قال الدكتور والمفكر المغربي محمد سبيلا، ظننا ولسنوات طويلة بأن المغرب تابع للشرق أو للغرب، وذلك بفعل تواجد ”مسألة اعتبرها مهمة لا يكاد يعرفها السياسيون المغاربة بسبب النقص الفكري أو حدود الرؤية”. وكان محمد سبيلا، يقدم مداخلته من خلال استضافته في لقاء ثقافي نظمته جمعية "البحث من أجل تنمية القنيطرة والغرب"، مساء يوم أمس الجمعة 20 يناير الجاري، بقاعة الغرفة التجارية بالقنيطرة، في موضوع: "الحداثة في الفكر المغربي المعاصر". وقال سبيلا، إن المغرب عاش منذ أواخر القرن التاسع عشر في تجربة التحديث، حيث وصلت هذه العلاقة ذروتها مع الاستعمار، معتبرا أن نمط العيش هو تحولات كمية وكيفية مرتبطة بمسألة التحديث. هذا وأكد على أن التحولات التي انخرط فيها المغرب هي تحولات ذات أبعاد عميقة جعلته يخرج من إطار زمن الركاكة والركود والتقهقر، إلى مدارات وزمن جديد وصفه بالكوني لا يخلو من العنف والتجديد حيث ترتبت عنه مجموعة من الانعكاسات... وبالإضافة إلى هذه التحولات اعتبر بأن المغرب لا يختلف عن مسايرة وثيرة التطور العام التي عرفتها بعض البلدان العربية الأخرى، نتيجة الاستعمار الذي شكل تجربة سيطرة واحتلال من جهة، وتجربة تطور وتحديث من جهة ثانية. وذلك حيث ارتأى بأن الاستعمار هو الذي مثل الطريقة والكيفية التي عرف بها التحديث بعدا كونيا بالنسبة إلى العديد من القارات. الصدمة الاستعمارية، يقول سبيلا، هي صدمة الاستفاقة والانفتاح على عالم جديد وقوى جديدة، إذ دفعت بالشعوب إلى الانخراط في العالم الجديد بكل ما فيه من عنف وتجديدات واختراعات وغيرها من التطورات التي لم تكن سائدة. وقال إن بعض البلدان دخلت في بعض الشقاء إثر صدمة أمام بعض البلدان المتميزة بتاريخها وقدرتها على التطور ومواكبة التجديد. كما أوضح أن صدمة الحداثة في هذه البلدان مثل المغرب ارتبطت بالبلدان الاستعمارية وذلك من حيث إن الاستعمار احتلال للأرض واستغلال للشعب.... غير أنه في الوقت ذاته استفادة من التحديث وإقحام التقنيات التكنولوجيا المستجدة. ولذلك اعتبر أن صدمة الحداثة ولو بشكلها الدراماتيكي بالنسبة إلى بعض المجتمعات، والمغرب منها، خلخلت تماسكه وبناءه، وذلك بالنظر إلى جوانب تاريخية واجتماعية تخرج عن اختراعات مظاهر الحداثة والتحديث... ولاحظ سبيلا، أنه في كثير من المثقفين ممن صادف إنجازاتهم في دراسة هذه المسائل لا يعطونها تفاصيلها وحيثياتها وجزئياتها وإنما يقدمون لها تصورا عاما. وشدد على ذلك قائلا، إن فلاسفتنا ومفكرونا اهتموا بالحداثة والتحديث، غير أنهم اهتموا بجوانب كبرى عامة، تمحورت حول: ما الحداثة؟ ما علاقتها بالهوية؟ هل الحداثة استلاب أم تحرر؟ موقف الإسلام من الحداثة؟ وغيرها من التساؤولات الكبيرة باعتبارها ميزت المغاربة بخصوص الحداثة. ولذلك قال سبيلا، إن عندنا مدارس فلسفية مغربية تتميز باتجاهات فكرية ومع ذلك يضيف، ظننا ولسنوات طويلة بأن المغرب تابع للشرق أو للغرب، حيث اعتبر أن هناك مسألة لا يكاد يعرفها السياسيون المغاربة بسبب نقص فكرهم أو حدود رؤيتهم، وتتمثل هذه المسألة في أن هناك باحثين ومفكرين مغاربة. وأبرز ذلك من خلال قوله، عندنا مدارس فلسفية مغربية لا تحظى بقيمتها وأهميتها، حيث يمكننا أن نتحدث عن مدرسة العروي، معتبرا أنه شيء جديد يمكن أن نعترف به لمثقف، في المستوى العالمي، وكذا مدرسة محمد عابد الجابري، ومدرسة الخطيبي. وقال سبيلا، اليوم إن المغرب يفكر للعرب حيث اعتباره مرجعا أساسيا بالنسبة إليهم، موضحا ذلك من خلال ما أفرزته النخبة المغربية من إنتاجات فكرية، منهجية، دقيقة، وعميقة الأبعاد، وتتوزع على بحوث ودراسات وأعمال مترجمة، وكذا الفلسفة باعتبار أن المغاربة يمثلون الريادة فيها على المستوى العربي. ولذلك نوه سبيلا بجدية المدارس الفكرية المغربية، باعتبارها تتميز إلى حد ما بنوع من القطيعة مع الفكر التقليدي، مدعما موقفه هذا بالإشارة إلى الجابري الذي قال إن المغاربة ولأول مرة يفكرون بمنهجية ومفاهيم تقطع الصلة بمقولات الفكر التقليدي. وتوقف سبيلا عند فكرة الحداثة لدى العروي، حيث قال إن مجمل كتابات هذا الأخير من خلال دراستها، وذلك منذ بداية الستينيات، كانت حداثية واضحة، حيث تميزها بخيط ناظم، جعلتنا نقول إن كل أفكاره من خلال زوايا مختلفة.. تناقش الحداثة وتتمحور حولها. وذلك حيث تساؤل العروي حول تقدم المغرب؟ ومعوقات الحداثة؟ هل الحداثة يجب أن نحافظ على التراث؟ ...وغيرها من التساؤولات التي تفكر في عمق الواقع الاجتماعي. كإبراز ماهية الحداثة والتحديث ككلمتين وكشيئين، مع تقديم مستويات الحداثة والإشارة إلى علاقتها بالدين؟ وعوائق الحداثة والتحديث ببلد كالمغرب... ومن خلال توضيحه ل الحداثة عند العروي باعتبارها ترتبط بالنهضة وبثورات تجديدية علمية، وبنزعات، ونوع جديد من التفكير المتجاوز للتقليدي نحو التجريب الإمبريقي، باعتماد الملاحظة والرياضيات.. وغيرها. يقول سبيلا أن االعروي يرى أن حداثة حتمية تاريخية لا مرد لها لأنه منذ القرن السابع عشر أو الثامن عشر في أوربا نشأت هذه الحركة الحيوية التي اكتسحت العالم وبذلك كان من الضروري الانخراط فيها عاجلا أم أجلا لأنه ليس لنا خيار وإلا أصبحنا حتالة في التاريخ... كما أشار إلى أن العروي حاول أن ينظر إلى الحداثة باعتبارها مجموعة وقائع تاريخية ومؤسسات، وأفكار، وقيم، مضيفا إلى أن ميزة العروي هي نظرته إلى الحداثة نظرة شمولية دون إهمال الأبعاد الفكرية التاريخية الفريدة التي حدثت في أمريكا واليابان ولم تتكرر. واستنتج سبيلا أن العروي يبني تصوره للحداثة على أسس الجدة والديناميكية والاستمرار وليس الردة والاجترار والتكرار. ثم انتهى سبيلا بتقديم رؤيته حول الحداثة باعتبارها منظومة فكرية وبنية جوهرها هو مبدأ الحرية المتمثل في التفكير الحر، والممارسة، والاستقلال الذاتي، ومبدأ فكرة العقل، باعتبارها تحمل معنى تجاوز العقل التسلمي إلى عقل الإبداع ومراجعة المسلمات. واعتبر أن العقل بمعناه العقلي هو إعطاء المكانة المتميزة للفرد وذلك بإتاحته استعمال حريته في التفكير... غير أنه أكد على أن كل هذه الحقوق يجب أن تندرج ضمن إطار الدولة الحديثة كإطار وكتمثيلية سياسية التي يدبر فيها الحاكم صلاحياته. ونوه سبيلا إلى توضيح مسألة للحضور في منجز العروي، تتجلى في اعتباره يربط الحداثة بالعقلانية والليبرالية على أساس استعمال العقل كحكم في كل شيء. مع إشارته سبيلا إلى أن العروي ذهب ضحية حكم مسبق تمثل في اعتبار نفسه ماركسيا، في حين أنه ليبيرالي حتى النخاع. يؤمن بالدولة الحديثة والعقلانية.... موضحا ذلك من خلال الاشتراكية التي تنطوي على نوع من العطف والحنان ومرتبطة بالبرغماتية في معناها النفعي لا بمعناها الانتهازي. حيث أوضح البرغماتية بأنها قياس الأشياء وقيمتها من خلال مردوديتها ونجاعتها وليس لها قيمة في ذاتها... وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن هذا اللقاء حضره جمهور غفير ملأ القاعة عن آخرها. من طلبة وباحثين وثلة من الأساتذة بجامعة ابن طفيل.