في قلب العاصمة الإدارية للمملكة، حيث تُهندَس السياسات الحكومية المتعلقة بالقضاء على السكن الصفيحي، يوجد دوار الگرعة بجماعة يعقوب المنصور. منذ أسابيع يخوض سكان هذا الحيّ الصفيحي احتجاجات ضدَّ سعْي السلطات إلى ترحيلهم، انتهتْ باعتقال ثلاثة منهم بحر الأسبوع الماضي، بعد احتجاجهم أمام القصر الملكي في الرباط، قبل أن يطلق سراحهم. "لا للتهجير خارج الرباط" يعودُ تاريخ وجود دوار الگرعة إلى سنة 1924، حسب وثيقة اطلعتْ عليها هسبريس، وتسكنه خمسة آلاف أسرة، حسب تقديرات السكان؛ ومنذ مدّة تحاول سلطات الرباط إقناع سكان الحيِّ بالرحيل إلى عيْن عودة، الواقعة على بُعْد خمسة وثلاثين كيلومترا من العاصمة، مقابل حصولهم على بُقع أرضية، يدفعون مقابلها مبلغا ماليا، لكنَّ السكان يرفضون هذا العرض، ويطالبون بإعادة إيوائهم في المجال الحضري للرباط. يسمّي سكّان دوار الگرعة عملية الترحيل، التي تسعى السلطات إلى تنفيذها، ب"التهجير"، ويقول شابٌّ من الحيّ، معبّرا عن رفض سكان الحي الرحيل إلى عين عودة، "يْهجّرونا لفلسطين وما نمشيوش لعين عودة". تكسو واجهة بناية بمدخل الحي، تتخذها التنسيقية الممثلة للسكان مقرّا لاجتماعاتها شبْه اليومية، لافتات تحمل عبارات من قبيل: "نطالب بحقنا في السكن في الرباط. ازددْنا فيها ونسكن فيها ويُحتمل أن نموت فيها". جِوارَ دوار الگرعة يوجد حيٌّ يسمى دوار الكُورة، كان بدوره حيّا صفيحيا، وتمت إعادة إيواء سكّانه في شقق بالمكان ذاته الذي كانت تنتصب فيه أكواخهم، بعد أن دشّن الملك مشروع إعادة الإيواء. كما دشّن، في الآن نفسه، مشروعا مماثلا لإعادة إيواء قاطني دوار الگرعة، لكنَّ المشروع طُمر في الدكّة التي طرَق عليها الملك بمطرقة التدشين المذهّبة، ولم يرَ النور بعد، حسب ما يقول سكان الحيّ الصفيحي العريق. داخل الحيّ توجد "براريك" تمَّ هدمُها، يقول السكان إنَّ أطلالها شاهدة على الفساد، مضيفين أنَّ أصحابَها ليسوا من سكانَّ الحيّ الأصليين، وإنما أغنياء اقتنوا تلك "البراريك" بأثمنة بخسة، وظلوا يتحيّنون موعد إعلان ترحيل سكان الحي ليستفيدوا بدورهم من البقع الأرضية، لذلك لم يتردّدوا في هدم "براريكهم" حين جاءت هذه الفرصة، لأنّهم أصلا في غنى عنها. وحسب إفادة السكان، فإنّ أحد هؤلاء "المستثمرين"، كما يسمّونهم، يملك فيلا ومنزلا آخر في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة الرباط. وأشار مرافقونا أثناء زيارة دوار الگرعة إلى عمود كهربائي منتصب وسط ما تبقى من جُدران "برّاكة" مهدّمة، متسائلين كيف أمْكن تشييد هذه "البراكة" دون أن يُلفت ذلك انتباه أعوان السلطة الذين يراقبون كلَّ شيء. فيما ارتفع صوتُ سيّدة قائلة إنَّ "البراكة" لم تكن أبدا مسكونة، وأنَّ صاحبها يقطن في مكان آخر خارج الحيّ الصفيحي. وأضافت أن السلطات حينَ طلبتْ منه هدمها مقابل الحصول على بُقعة في عين عودة هدَمها لأنه يملك مَسكنا آخر. "حْنا اولاد الرباط" يرفض سكان دوار الگرعة رفْضا باتّا ترحيلهم خارج الرباط، سواء إلى عين عودة أو إلى منطقة الشّيگا بنواحي تمارة أو إلى تمْسنا، وهي الوجْهات الثلاث التي اقترحتْها سلطات الرباط، ممثلة في والي المدينة، خلال اجتماعيْن بالسكان. ويعبّرون عن هذا الرفض بعبارة مكتوبة باللون الأحمر على واجهة المبنى، الذي تتخذه التنسيقية الممثلة لهم مقرا لاجتماعاتها، وفحواها: "أنا رْباطي مْتّافْق مع التغيير اللي غادي يناسبني". والتغيير الذي يطالب به سكان دوار الگرعة هو إعادة إيوائهم بالرباط. "البْلاصة اللي بغاو يْدّيونا ليها في عيْن عودة أرض قاحلة، ما فيها شوانط، ما فيها بوليس، ما فيها صبيطار.. تّا شي حاجة، بْحالّا حْنايا ماشي بشر، وإيلا بغيتي تمشي ليها وترجع للرباط خاصك تقطع خمسين كيلومتر"، يقول رضوان، أحد شباب الدوار المؤطرين لاحتجاجات السكان، مضيفا "حْنا تزادينا هْنا وكْبرنا هنا، وْمن غير الرباط ما غادين لْتّا شي بلاصة". العرض الذي قدّمته سلطات الرباط لسكان هذا الحيّ الصفيحي العريق، يتمثل في مَنْحهم بُقعا أرضية مساحتُها سبعون مترا مربّعا، مقابل أداء مبلغ مليونين ونصف مليون سنتيم. ويرتفع المبلغ إلى أربعة ملايين سنتيم، إذا أضيفتْ إليه مصاريف التوثيق وغيرها. لكنَّ قاطني الدوار يرون أنّ عرْض السلطات، حتّى لو قرّرت إيواءهم بالرباط كما يطالبون، يحتاج إلى مراجعة، لأنّه ليس مُنصفا للجميع، بسبب غياب التوزيع العادل للبُقع. يقول أحدهم: "كايْن أنا مْزوج، ومعايا خويا مزوج وعندو اولاد، واختي مزوجة وحتى هي عندها اولاد، وكايْنة الوالدة عندي خُوتْ منها، يعني حْنا خمسة دْ الأسر، وعْطاونا جوجْ بُقع". ويعلّق رضوان على كلام جاره قائلا: "وفيْن هادشي؟ فْ التّلت الخالي (يقصد المنطقة التي تريد السلطات أن ترحّلهم إليها في عيْن عودة). فيما يقول آخر إنَّ تربة تلك المنطقة هشّة، وهو ما يتطلّب تثنية أساس البيوت "الطّبْلة"، مما يتطلب مصاريف مالية إضافية. وبالنسبة إلى العرْض التي اقترحتْه السلطات على السكان، والمتعلق بترحيلهم إلى منطقة الشّيگا بنواحي تمارة، فيتضمّن استفادتهم من شقق مقابل 12 مليون سنتيم، لكنَّ السكان يقولون إنّها غير صالحة للسكن، وأنَّ إصلاحها يتطلّب صرف 8 ملايين على الأقل، "بْحالّا حْنا ما استفدنا والو، كُون كانْ غي حْسبْ لي ب22 مليون كون بعْت البراكة ديالي ب 18 مليون، ونمشي ناخد كريدي ونشري داري بلا ما نتسناو يعاونونا"، يقول أحد المواطنين بغضب. فيما يضيف آخر "الفلوس ما كايناش. باش بغاونا نخلصوهم؟". من جهته، يقول مصطفى الوسطي: "نحن عندنا الوثائق التي تثبت بأننا لم نترامَ على هذه الأرض، بل تربطنا علاقة قانونية بأصحابها، ولدينا وثائق رسمية يعود تاريخها إلى عام 1924، حيث كنا نؤدّي السومة الكرائية إلى غاية 1990"، مضيفا أن "السياسة التي تنهجها السلطات تقوم على الرغبة في تهجيرنا، وكايْن اللي جْدّو خالق فهاد الدوار، يعني ثلاثة أو أربعة أجيال. لا يُعقل يْجي واحد القرار تعسفي ويقول ليك اخرج من الرباط". وبالنسبة إلى الوسطي، فإنّ تذرّع سلطات العاصمة بعدم توفّر وعاء عقاري لإعادة إيواء سكان هذا الحي الصفيحي في الرباط مبرّر لا يستند على أساس. ويعزو الرغبة في ترحيلهم إلى عين عودة أو تمارة إلى "غياب رؤية استراتيجية شاملة"، كما يقول، مضيفا أن "هناك وعاء عقاريا في المنطقة المحاذية للحزام الأخضر، تتجاوز مساحته أربعين هكتارا، والدراسات التقنية تقول إنه يمكن أن يستوعب أكثر من 6600 شقة. وعموما فالذي يجب أن يُرحّل خارج المدينة ليس هم السكان، بل الأحياء الصناعية والمتاجر الكبرى والثكنات العسكرية". ومن بيْن المطالبِ الأساسية التي وضعها سكان دوار الگرعة على مكتب والي الرباط، إلى جانب مطلب إيوائهم في المجال الحضري للعاصمة، نشرُ لوائح المستفيدين من عملية إعادة الإيواء، درءاً لأيّ خروقات أو فساد يمكن أن يشوبَ عملية الاستفادة من البقع الأرضية أو الشقق، وسدّ الطريق على "المستثمرين" الذين يقتنون "البراريك"، ويتربّصون بفرصة الاستفادة، كغيرهم من سكان الدوار الصفيحي المنتمين إلى الطبقة الفقيرة.