ترامب طرد زيلينسكي من البيت الأبيض بعد مواجهة حادة وألغى المؤتمر الصحفي    قطار الرجاء يتوقف أمام المغرب الفاسي … !    رسمياً .. المغرب يُعلن عن أول أيام رمضان المبارك    إحياء اليوم العالمي للوقاية المدنية بإقليم العرائش    جمهورية كازاخستان تجدد تأكيدها على دعم مغربية الصحراء ووحدة أراضي المملكة    أكثر من 40 مليون مشترك ضمن خدمات الإنترنت بالمغرب سنة 2024    كرة القدم.. تكسية أرضية ملعب الوحدة الترابية ببوجدور بالعشب الاصطناعي من الجيل الجديد    أعضاء من غرفة الفلاحة بطنجة يقاطعون اجتماعًا مع المديرة الإقليمية للفلاحة بطنجة أصيلة    بالموازاة مع تكثيف الجهود لتأمين تموين الأسواق خلال شهر رمضان.. إطلاق رقم وطني لتلقي الشكايات    القناة الثقافية المغربية تكشف برمجتها الرمضانية    إدريس المريني يعرض فيلمه الجديد جبل موسى بالعرائش    أمطار الخير تعم عدة مناطق بالمغرب وهذه مقاييسها خلال 24 ساعة الأخيرة    ارتطام جسم مجهول يؤخر رحلة "البراق" نحو طنجة    عطل عالمي مفاجئ يصيب تطبيق "واتساب"    خسائر مادية محدودة.. الوقاية المدنية تُخمد حريق سوق الجملة بتطوان    باتشوكا المكسيكي يجدد للإدريسي    السبت بداية رمضان في دول عديدة    موازين يستعد لبدء فعالياته بالتفاوض مع ألمع نجوم العالم    أكرد بخصوص كيفية الحفاظ على لياقته: "رمضان شهر مقدس بالنسبة لنا ومع خبراء التغذية فإنه يسير بشكل جيد للغاية"    طاقم تحكيمي صومالي يقود مباراة المغرب والنيجر في تصفيات مونديال 2026    توقعات الطقس ليوم غد السبت: أجواء باردة وتساقطات ثلجية متوقعة    خط جوي مباشر بين أتلانتا ومراكش بمعدل 3 رحلات أسبوعية ابتداء من أكتوبر 2025    أعربي يتولى إدارة "طنجة المتوسط"    تتطلب إعادة النظر في الأنشطة الملكية المعتادة خلال شهر رمضان المبارك .. جلالة الملك محمد السادس يواصل حصص التأهيل الوظيفي عقب العملية الجراحية    حجز 1160 قرصا طبيا وتوقيف شخص يشتبه في تورطه في قضية تتعلق بحيازة وترويج المخدرات والأقراص المهلوسة    شهر رمضان في مازاغان : تجربة طهي تجمع بين الأصالة والرقي    موسوعة "أنطولوجيا الكاتبة المغربية" للكاتب حسن بيريش    المكسيك.. رئيس لجنة التنسيق السياسي لكونغرس مكسيكو يدعو الحكومة لمراجعة موقفها بشأن قضية الصحراء المغربية    حوامض المغرب تصل السوق الياباني    الصين تتهم الولايات المتحدة بالابتزاز    الكلفة ترتفع في الصناعة التحويلية    أكادير تحتضن اجتماع التخطيط النهائي لمناورات الأسد الإفريقي 2025    تقديم خدمات استشارية في إسبانيا يطيح بالمدير العام لميناء طنجة المتوسط    "مورينيو" يعاقب بالإيقاف والغرامة    النائب البرلماني محمد لامين حرمة الله يشيد بهذا القرار الملكي    هذا هو موضوع خطبة الجمعة    رحيمي ثالث أغلى لاعبي الدوري الإماراتي    "نصاب" في الرباط يقنع متابعيه في فايسبوك بجمع المال بهدف بناء محطة بنزين واقتسام الأرباح!    أخبار الساحة    "أگورا الحقوق والتعبيرات الثقافية".. بوعياش تدعو إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة لحماية التعبيرات الثقافية وإلى النهوض بإدماجها في الدورة الاقتصادية    المغرب يشارك في احتفالات الذكرى الستين لاستقلال غامبيا بوفد عسكري رفيع المستوى    تنسيق نقابي بقطاع الصحة يحذر من تأزم وضعية القطاع ويحمل الحكومة مسؤولية "انفجار الوضع"    في الحاجة إلى مثقف قلق    في بلاغ توضيحي لأعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب: أغلبية الأعضاء قدموا اقتراحات لحل الأزمة، لكن الرئيس المنتهية ولايته لم يأل جهدا لإجهاضها    مصطفى الزارعي يكتب: مستحيلان على أرض مستحيلة.. مهما انتصر الغزاة وطال انتصارنهم فإن ساعة هزيمتهم لا ريب فيها    حذر من إلغاءها في حالة عدم تلقي جواب . .فرنسا تمهل الجزائر شهرا إلى ستة أسابيع لمراجعة جميع الاتفاقيات معها وعلى رأسها اتفاقية الهجرة    ملعب بنسليمان سيكون جاهزا في دجنبر 2027    الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين يستغرب فرض ثلاث وكالات للأسفار بأداء مناسك الحج    الصين تعتزم رفع القدرة المركبة لتوليد الطاقة إلى أكثر من 3,6 مليار كيلوواط في 2025    المياه الراكدة    في لقاء تاريخي بالجديدة.. عزيز أخنوش يلتقي بمناضلي حزبه ويستعرض أهم إنجازات ومشاريع الحكومة    ندوة تلامس النهوض باللغة العربية    بنسعيد وقطبي يفتتحان متحف ذاكرة البيضاء لاستكشاف تاريخ المدينة    "حضن الفراشة" .. سلاح فتاك لمواجهة التوترات النفسية    شبكة صحية تدعو إلى تكثيف الحملات التطعيمية ضد "بوحمرون"    بعد مليلية.. مخاوف من تسلل "بوحمرون" إلى سبتة    متى تحتاج حالات "النسيان" إلى القيام باستشارة الطبيب؟    دراسة علمية تكشف تفاصيل فيروس جديد لدى الخفافيش وخبير يطمئن المواطنين عبر "رسالة24"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مخطط إنقاذ التعليم وسؤال التعبئة
نشر في هسبريس يوم 26 - 05 - 2008


سياق ومساق الإصلاحات:
حطم المغرب كل الأرقام القياسية العالمية في مشاريع إصلاح التعليم منذ الاستقلال وإلى اليوم، وما يكاد مشروع إصلاح ينطلق حتى ترتفع الأصوات أن سارعوا قبل فوات الأوان لإنقاذ التعليم؛ وقد تكرس في الذاكرة الشعبية من خلال الخطاب الرسمي أن التعليم قطاع غير منتج، وأنه يثقل كاهل ميزانية الدولة.
وقبل سبع سنوات أعني عام2000م انطلق مشروع إصلاح تعليم آخر وليس الأخير طبعا ورغم الخطاب التبشيري الذي أسس لتنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين المخضرم من حيث الزمن السياسي، إذ شرع في إعداده منذ 1995 ولم يتم إقراره إلا بعد 1999، ورغم كل أشكال الدعم التي لم يحظ بها أي مشروع إصلاح سابق إذ دعت الدولة الأحزاب السياسية والهيئات النقابية للمصادقة عليه وأخذ كافة الضمانات لتجنب أي نقد أو طعن من شأنه أن يعرقل تنزيله، فاستحق بذلك صفة "الوطني"، كل ذلك لم يُمَكٌِنِ الميثاق من الصمود أكثر من ثمان سنوات، إذ أن تقرير البنك الدولي لسنة 1995 حول التعليم بالمغرب والذي يؤطر الميثاق الوطني للتربية والتكوين هو نفسه الذي سيفتح عليه النار سنة 2008م متهما إياه بالفشل في تحقيق ما حدد له من أهداف، ليعود الشأن التعليمي بالمغرب مرة أخرى إلى الواجهة ، ولكن هذه المرة غداة تأسيس المجلس الأعلى للتعليم.
هذا الأخير يجد نفسه معنيا قبل الوزارة الوصية بتفسير الرتبة المتدنية التي احتلها المغرب المستقل منذ أكثر من خمسين سنة يسبقه بفارق كبير قطاع غزة بفلسطين الذي يعاني من الاحتلال الإسرائيلي ومحدودية الإمكانيات المادية قبل البشرية. هكذا سارع المجلس الأعلى لتشخيص الوضعية التعليمية وتحديد أسباب التعثر وعوامل الإخفاق من خلال تقرير:"حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها" في مئات الصفحات، أغرق في الجزئيات ولم يجد بدا من الاستغاثة بلغة الأماني والتأكيد على أن فرص الإصلاح غدت اليوم مواتية أكثر من أي وقت مضى:" إن مختلف الشروط السياسية والعملية متوفرة اليوم لاتخاذ إجراءات جديدة وأكثر جرأة لفائدة المدرسة.."،" ويبدو اليوم أن الوقت جد ملائم يقصد التقرير ملائم جدا لإعطاء نفَس جديد للإصلاح، بفضل تضافر مجموعة من العوامل الإيجابية."(الجزء الأول من التقرير، ص:49) "ولقد نضجت الظروف اليوم، وأضحى من الضروري في هذه المرحلة من الإصلاح نهج حوار بناء ورصين من أجل تحقيق منعطف نوعي.." (الجزء الأول من التقرير ،ص:66)
سؤال التعبئة:
تعددت أسباب الإخفاق والتعثر التي حالت دون تحقيق الارتقاء بالشأن التعليمي ومنها غياب التعبئة في مستويات عدة، والتي ستكون موضوع المقال لما لها من أهمية فعلا في إنجاح أو إفشال أي مشروع أو مخطط.
بداية نؤكد أن تقرير المجلس الأعلى نجح في تشخيص واقع التعليم وتحديد مظاهر الإخفاق ومنها غياب التعبئة التي وقف التقرير عندها طويلا، فعرفها وفسر أسباب غيابها في الجزء الأول تحت عنوان:"مسألة التعبئة والثقة الجماعية في المدرسة"، يقول: " إن التعبئة، من حيث هي سيرورة تجسد التزام مجموعة من الأفراد وثقتهم في العمل الجماعي، تعد رافعة أساسية للتنمية، تجعل من المعنيين فاعلين متضامنين ومؤثرين في إحداث التغيير المنشود. من هذا المنظور، تتطلب التعبئة انخراط ومشاركة كافة المهتمين بشؤون المدرسة، يتقدمهم ويقودهم أفراد مؤثرون، يضطلعون بريادة منتظمة ومستديمة.." (الجزء الأول من التقرير ص:43)
لقد اعتبر التقرير التعبئة التي يحظى بها الشأن التعليمي خجولة بالنظر إلى حجم الرهانات المطروحة وراح يبحث في الأسباب التي حصرها في:
1. عدم تقدير فئات المجتمع الرهانات الأساسية المرتبطة بالتربية والتعليم.
2. اتجاه النخب الأكثر انشغالا بالتربية وبجودتها نحو عروض تربوية بديلة، يقصد التعليم الخاص.
3. محدودية قنوات تواصل المدرسة مع المحيط السياسي والجمعوي، وغلبة الهاجس الإداري على أجهزتها: مجالس التدبير نموذجا.
4. عدم إعطاء الأسر الفرصة للانخراط الفعلي في حياة المدرسة.
" وهكذا، تظل المدرسة يخلص التقرير على الرغم من دورها الحاسم في تنمية بلادنا، وأثرها في مستقبل كل فرد من أبنائنا، في منظور معظم شركائها، بمثابة مرفق عمومي، تقع مسؤوليته على عاتق الدولة وحدها...ومن شأن هذا الضعف الملاحظ في التعبئة أن يحرم المدرسة من إسهام كل فرد في الارتقاء بها.." (الجزء الأول من التقرير ،ص:44)
تعبئة خجولة جعلت "المدرسة العمومية تبدو وكأنها تعاني اليوم من اهتزاز ثقة محيطها الاجتماعي. ولهذه الوضعية عدة تفسيرات" (الجزء الأول من التقرير،ص:44) حصرها التقرير في:
1. عجز المدرسة عن تأمين الشغل لخريجيها.
2. تعميق الفوارق الاجتماعية بين ضحايا تعليم فاشل وبين أقلية استفادت من تعليم نافع.
3. ضعف جاذبية المحيط المدرسي من حيث البنايات والتجهيزات، ومن حيث الالتزام المهني والخلقي: (حالات غياب المدرسين، انعدام الأمن في المحيط المدرسي..)
هكذا يخلص التقرير إلى"أن النهوض بالمدرسة المغربية يقترن إلى حد كبير بالتعبئة المجتمعية اليقظة والمستديمة، وبانخراط كل الفاعلين والشركاء في تجديدها، بما يقتضيه ذلك من التزام وثقة في مستقبلها، الذي يقع في صلب مستقبل البلاد وتنميتها." (الجزء الأول من التقرير، ص:45)
اكتشاف متأخر وسكوت عن العلل:
وأخيرا، اكتشف المجلس الأعلى للتعليم الحاجة الماسة لتعبئة مجتمعية يقظة ومستديمة وثقة في مستقبل المدرسة المغربية العمومية؛ لكن الذي لم يكلف نفسه عناء البحث عنه هو ضمانات الثقة ووسائل التعبئة لمشروع الإصلاح، أو قل لمخطط الإنقاذ.
إن من المفارقات العجيبة أن أول من لا يثق في المدرسة المغربية العمومية المسكينة هم الساهرون المستأمنون عن إصلاح/إنقاذ المنظومة التعليمية، بل هم على يقين راسخ في بوارها وعدم جدواها، فأبناؤهم يدرسون في المدارس الخصوصية إن لم تتيسر لهم البعثات الأجنبية، وأغلب المسؤولين المركزيين في قطاع التعليم يستثمرون في القطاع الخاص للتعليم، وهم بنفوذهم يوفرون عروضا بديلة مغرية، وبرمزيتهم يعطون الدليل القاطع أن التعليم بالمدرسة العمومية مضيعة لأعمار النشء، وتبذير لأموال الفئات الشعبية من المغاربة.
أما انعدام ثقة المجتمع في المدرسة فله ما يبرره، سواء على مستوى الهوية متجليا ذلك في تكريس المناهج الدراسية لسلوكات غريبة عن قيم المجتمع، ناهيك عن عجز الوزارة الوصية وفشلها في ضبط السير العادي للدراسة: انطلاق متعثر للموسم الدراسي، خصاص ونقص في المدرسين قد يدوم شهورا، فشل ذريع في إعادة نشر الفائضين رغم كل أشكال الوعيد، حركات إضرابات هستيرية، سوء جدولة الامتحانات، اكتظاظ الفصول، تهالك التجهيزات، "يتوج" ما سبق انفصام المحتويات الدراسية عن متطلبات سوق العمل.
ونظرا لخطورة القضية، كان لا بد من ضحية أو كبش فداء، ولم يجد التقرير غير هيئة التدريس لتتحمل وزر فشل المنظومة التعليمية، إذ أورد التقرير في معرض حديثه عن بعض المحددات المفسرة لأهم اختلالات المنظومة، "أن درجة التزام المدرسين وتعبئتهم وانخراطهم في الإصلاح التربوي تظل متباينة وغير كافية، بالنظر إلى الدور الحاسم لهؤلاء الفاعلين في الارتقاء بالمدرسة. والواقع أن هذا الانخراط المحدود يترتب عنه أثر سلبي على المنظومة." (الجزء الأول من التقرير، ص:84) وفي سياق آخر يستعمل التقرير لهجة اتهامية واضحة في حق هيئة التدريس معتبرا أنه "وإذا كانت التعثرات التي عرفتها المدرسة المغربية قد أثرت على المكانة الاجتماعية للمدرس، فإن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة دور هيئة التدريس في سير الإصلاح، وجانب المسؤولية الذي قد تتحمله في تعثرات أداء ومردودية المدرسة."( الجزء الأول من التقرير، ص:64)
وارتباطا بموضوع تعبئة هيئة التدريس، نسائل واضعي التقرير وقبلهم مهندسي الميثاق الوطني للتربية والتعليم عن الأشكال التعبوية التي استهدفت الهيئة ضمانا لانخراطها في الإصلاح، ألم تكن الهيئة الغائب الأكبر وما زالت عن أي حوار أو استشارة تؤسس للإصلاح؟ ما مستوى حضور الهيئة نقدا واقتراحا في مشاريع الإصلاح إلا ما كان شكليا؟ وما مصير آلاف صفحات تقارير المجالس التعليمية الحبلى بالملاحظات والاقتراحات؟ ولماذا نذهب بعيدا، ما شكل التعبئة اليوم قبل الأمس لهيئة التدريس، أيعتقد المسؤولون أن اللقاءات الكرنفالية ذات الطابع الإخباري بتقرير المجلس الأعلى للتعليم حيث يطلب وفي لقاء عام لموظفي المؤسسات التعليمية مدارسة خمسمائة صفحة في ثلاث ساعات على أكبر تقدير دون أي اطلاع مسبق كاف لضمان انخراط رجال ونساء التعليم في المشروع؟ إنه الاستخفاف برأي العاملين بالقطاع، ولسان الحال المغربي يقول:"على من تتقرا زابورك أداود ؟".
يطلب التقرير اليوم من هيئة التدريس خصوصا أن تكون في قلب الإصلاح، ولم يسع التقرير للبحث عمن جعل هيئة التدريس خارج إطار الإصلاح، واعتبرها منفذا وموظفا إداريا وليست حاملة رسالة وصاحبة قضية أمتها. إن الدولة هي من فرض على رجال ونساء التعليم وهيئة التدريس خاصة الانزواء والاستقالة من مهمة تعبئة المجتمع وبشكل ممنهج منذ إضرابات 1979، وما ترتب عنها من تعسفات واعتقالات وتوقيفات عن العمل لهيئة يفترض أن تكون ضمير الأمة وقلبها النابض. الدولة هي من ساهم في إحداث القطيعة بين رجال ونساء التعليم وبين المجتمع لما استنفرت وزارة الداخلية ودائما عام 1979 جمعيات آباء وأولياء التلاميذ لإرسال برقيات التنديد بما سمي "لا مبالاة رجال التعليم"، وأوقفت الآباء والأمهات في طوابير أمام كاميرات تلفزة الدولة ليصبوا جام غضبهم على رجال ونساء التعليم؛ كل ذلك لتوفير تغطية لتعسفات الدولة ومنع أي شكل من أشكال التضامن مع من دعا أمير الشعراء أحمد شوقي للوقوف له إجلالا لنبل مهمة القريبة من مهمة الأنبياء.
في المحصلة استهدف رجال ونساء التعليم في أرزاقهم كما استهدفوا تباعا في كرامتهم، فغدا رجل التعليم موضوع التنكيت واللمز والسخرية، ولما فقد كرامته، فقد هيبته وسلطته التربوية، وفقد معها حقه في النقد والاقتراح فتحول موظفا ينفذ "التعليمات"، واستمر مسلسل التقهقر ليكتشف المجلس الأعلى أن تعبئة هيئة التدريس ضعيفة أو تكاد تكون منعدمة، وأن أي إصلاح لا معنى له بدون انخراط جدي لهيئة التدريس، تنبه التقرير أنها في حاجة لرد الاعتبار:" تمر عملية ترسيخ المسؤولية لدى المدرسين ومساءلتهم أيضا، عبر إعادة الاعتبار للسلطة التربوية للمدرس والاحترام الذي يستحقه..." (الجزء الأول من التقرير ص:67)
مسكينة هي المدرسة المغربية العمومية تنكر لها الجميع، مسؤولون لا يثقون في أهليتها فسجلوا أبناءهم في مدارس خصوصية، ليكتسبوا العلم النافع الذي يفتح لهم أبواب المستقبل، ويؤهلهم ليرثوا مناصب آبائهم قبل ثرواتهم؛ ومجتمع فقد الثقة فيها وتملكه الخوف من تسيب يهدد النشء قبل أن يصطف في صفوف المعطلين لينال نصيبه من هروات السلطة المعقمة أمام مجلس البرلمان أو أن يركب قوارب الموت؛ وهيئة تدريس انكفأت على نفسها وتركتها لغول البنك الدولي يوجه بوصلتها وفق مصالحه الاستكبارية. مدرسة مغربية تستغيث ولا معتصم يلبي النداء، لك الله يا مدرستي الحلوة زمان "اقرأ"، ورحم الله تعالى جيل المرحوم أحمد بوكماخ الذين علموا المغاربة أن الله يرانا، فحفظوا العهد وأدوا الأمانة، قبل أن يتحول الكتاب المدرسي إلى إقطاع ومجال استثمار وأقصر طريق للاغتناء.
أما بعد:
أجل، أزمة ثقة في المدرسة المغربية قائمة، ومحدودية انخراط رجال ونساء التعليم عموما واقع، وهو من باب السماء فوقنا، ولكن ما مداخل الحل؟ وما السبيل لاسترجاع الثقة وضمان الانخراط الفعال لهيئة التعليم؟
من الحيف أن نحمل المدرسة المغربية ورجال ونساء التعليم المسؤولية الكاملة للإخفاق، فالتعليم على محوريته في أي تغيير أو إقلاع لا يتعدى أن يكون جهاز تنفيذ لمشروع مجتمعي يجمع عليه الشعب ويشارك في بلورة عناصره الكبرى؛ مشروع يتأسس على سؤالين مركزيين: من نحن؟ وماذا نريد؟
الممارسة أثبتت أن الدولة تعتبر المدرسة خصما بما قد تصنعه من وعي سليم لدى المتعلمين، فسخرتها للتحكم في أي مشروع تغييري تبدو ملامح تبلوره، فمرة تستهدف الاتجاه اليساري بالفكر الإسلامي، حتى إذا بزغ نجم الوعي الإسلامي واجهته بالتوجه اللاديني، فأشاعت الفواحش ووأدت الحياء والحشمة باسم الحرية الشخصية والقيم الكونية، كل ذلك في إطار المحافظة على التوازنات التي هي أس النظام السياسي المغربي.
المدرسة المغربية ليست رافعة حقيقية للتنمية بلغة التقرير نظرا لغياب مشروع تنموي، ما دامت تأتمر بتوصيات المؤسسات المالية العالمية، عكس ما كانت عليه والمدارس الخصوصية تحديدا لما ساهمت في التغيير وبناء الوعي بالذات وصنعت الحس الوطني خلال عقود الحماية، فهب المغاربة يمولونها ويتنافسون في إقامة مؤسساتها، ليس طلبا للاغتناء كما هو الحال اليوم مع الأسف، وإنما نشرا للوعي والمعارف واكتسابا لآليات التحرر من ربقة الاستعمار.
الثقة انعدمت في المدرسة المغربية باعتبارها شكلا تصريفيا لرؤية سياسية أقصت الشعب من حقه في المشاركة بالرأي والملاحظة والاقتراح. رؤية سياسية تعتبر الشعب قاصرا، وتستخف بقدرته على الفهم، حتى إذا جاءت ساعة الحقيقة يوم 7شتنبر2007 تبين للدولة أن الشعب أذكى مما تتصور، فقاطع المسرحية وعلا صوت صفيره أن الإخراج لمسرحية الوهم سخيف، لتتوالى شهادات "الاستحقاقات" على الرؤية السياسية من خلال رتب مخجلة في سلم التنمية والتعليم إلى إفلاس في تدبير الشأن العام عنوانه الأبرز "فساد إداري" وغياب لأبسط وسائل المتابعة والمحاسبة حتى أضحت الخروقات مؤشرا على الترقية في سلم الامتيازات.
همسة:
أختم مقالتي بشكل من أشكال التعبئة التي نص عليها التقرير قائلا:"كما أن التعبئة هي شكل من أشكال إعادة تموقع الأفراد، ونوع من تحديد المسؤوليات ومجالات الاضطلاع بها، وإعطاء دينامية جديدة للديمقراطية والتدبير الجماعي، بإشراك فعال للمواطنين." -الجزء الأول من التقرير،ص:43-أهمس في آذان واضعي التقرير، على أية دينامية تتحدثون؟ وأية إعادة تموقع تقصدون إذا كان من ينقدون مردودية منظومة التعليم اليوم هم من وضعوها وتحملوا مسؤوليتها لعقود تخطيطا وتبشيرا وتنزيلا ، والأولى أن يكونوا محل مساءلة لا أن يحتموا بمؤسسة دستورية فوق المحاسبة والمتابعة ؟
[email protected] ""


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.