازنات جديدة. و يستتبع أن مساءلة "الدفع بعدم الدستورية" ستمكن المحكمة الدستورية من مصدر متزايد للسلطة المؤسسية و الاجتهادية، عبر إفراز دستورا نية فروع أخرى من القانون، كانت بسبب عدم الإحالة غير موظفة من قبله. كما ستسمح "رقابة الامتناع" من توسيع مجال الاجتهاد ليشمل ليس فقط المقتضيات التشريعية، بل أيضا التأويلات الممنوحة لها من قبل الاجتهاد القضائي العادي أثناء النظر في نزاع، و هذا ما سيؤدي إلى بروز أسئلة تطرح "تنامي السلطة التأويلية للمحكمة الدستورية، و تداعياتها على فرضية التحول إلى مجلس أعلى". ثالثا: اعتبر الأستاذ وهبي أن " "المحكمة الدستورية" مطالبة بالالتزام بحدودها المرتبطة بطبيعة وظيفتها، وليس لها أن تعالج إشكالية التخلي وهو موضوع سياسي ذو أبعاد دستورية.." ، و هنا يجب التوضيح على أن الإشكال اليوم يكمن في وضع معيار قادر على الفصل في تكييف عمل المحكمة الدستورية. و يضيف الأستاذ مصطفى قلوش في سياق آخر بأن: التكييف القانوني لطبيعة الجهة التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين يكون بالنظر إلى النص الدستوري المنشئ لها. في هذا السياق، إحداث محكمة دستورية بدل المجلس الدستوري، ليس ولن يكون مجرد تغيير في المسميات، بل جاء استجابة لمطلب العديد من الهيئات السياسية والمدنية، الحقوقية منها بالتحديد، التي أكدت أكثر من مرة ضرورة إسناد مراقبة دستورية القوانين إلى هيئة قضائية تعمل على ضمان سمو حقيقي للدستور و بالتالي تجاوز طرح التكييف السياسي. رابعا: و بالعودة إلى موضوع التخلي فان الغاية الدستورية من وراء هذا المقتضى الدستوري هو محاولة المشرع الدستوري عقلنة وتخليق المشهد السياسي عبر محاربة ظاهرة الترحال السياسي التي عرفت ارتفاعا في الفترة ما قبل 2011 وأثرت بشكل سلبي على مصداقية العمل السياسي والالتزام الحزبي، حيث كان تغيير اللون السياسي والانتقال من لون إلى لون من أسهل الأمور وذلك بحثا عن المنفعة الخاصة، الأمر الذي أدى إلى عزوف الغالبية العظمى من المغاربة عن العمل السياسي والحزبي. و إلى الذين يعتبرون أن الأمر يعد انتهاكا لحق حرية الضمير و حق الانتماء و الالتزام السياسي، فعلى العكس من ذلك فانه يعتبر انتصارا لاحترام اختيارات المواطن الذين صوت على الحزب من خلال اللائحة، هو انتصار ضد كل من يريد تفريغ العملية الانتخابية من قيمتها التعاقدية مع المواطن. أيضا يجب التذكير بالمادة 20 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية التي تنص على منع الترحال السياسي و العقاب عليه " بالتجريد بعضويته في المجالس أو الغرف المذكورة ". القضاء على ظاهرة الترحال السياسي يهدف بالأساس إلى ترسيخ مجموعة من الأهداف و المبادئ السياسية على رأسها: * ترسيخ رمزية الالتزام السياسي * استرجاع قيمة المواطن في العملية السياسية * التشديد على تخليق الحياة السياسية، و بالتالي الرفع من قيمة الانتماء السياسي.