رغم أن النيابة العامة المغربية تعمل بأقصى سرعة ممكنة حينما يتعلق الأمر بمتابعات الصحفيين على المواد الإعلامية التي ينشرونها وتغلق مقرات الصحف دون انتظار الأحكام القضائية ، ورغم تسرع مصالح وزارة الداخلية في إدانة متهمي ملف " بليرج " قبل إحالتهم على النيابة العامة . فإن تلك السرعة غابت عندما يتعلق الأمر بتجاوزات مسؤولي المؤسسات العمومية والتي أوردها التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات والتابع للدولة ، تلك التجاوزات عززتها الأرقام الصادرة عن الهيئة الوطنية لحماية المال العام ، فماذا يعني أن يصدر التقرير وتصدر معه الدعوات إلى إحالته على القضاء ؟ الأخبار المتداولة عن تداعيات التقرير ، تؤكد بالملموس تلكؤ المعنيين بمتابعة خلاصاته وعدم عزمهم على تداول توصياته في ردهات المحاكم ، فأن يخرج خالد الناصري وزير الاتصال ، الناطق الرسمي باسم الحكومة ، بتصريح يقول فيه بأن " تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا يشكل إدانة بصفة أصلية " ، يدل على أن التساهل سيكون عنوان مرحلة مابعد إصدار التقرير ، ويعني كذلك ربما التأثير السياسي في خلاصات التقارير المستقبلية ، لأن مثل هذه اللغة لم تصدر عن وزير الاتصال حول مواقف سابقة أبدى حولها تشددا منقطع النظير ، خاصة بعد فشل السلطات في تدبير ملف أمينتو حيدر وفاجعة مسجد مكناس الأخيرة . الهيئة الوطنية لحماية المال العام ، كشفت في ندوة صحفية بالرباط ، عن أرقام صادمة فيما يخص سرقة المال العمومي العام ، ويجب أن نستحضر هذه الأرقام ونقارنها بانهيار بيوت الفقراء الطينية فوق رؤوس ساكنيها ، وعلينا أن نقارن هذه الأرقام مع معاناة المغاربة مع الفقر والحاجة وغياب الرعاية الصحية اللازمة في المستشفيات . تلاعب مسؤولي المؤسسات العمومية بالمال العمومي والمتزامن مع الفقر المدقع لقطاعات واسعة من المجتمع المغربي لا يشرف هؤلاء المسؤولين إطلاقا أمام شعب متسامح خدعه المتحدثين باسمه . تكشف الأرقام الصادرة عن الهيئة عن سرقة ما مجموعه 163 مليارا و 481 مليون درهم ، وهي الاختلاسات المعلن عنها رسميا ، والتي طالت الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ( 115 مليار درهم ) ، والمكتب الشريف للفوسفاط ( 10 مليار درهم ) ، وكوماناف ( 400 مليون درهم ) ، والمكتب الوطني للنقل ( 20 مليون درهم ) والخطوط الجوية الملكية ( مليار سنتيم ) ، ومكتب التكوين المهني ( 7 مليار سنتيم ) ، ووكالة المغرب العربي للأنباء ( مليار و 76 مليون درهم ) ، والمطاعم المدرسية ( 85 مليون درهم ) ، وجمعية مطاحن المغرب ( مليار و900 مليون سنتيم ) .... وفضلا عن هذه الأرقام فالهيئة قالت بأن الاختلاسات تطال ميزانيات الجماعات المحلية الحضرية والقروية ، والتي تعد صناديق دون حراس لممتهني الفساد والاغتناء غير المشروع ، وما يصاحب ذلك من حرمان الساكنة من خدمات الصحة والنقل وقنوات الصرف الصحي . بالإضافة إلى الميزانيات الضخمة التي تصرف على المهرجانات الغنائية حيث يحصل منشطو تلك المهرجانات على مبالغ خيالية تصلح لتجهيز قرى ومدن بأكملها ، كما ذكرت التقارير صرف ملايير الدراهم على الحملات الإشهارية لبعض المؤسسات التوعوية والتي لا تلقى صدى يذكر لدى الجمهور . ولعل أبرز الأمثلة الصارخة على فقدان مسيري مجالس المدن لحس المسؤولية ، ورود معلومات عن وجود اختلالات فاضحة على تدبير مجلسي مدينة طنجة وسلا ، فبخصوص مدينة طنجة فقد ذكر تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن قطاع التعمير بالمدينة يعاني من اختلالات عديدة ، حيث سجل على مجلس المدينة " مخالفة القانون المتعلق بالتجزئات السكنية والمجموعات العقارية وتقسيم العقارات ". أما مجلس مدينة سلا ، اتهمه التقرير في شخص رئيسه السابق إدريس السنتيسي ، بعدم إدلاءه بأي " رد على الملاحضات التي وجهها إليه المجلس " بخصوص منح بعض الرخص دون سند قانوني . قال السنتيسي في تصريح صحفي بأنه مستعد لأن يقطع رأسه أمام العموم إذا ثبثث عليه تلك الاتهامات ، إلا أن السؤال المطروح يكمن في مدى جدية الدولة في تنظيف المؤسسات العمومية من لصوص المال العام ، فمثل هذه التقارير تصدر كل سنة ، وبعدها أيام من صدورها تحال على الأرشيف ليصبح الحديث حولها زوبعة في فنجان مضى أجلها .