تزامناً مع الجدل الذي أُثير في البرلمان حول نقطة الإثراء غير المشروع ضمن مشروع القانون الجنائي، طالب عبد اللطيف الشنتوف، رئيس نادي قضاة المغرب، بمصادرة أموال المفسدين لفائدة خزينة الدولة، مؤكداً أن "ما يهم المواطن هو استرجاع أمواله المنهوبة وليس فقط معاقبة المسؤولين بالسجن". الشنتوف، الذي تمكن من انتزاع منصب رئيس نادي قضاة المغرب للمرة الثانية، قبل أيام، دعا، في حواره هذا مع هسبريس، إلى تحسين وضعية القاضي المادية والمعنوية، معتبراً أن الزيادة في أجور القضاة التي أقرتها الحكومة السابقة "كانت بمثابة جبر للضرر، لأن أجورنا كانت مجمدة منذ سنة 1994، رغم الزيادة التي شهدتها البلاد في قطاعات أخرى". وتحدث القاضي الشنتوف عن السبل الكفيلة لحماية المجتمع المغربي من ظاهرة "قضاء الشارع" التي باتت تُثير الفزع وسط المواطنين. كما بسط رؤيته لمزاعم التعذيب الموجودة في سجون المملكة، وما أثير من قبل فاعلين حكوميين من أن القاضي وحده من يتحمل مسؤولية التحقيق في قضايا تعذيب المعتقلين والموقوفين. وإليكم نص الحوار: انتشرت في المغرب مؤخراً ظاهرة "قضاء الشارع" أو ظاهرة "شرع اليد"، هل تعتقد أن عدم قيام مؤسسات الدولة الشرطية والقضائية بمهامها أحد أسباب بروز هذا السلوك وسط المواطنين؟ فعلاً، هذه ظاهرة غير صحية بتاتاً لّأنها تصادر حق الدولة في القيام بدورها، خصوصا في التشريع والمعاقبة، لكن المتتبع للأحداث يتبين له أنها ظاهرة عير منظمة، مبنية ربما على سلوكيات استفزازية، إما دينية أو ثقافية أو نفسية أو اجتماعية، أقصد أنها لا تنتمي إلى المجموعات الدينية التي تتبنى محاربة المنكر. يمكن القول إن هذه الظواهر التي ظهرت في عدد من المدن المغربية هي عفوية، مرتبطة بالإفطار العلني في رمضان، أو العلاقات بين الجنسين، أو المثلية الجنسية. وهنا يأتي رد المجتمع تلقائياً، وهو شيء إيجابي لأنه غير منظم ويسهل معاقبته. المعاقبة القانونية موجودة لأن القضاء يجرم هذه الأفعال ويكيفها وفقا للقانون الجنائي، إن كان ضربا أو جرحا، فالنيابة العامة تدخلت في جميع الحالات التي تطرق إليها الإعلام والرأي العام. غير أننا بحاجة أيضا إلى الجانب التوعوي الذي يتطلب تركيزاً. المجتمع عليه أن يعي أنه ليس من مصلحته أن يقتص لنفسه، سواء كفرد أو جماعة. يجب أن يكون لنا إيمان مطلق بمؤسسات الدولة، القضاء والتشريع وحدهما الجهتان المخول لهما القيام بذلك، مهما كانت المبررات، لأنه أحيانا يتم تفسير "شرع اليد" بتأخر المؤسسات في القيام بدورها. ولكن تكرار الحوادث يفسر أن العقوبات تبقى غير كافية لردع المخالفين، هل تتفق مع ذلك؟ هي عملية مركبة ومعقدة نوعا ما، فالمقاربة الزجرية وإن كانت مطلوبة ينبغي أن تحل الظاهرة عبر برامج ثقافية وتوعوية وعن طريق التعليم، ثم حتى في الممارسة الدينية وبرامج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. هكذا يمكن أن نساهم جميعاً في الحد من الظاهرة ما دمنا نتعامل مع ممارسات غير منظمة عموماً. أفرج المجلس الأعلى للسلطة القضائية عما تبقى من نتائج أشغاله، همت أساساً لوائح الانتقالات، وهو الأمر الذي كان محط استنكار من طرف نادي القضاة، لماذا؟ بلاغ نادي قضاة المغرب يتعلق بعدم احترام المجلس الأعلى للسلطة القضائية للقانون التنظيمي الذي يحترم عمل المجلس وللنظام الداخلي للمؤسسة الذي ينص على ضرورة نشر الأشغال فور مصادقة الملك محمد السادس عليها. يجب أن تنشر في الموقع الرسمي للمجلس لأن ذلك يعد حقاً من حقوق القضاة والرأي العام في الوصول إلى المعلومة، ثم إن هذا التعميم سيمكننا من مراقبة عمل وشفافية المؤسسة. أما بقية الأشغال المتعلقة بانتقال السادة القضاة، سنرد عليها في اجتماع لاحق. نحن نطالب مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بأن تشتغل وفق المبادئ التي أقرها دستور 2011، والتي تتحدث عن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا نرى تطبيق هذه المبادئ دون نشر الأعمال حتى يتمكن الجميع من الاضطلاع عليها. طيب، كان القضاة في صلب ورش إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، هل انعكس ذلك على وضع القاضي عموماً؟ ورش الإصلاح كما هو الشأن بالنسبة لورش استقلال السلطة القضائية متواصل، لا يُوجد بلد في العالم وصل إلى نقطة النهائية في هذه الأوراش. هناك متطلبات متجددة في المغرب قطعنا فيها أشواطاً، خصوصا المتعلقة بالنصوص التنظيمية والوثيقة الدستورية، لكن الأهم الذي ينتظرنا هو طريقة اشتغال المؤسسات، لأن النصوص القانونية لا تكفي وحدها. لدينا مؤسسات قضائية لأول مرة من قبيل رئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وننتظر المفتشية العامة للشؤون القضائية، ثم على المستوى الجهوي هناك ورش المحاكم، إذن المواطن ينتظر من هذه المؤسسات أن تشتغل بطرق مغايرة، وهذا لا يمكن في المرحلة الحالية لأنه مرتبط بقوانين معظمها تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وعلى البرلمان أن يقوم بدوره لتحديثها وتحيينها. ماذا عن وضعية القاضي المادية، هل هي مريحة ليكون عندنا قضاة نزهاء؟ نحن نرى الوضعية المادية جزء من عملية تحصين القاضي ضمانا لاستقلاليته، لا يمكن أن نتحدث عن استقلال القاضي ونتركه في وضعية محتاج من الناحية المادية. نحن نضع مطلب الوضعية المادية دائماً مقابل تحصين سلطة القاضي، وهذا له علاقة أساساً بالتخليق ومحاربة الفساد في مرافق العدالة. صحيح أن نادي القضاة خاض احتجاجات رمزية من أجل تحسين وضعية القاضي، وصحيح أن الحكومة الماضية قامت بالزيادة في أجور القضاة، ولكن يجب أن تعلم أن هذه الزيادات كانت مجمدة منذ سنة 1994، رغم أن جميع القطاعات عرفت زيادات إلا في قطاعنا، وبالتالي كان الرفع في الأجور بمثابة جبر للضرر أقرب منه إلى زيادة. يعني أن مطلب الزيادة في الأجور ما زال قائماً؟ ملف تعويضات القضاة مازال مطروحاً، ونحن دائما نطالب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل بتشكيل لجنة لدراسة وضعية القاضي المادية انطلاقاً من التطور المعيشي حسب وضعية المدن، كما هو معمول به في إسبانيا مثلا، حيث تجد الراتب مرتبطا بالمحيط وتطور الحالة المعيشية. نحن لا نبرر نهائياً أن الرشوة أو الفساد مقرونة بالظروف المادية للقاضي، هذا أمر غير مبرر حتى ولو كان الإنسان بدون أجرة، ولكن نحن نناقش وضعية القاضي المتوسط وليس الخارق؛ لذلك نطالب الدولة بتوفير العيش الكريم للقاضي حتى نقطع جميع الشبهات في نهاية المطاف. أثارت قضية تعذيب المعتقلين مؤخراً بالمغرب الكثير من الجدل؛ إذ لجأت الحكومة في مناسبات عدة إلى تحميل المسؤولية للقاضي وحده للقضاء على الظاهرة. هل تعتقد أن للقاضي سلطا كافية للتحقق من تعذيب معتقلين؟ طبعا الصلاحيات القانونية مكفولة للقاضي للتحقق من مزاعم التعذيب في حالة توصله بالملفات، بإمكانه أن يأخذ قرارات إجراء الخبرة الطبية. وأشير هنا إلى أن المحاكم أبطلت في مرات عديدة محاضر للضابطة القضائية. ولكن السؤال المطروح هنا: هل كل الملفات تصل إلى القضاء؟ إذن لمواجهة الظاهرة بعد مصادقة المغرب على اتفاقيات دولية في هذا الصدد، يجب أن تقوم الأجهزة في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية بدورها. الوقت مناسب مع مناقشة قانون المسطرة الجنائية لإقرار قانون محاربة التعذيب، ووضع آليات لردع المخالفين عبر وضع كاميرات وحضور محام في الساعات الأولى من التوقيف. بالإضافة إلى ذلك، يجب توفير ظروف مناسبة لعمل القضاة لأن عددهم قليل جداً بالمغرب. أثار نقاش مشروع القانون الجنائي جدلاً بين نواب الأمة وبين أعضاء الحكومة بسبب الصيغة التي جاء بها تجريم الإثراء غير المشروع، هل تعتقد أن الوثيقة قيد النقاش كفيلة بردع المفسدين؟ نحن شاركنا في مشروع القانون الجنائي عندما كان مسودة سنة 2015، ولكن للأسف تم التركيز على بعض المواضيع التي ربما غير موجودة في الساحة، مثلا عقوبة الإعدام أخذت منا وقتا كبيرا مع العلم أنها حالات معزولة. يجب التركيز على قضايا أخرى تتعلق بالمعيشة اليومية للمواطنين ووضعها تحت المجهر فصلاً فصلاً. بالنسبة لنقطة الإثراء غير المشروع، في نظرنا ما دام المغرب متمسكا بمحاربة الفساد يجب أن ينعكس الأمر في المقتضيات التشريعية، وخاصة القانون الجنائي. تبرير الثروة في إطار الوظيفة العمومية ينبغي أن تسن له مقتضيات خاصة، بل نحن في نادي القضاة دعونا إلى مصادرة أملاك المفسدين وليس فقط تسليط الضوء على مصدر الثورة. إذا ثبت فعلا أن هذه الأموال جاءت من نهب المال العام أو من مصدر غير مشروع يجب أن تصادر لفائدة الخزينة العامة، وهذا الردع سيحقق المنفعة للمجتمع، لا يهمه فقط أن يذهب فلان أو علان إلى السجن بقدر ما يهمه استرجاع الأموال المنهوبة إلى الخزينة العامة. طالب حزب العدالة والتنمية باستدعاء رئيس النيابة العامة إلى البرلمان قصد المسائلة، غير أن هذا الطلب أثار حفيظة المؤسسة. هل باتت رئاسة النيابة العامة "خارج القانون" بعد استقلالها؟ تجب الإشارة إلى أن هذا الورش جديد في بلادنا، خصوصا إذا علمنا أنها تشتغل بنصوص قديمة وإمكانيات محدودة، فالعمود الفقري لعملها هو المسطرة المدنية والقانون الجنائي، وهي قوانين تعود إلى الستينيات وما قبل دستور 2011. من يقول إن النيابة العامة لم تعد خاضعة إلى البرلمان؟ هذا كلام غير صحيح؛ فالمؤسسة يُمكن أن تراقب بشكل قبلي أو بتدخل بعدي، في إطار التشريع. إذا كنا نتحدث فعلاً عن استقلال السلط، فيمكن للسلطة التشريعية أن تتدخل في عمل النيابة العامة عن طريق التشريع كلما رأت أنها تُسيء التصرف في نص معين أو تُفسره وفق توجه معين. وبالنسبة لاستدعاء رئيس النيابة العامة إلى البرلمان، فهذا الأمر قد حسم من طرف المحكمة الدستورية، التي أكدت أن الوكيل العام للملك لا يمكن أن يأتي إلى البرلمان ضمانا لمبدأ فصل السلطات. أنا اعتقد أن البرلمان عليه أن يقوم بدوره كاملا في عملية التشريع، والفرصة مواتية الآن عند مناقشة قانون المسطرة الجنائية. أما تقييم عمل مؤسسة النيابة العامة، فالمدة ليست كافية، ولكن يجب الإشارة إلى الدور الإيجابي لهذه المؤسسة في قضية التواصل مع المغاربة كلما طرح مشكل يتعلق بها في الساحة.