إذا كانَ الكُسكس هو الأكلة الشعبية الأكثر شهرة في جميع مناطق المغرب، فإنّ لكلِّ منطقة أكلة تتفرد بها ويتميز بها مطبخها. في الجنوب الشرقي للمملكة، وخاصّة في مدينة الريصاني، تُعدّ "المدفونة الفيلالية" الأكلة الأكثر شعبية لدى سكان المنطقة. يُمكن تشبيه "المدفونة الفيلالية"، إلى حد ما، ب"البيتزا" الإيطالية ذات الشهرة الواسعة؛ لكنَّ الفرْق بينهما لا يكمن فقط في الشكل والمكوّنات، بل أيضا في كوْن البيتزا الإيطالية خضعت لتطوير واكبَ الحياة العصرية، بينما حافظت "المدفونة الفيلالية" على "أصالتها" إلى حدود اليوم. تُصْنع "المدفونة الفيلالية"، التي تتميّز بها مدينة الريصاني، من موادَّ جميعُها من الإنتاج الزراعي المحلي، ومكوّناتها هي الدقيق الذي يُعدّ منه الرغيف ولحمُ البقر والكلى واللوز والجوز والتمر والبيض والتوابل. وتبدأ أولى مراحل إعدادها بخَبْز الرغيف، حيث تُوضع ورقة رقيقة من الرغيف، وتوضع فوقها المكونات المذكورة، وفوقها تُوضع ورقة ثانية من الرغيف، وتُلحم جوانبها، وتُوضع في صينية الخبز ثم تُدخل إلى الفُرْن، ولكي يكون مذاقها جيدا يجب أن تُطهى في فرن تقليدي. الطهي في الفرن التقليدي، فوق الجمر، يُعدّ واحدا من أسرار لذّة "المدفونة الفيلالية" التي يُعدّها الناس في مدينة الريصاني، "إيلا ما طيبتيهاش فالفرّان البلدي ما طلعش مزيانة"، يقول صاحب مطعم صغير مختص في "المدفونة"، بالقرب من مسجد مولاي علي الشريف بالريصاني. اللحم الذي تُعدّ به "المدفونة الفيلالية" أيضا يجب أن يكون لحما خاصا بها، وجزارو مدينة الريصاني يعرفون هذا اللحم جيدا. أمّا إعدادها فيتمّ داخل البيوت، وأيضا في المطاعم، تحت الطلب، إذ يتطلّب الحصول عليها تقديم طلب قبل ساعتين، هي المدة التي يستغرق إعدادها وطهْيُها. وعلى الرغم من أنّ مدينة الريصاني هي مَهد "المدفونة الفيلالية"، فإنّ هذه الأكلة التقليدية انتقلت إلى مناطق أخرى بجهة درعة تافيلات؛ "لكنّها نُسخة منها فقط، ولا تشبه مدفونة الريصاني الأصلية"، يقول موحا، مسيّر مطعم في مدينة الراشيدية لهسبريس. ويوضح موحا أنّ من بين الفوارق بين المدفونة كمَا يُعدّها أهل مدينة الريصاني، ونظيرتها في باقي مناطق درعة تافيلالت، هو أن "المدفونة الريصانية" يكون الرغيف الذي تُصنع منه رقيقا، فضلا عن كون أهل الريصاني يُكثرون من التوابل (العطرية)، وهو ما يعطيها مذاقا مميزا. وإذا كان أهل الريصاني ما زالوا حريصين على الحفاظ على "أصالة" المدفونة، فقد بدأت تدخل عليها تغييرات في مناطق أخرى من درعة تافيلالت، أو "تتكيّف مع العصر"، كما قال موحا، إذ أضحت تُعدّ بلحم الدجاج الرومي والسمك؛ لكنَّ صاحب المطعم الذي تحدّثنا معه في الريصاني قال إنّ "المدفونة التي تُعدّ بلحم غيرَ لحم البقر "ماشي مدفونة". وعلى غرار الأكَل المغربية التقليدية، يُحاط تَناوُل أكلة "المدفونة الفيلالية" بطقوس خاصة، وفي مقدمتها أنّها تُحضّر في "الفرانتشي"، وحين تُوضع على مائدة الطعام لا بد أنْ تكون مصحوبة ببراد شاي، ويشرح موحا هذه العلاقة المتلازمة بين "المدفونة" والشاي بالقول "إيلا ما كانش أتاي ما دُّوزش".