ربما الذريعة الوحيدة التي تسوقها الحكومة، من أجل الدفع نحو جعل مرسوم فصل التوظيف عن التكوين واقعا متقبلا من طرف الجميع، أنها تروم وضع الجودة في أولى أولويات، مما يقتضيه ذلك من تدبير لأشكال ولوج الرأسمال البشري إلى قطاع التربية، بما في ذلك طرق اختيار الأساتذة وإدماجهم في سلك التعليم. ولئن كان مستساغا في الوهلة الأولى، الانسياق إلى تقبل المبررات التي تراها الحكومة كفيلة بإحقاق الجودة من خلال إقرار المرسوم وتحاول أن توهم العامة من خلالها حول صواب قرارها، فإن البحث والتمحيص الكبير في الموضوع، سيجعلنا نقف تماما على تهافت تلك المبررات، وأن الضحايا هم : أبناء الشعب الفقراء، المدرسة العمومية والأساتذة المتدربين. دعونا في البداية، نقوم مقام الحكومة، ونعطي لأنفسنا صفة المحاجج عن أحقية المرسوم في تكريس ثقافة الجودة في المنظومة التربوية من خلال فصل التوظيف والتكوين. يقوم فصل توظيف عن التكوين، عن مبدأ بسيط. فكلما تم التحكم في مداخل الولوج إلى التدريس عن طريق جعل ''التنافسية'' أهم الوسائل، كلما ارتفعت إنتاجية الأستاذ، إذ لن يكن له بد عن الجد والاجتهاد والمثابرة. حيث تُتُجَاوَز الاستكانة التي يتهم بها موظفو القطاع العمومي في مقابل البحث عن التجديد والتكوين الذاتي. حسب هذا المبدأ كذلك، فإن الدولة ستكون دوما في غنى عن توظيف كل الخريجين الذين قد لا تتوفر في أغلبهم شرط الجودة وأحقية تصدر التدريس في المدرسة المغربية، إذ سيكون هناك خزان واحتياطي من رجال ونساء التعليم تحت الطلب وحسب الشروط والعدد والكيفية التي تريدها الدولة. بعبارة أدق سنكون في المستقبل أمام جيوش من المكونين ينتظرون التفاتة الدولة من أجل تشغيلهم حسب شروطها هي. من حيث المبدأ، فإن فصل توظيف عن التكوين، يشكل إحدى مداخل الجودة في ميدان التعليم، باعتبار أن الجودة مقرونة دوما بالتنافسية، وأن الإنتاجية ترتفع كلما ارتفعت حدة التنافس. ولكن الإشكال الذي تتناساه وتتغاضى عنه الحكومة الحالية، أن لكل قرار وإجراء شروطه وظروفه حتى يؤتي أكله وإلا سيؤتي نتائج معاكسة، بل وكارثية كما في سياقنا المغربي. ولذلك، علينا أن ندرك أن : - فصل التوظيف عن التكوين قد يتم عندما يتوفر شرط دمقرطة التعليم ووجود المساواة بين كل أبناء الوطن في الولوج إلى المدرسة سواء تعلق الأمر بالتعليم العمومي أو الخصوصي، أي عندما تتوفر كل الظروف الملائمة من حيث عدد الأساتذة والبنيات التحتية وطرق التدريس الحديثة ولغة تدريس موحدة بين كل المؤسسات. - في السياق المغربي، هناك خلل وعدم توازن بين القطاع العام الذي يشكل ملجأ الفقراء مكرهين وبين القطاع الخاص الذي يغدو إليه أبناء الأغنياء تباعا. القطاع العام يعرف خصاصا مهولا في العنصر البشري، وباعتماد مبدأ فصل التوظيف عن التكوين سنكون أمام تعميق للمشكل. - باعتماد المرسوم، سيجعل الأستاذ سلعة معروضة سيتناوب أصحاب القطاع الخاص في مساومته بالأثمنة التي يريدونها، أي أننا سنكون أمام تدمير ممنهج لما تبقى من رمزية الأستاذ المغربي. - سيجد القطاع الخاص أساتذة مكونين بالمجان، بحيث سيكفل له ذلك توظيفهم وفق الشروط التي ستحقق له الجودة والربح المادي المريح دون اللجوء إلى تخصيص مصاريف التكوين. الأمر الذي سيزيد في تعميق الهوية بين قطاع خاص يوفر الجودة للذين يلجون إليه، وبين قطاع عام لم يتمكن بعد من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأساتذة فما بالك البحث عن الجودة في التعلمات. وهذا سيجعل بكل بساطة، الطبقية في المجتمع تنحو منحى تزايديا، وستصبح المدرسة مرة أخرى مدخلا أساسي نحو تمييز بين أبناء الوطن الواحد في الولوج إلى المعرفة والوظائف. - سيفقد بعض الأساتذة المتدربين الأمل في وظيفة التدريس بعد اجتياز مبارايات التوظيف، مما سيجعل العديد من الطلبة يفكرون ألف مرة قبل أخذ مغامرة التكوين من أجل وظيفة قد تأتي وقد لا تأتي، هذا سيؤدي فعليا إلى جعل مهن التربية والتكوين غير جاذبة للكفاءات الوطنية، أي أن التدريس سيكون أخر ما يفكر فيه الحاصلين على الإجازة، وهذا كفيل بدحض مقولة البحث عن الكفاءة التي تسوقه الدولة. إذ كيف يمكن تحقيق الجودة في ميدان لا يشكل قطبا جاذبا للكفاءات؟ - ستفقد مراكز التكوين مصداقيتها. حيث أن العمل بالمرسوم، سيجعل التكوين مجرد مرحلة ثانوية باعتباره غير مؤد مباشرة إلى التوظيف. - سيفتح العمل بالمرسوم أبوابا أخرى للدولة من أجل التحكم في رقاب رجال التعليم، وفرض شروطها كما تريدها وكما يريدها أصحاب المال والأعمال، ومن بينها العمل بنظام العقد لمدة محددة.