تحتل السينما الإفريقية من افريقيا السوداء، على جاري العادة، مكانة متميزة في مهرجان "قرطاج" السينمائي الذي تبناها منذ انطلاقته عام 1963 ليصبح منبرا لها ومدافعا عنها. ورغم وجود ثلاثة أفلام تونسية مشاركة في المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والعشرين من المهرجان، فان الافتتاح لم يكن مع فيلم تونسي كما جرت العادة في بعض السنوات، وانما مع فيلم تشادي، ما يدل على رغبة إدارة المهرجان في تأكيد وجود هذه السينما. وافتتح مهرجان قرطاج في 23 تشرين الاول/اكتوبر مع فيلم "رجل يصرخ" للمخرج التشادي محمد صالح هارون الذي تدور احداثه في نجامينا، ويخيم على اجزائه شبح الحرب والفقر ويرصد تحولات بلد من خلال علاقة اب بابنه الشاب الذي يتحول الى ضحية للظروف المأسوية التي تعصف بجيلين من سكان العاصمة غير البعيدة عن الانقسامات والحروب. وتتضمن المسابقة الرسمية لمهرجان قرطاج اضافة الى فيلم الافتتاح فيلمين من افريقيا الجنوبية، "دولة العنف" الذي يصور فيه المخرج حالو ماتابان العنف في جوهانسبورغ، وهو لم يعرض بعد، و"شيرلي ادامس" وهو الفيلم الاول للمخرج الشاب اوليفر هرمانوس ذي الاعوام الخمسة والعشرين وقد أحدث هذا الفيلم مفاجأة لدى عرضه الاربعاء. وقد صور المخرج الشاب، الذي درس السينما في لندن، تبعات اعمال العنف اذ يروي قصة أم تعيش بمفردها مع ابنها بعد اصابته بالشلل جراء رصاصة اخترقت عنقه. وامتلك اوليفر هرمانوس لغة سينمائية واثقة انيقة، وسيناريو محبوكا باحكام، والتقط بعدسته الرقمية اطارات وصيغا حميمة مقربة من الممثلين ناقلا معاناة الام خصوصا، وقد اتقنت تأدية دور الام في هذا الفيلم الممثلة دنيز نيومان التي كانت حاضرة في عرضه الاربعاء. وخرج الجمهور بانطباع جيد عن هذا الفيلم الذي اعلن ولادة مخرج افريقي موهوب قدم سيرة آسرة وخفرة لمأساة عائلية ابطالها نساء يتساوين في الالم ولا يتخلين عن التسامح، في مشاهد تلتف على احداث القسوة والعنف داخل حي شعبي. ويصوت الجمهور في قرطاج على جائزة الجمهور عقب كل فيلم مشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان. وكان عرض شريط "ايماني" الاوغندي للمخرجة كارولين كاميا سيئا تقنيا ما اثار استياء الحاضرين في قاعة "الكوليزيه" حيث عرض الشريط في اسطوانة مدمجة وهو ما دافعت عنه مديرة مهرجان السينمائي في حديثها لوكالة فرانس برس بالقول "مع كل الصعوبات التي يتعرض لها الفيلم الافريقي انتاجيا، لن اعاقب اي شريط افريقي يصلني بال+دي في دي+". ويعرض شريط "ايماني" قصة طفل في الثانية عشرة دخل الى مركز اعادة تاهيل بعد ان خاض تجربة الجندي الطفل في ظل نظام عيدي امين بالتوازي مع قصة امراة فقيرة تعمل خادمة في بيت ميسور. وينتظر خلال ايام قرطاج عرض الفيلم الكيني "فتى الروح"، العمل الثاني للمخرجة هاوا اسومان، ليبلغ عدد افلام المسابقة الرسمية من افريقيا السوداء 4 من اصل 13 شريطا تضمها مسابقة الافلام الروائية فضلا عن فيلم الافتتاح. مع ذلك فقد اوضحت آني جمال من الهيئة المنظمة للمهرجان لوكالة فرانس برس، مدى الصعوبة في العثور على هذه الافلام "تعبنا كثيرا في الحصول على افلام روائية افريقية، لكن الوضع كان جيدا على صعيد الفيلم الوثائقي، حيث كان امامنا الخيار". وبالفعل فان عددا من الافلام الجميلة والمميزة والمؤثرة التي ترسم بورتريهات الامكنة والانسان في انحاء افريقيا ضمها مهرجان قرطاج في مسابقته الوثائقية التي اكتست تلك الالوان الحارة للقارة الافريقية بدموعها وعذاباتها لكن ايضا بمرحها واملها وايقاعاتها البطيئة او تلك التي تترنح على وقع موسيقى آلة الجامبي. وتنطوي اعمال وثائقية من افريقيا السوداء عرضت في الايام الماضية على جودة وجدية المواضيع المطروحة فقد اختار الكاميروني جون ماري تونو الكلام عن ناد سينمائي وسط حي شعبي مهمش في واغادوغو ومن خلال ذلك الكلام عن ازمة السينما الافريقية. وتدور احداث فيلمه وسط حي شعبي للغاية حيث تنشط مجموعة من الشبان لاجل تنشيط ناد سينمائي بواسطة تلفزيون صغير جدا ويعرضون اشرطة سينمائية من كافة انحاء العالم لكنها مع ذلك تكلفهم غاليا في بلد يسيطر عليه الفقر ولا يستطيع الشباب فيه الذهاب الى السينما. وقال المخرج المعتاد على المشاركة في مهرجان قرطاج لوكالة فرانس برس "يتكلمون كثيرا عن الانتاج الافريقي الذي لا نراه، وانا من خلال الفيلم اردت التطرق لهذا الموضوع. يتكلمون عن شريك رابع لترويج الافلام بشكل شرعي بدل القرصنة، وهي الجمعيات التي يجب دعمها ضد السرقة لكن هذا الدعم لا يحصل". اما شريط "دموع الهجرة" الوثائقي الاول للمخرج الشاب الاسان دياغو فيلقي نظرة حنونة بطيئة الايقاع على امه المرأة الصابرة التي لا زالت تنتظر الاب الذي هاجر منذ 22 عاما الى فرنسا ولم يعد. وعقب عرض الفيلم قال المخرج لوكالة فرانس برس "هناك حالات كثيرة مشابهة لنساء هاجر ازواجهن كما امي التي لم تكن في البداية راغبة في الكلام لكنها اقتنعت بضرورة ان تشهد عن كل النساء اللواتي يشبهنها". وردا على سؤال لوكالة فرانس برس حول امكانية ان يقوم بتصوير شهادة والده على هذا الواقع الخاص بعالم الهجرة قال الاسان دياغو ان فيلمه القادم سيكون رحلة بحث عن والده الذي لم يعط اي اشارة على وجوده بعد سنوات قليلة من هجرته. ويشارك 13 شريطا في مسابقة الأفلام الوثائقية لايام قرطاج السينمائية من فلسطين ومصر وتونس والجزائر ولبنان والمغرب اضافة الى الكاميرون والسنغال ومالي والكونغو الديموقراطية.