باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    تزوير أوراق نقدية يورط أربعينيا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    حماس تشيد بموقف الموظفة المغربية ابتهال أبو السعد لفضحها تواطؤ "مايكروسوفت" مع آلة الحرب الإسرائيلية    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    إنتر يسقط في فخ التعادل أمام بارما (2-2)    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    مهندسة مغربية تفضح مسؤولاً بارزاً في مايكروسوفت خلال احتفال رسمي: تدعمون إبادة غزة    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مركز يدعم التمدرس في وضع إعاقة    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    ندوة صحافية لتقديم النسخة الثامنة من ماراطون الرباط الدولي    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة يتعادل مع نظيره الكيني    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    إسبانيا.. العلاقات مع المغرب من بين "الأقوى عالميا" ولا تقارن إلا بالعلاقات الأمريكية البريطانية    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    المغرب فرنسا.. 3    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هكذا يخطط بوتين لتأمين النفوذ العالمي لروسيا في 2018
نشر في هسبريس يوم 01 - 01 - 2018

كانت الأحداث التي شهدتها روسيا خلال الأيام الأخيرة من عام 2017 كاشفةً عن مسارات السياسة الروسية وتحدياتها في عام 2018، ففي اليوم التالي لإعلان وزارة الدفاع الروسية تشكيل "قوات دائمة في سوريا"، ورفض بعض فصائل المعارضة السورية حضور مؤتمر السلام الذي ترعاه موسكو في مدينة سوتشي الروسية؛ تقدم الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في مارس 2018، وشهدت مدينة سان بطرسبرغ انفجارًا لعبوة ناسفة قبيل احتفالات رأس السنة على الرغم من ثناء "بوتين" في اليوم السابق على نظيره الأمريكي "دونالد ترامب" بعد تلقي موسكو تحذيرات استخباراتية أمريكية بوجود تهديدات إرهابية مُحتملة في المدينة.
وتؤكد هذه التطورات في مجملها أن روسيا في عام 2018 ستواجه عددًا كبيرًا من التحديات، وفي صدارتها: الحفاظ على استقرارها الداخلي، وتعزيز قوة الاقتصاد الروسي، ومواجهة ضغوط الدول الغربية، والحرب الإعلامية المضادة، ومحاولات الاختراق لمجالها الحيوي في شرق أوروبا.
تحصين الداخل الروسي:
يتبنى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مبدأ "جوسودارستفينيكي" الذي يتأسس على إقامة دولة وطنية قوية في مقابل معارضته الشديدة لمبدأ "زابدنيكي" الذي يدعو للتقارب مع الغرب على حساب السيادة الوطنية. ونظرًا لانعقاد الانتخابات الرئاسية الروسية في مارس 2018، فإن "بوتين" يضع على قائمة أولوياته عدة مهام على المستوى الداخلي تتمثل فيما يلي:
1- حفظ الاستقرار الداخلي: يتصدر حفظ الأمن والاستقرار قائمة أولويات سياسة الدولة الروسية في عام 2018، ومن ثم فإن "بوتين" سيركز على تدعيم قوة الدولة المركزية ودعم التماسك الداخلي، ومواجهة تهديدات الفصائل المسلحة في الشيشان، والتيارات والتنظيمات المتطرفة في شمال القوقاز.
2- تحفيز الاقتصاد الروسي: يعاني الاقتصاد الروسي من حالة ركود وارتفاع مستويات التضخم، بسبب العقوبات الغربية، وتراجع أسعار النفط، وهو ما سيجعل موسكو تركز على ضبط مستويات الإنفاق الحكومي، ومواصلة خطة الإصلاح التي سبق أن أعلنها "بوتين" في خطابه أمام الجمعية الاتحادية في 4 ديسمبر 2014، ودعم تدفقات الاستثمارات، والتصدي لهروب رؤوس الأموال الروسية، واتخاذ إجراءات حاسمة تجاه المضاربين الذين يتلاعبون بالعملة الروسية.
3- تعزيز القوة العسكرية: تواصل روسيا عملية التحديث العسكري لتعزيز القدرات القتالية للقوات الروسية، وتزويدها بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية، وتركز موسكو على تطوير الدرع الصاروخية والتزود بأنظمة دفاع جوية متطورة (إس 500 وإس 400)، والإسراع في عملية تصنيع طائرات سوخوي "باك فاي" أو "T - 50" من الجيل الخامس، والتي تشكل تحديًا كبيرًا، حسب مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، لنظيراتها في سلاح الجو الأمريكي من طراز "F-22" و"F-35".
وفي المقابل، تواجه عمليات تدعيم القوة العسكرية، تحديات متعددة، مثل: ترشيد الإنفاق العسكري، وعدم الانخراط في سباق تسلح مع واشنطن، خاصة في ظل تراجع العائدات الروسية من النفط والغاز مقارنة ببداية القرن الحادي والعشرين، وهو ما أدى للضغط على الإنفاق العسكري الروسي بحيث لا يمثل سوى 11% من حجم الإنفاق العسكري الأمريكي.
4- إدارة الاستحقاقات الانتخابية: يركز الرئيس "بوتين" خلال المرحلة المقبلة على إدارة مرحلة ما قبل الانتخابات على الرغم من عدم وجود منافسة قوية من التيارات المعارضة، وفي هذا الإطار ينقسم معارضو "بوتين" إلى معسكرين رئيسيين:
أ- معسكر المشاركة الانتخابية: يحرص المنتمون لهذا المعسكر على المشاركة في الانتخابات ومنافسة الرئيس الروسي على منصب الرئاسة، ويضم هذا المعسكر كلًّا من من "فلاديمير جيرينوفسكي" زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، و"جينادي زوغانوف" زعيم الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، والملياردير "ميخائيل ديمترييفتش بروخورف".
ب- معسكر البحث عن بديل: لن ينخرط المنتمون لهذا المعسكر في التنافس الانتخابي على الرئاسة الروسية، لكنهم يركزون على حشد الدعم الشعبي لإيجاد بديل ل"بوتين"، ويضم هذا المعسكر كلًّا من الملياردير "ميخائيل خودروكوفسكي"، والمحامي "أليكسي نفالي" الذي تم الحكم عليه في قضية فساد في 8 فبراير 2017، مما سيفقده الأهلية للترشح للانتخابات المقبلة.
وتُعد نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة ضمن أهم التحديات التي يواجهها النظام السياسي الروسي، خاصة وأن معظم استطلاعات الرأي ترشح فوز "بوتين" بولاية رابعة؛ إذ أظهر استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة "Levada Center" المستقلة لبحوث الرأي العام، أن حوالي 64% من الروس يؤيدون بقاء "بوتين" في السلطة لولاية رابعة عام 2018.
ويمثل غياب منافس قوي ل"بوتين"، إضافة إلى التداعيات الداخلية لحالة الركود الاقتصادي؛ عاملين محفزين لعزوف الناخبين، وهو أمر اتضح بشكل كبير في تراجع نسبة مشاركة الناخبين في انتخابات مجلس النواب الروسي (الدوما) من 60% عام 2011 إلى 48% في سبتمبر 2016، وهي الانتخابات التي حسمها حزب "روسيا الموحدة" الذي يقوده "بوتين" بحوالي 54% من الأصوات.
ويبقى التحدي الأكبر هو زيادة مشاركة الناخبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن المرجح أن يستغل الرئيس "بوتين" شعبيته الجارفة، وإنجازاته على الصعيد الخارجي، وخطابه القومي الذي يرتكز على استعادة المكانة العالمية لروسيا، بهدف تحفيز الناخبين على الإدلاء بأصواتهم لتتحول الانتخابات إلى استفتاء شعبي على شرعية النظام الروسي بقيادة "بوتين".
مواجهة التهديدات الخارجية:
يكشف تتبع التداعيات الجيوسياسية للسياسات الروسية على المستوى الخارجي خلال فترة حكم الرئيس "بوتين" عن عدم صحة التقييمات السائدة في الأوساط الأكاديمية الغربية، إذ طالما وصفت المصادر الغربية في مراحل سابقة سياسات "بوتين" بالانفعال والتهور والتركيز على ردود الأفعال قصيرة الأمد والافتقاد لاستراتيجية واضحة.
وأكدت سياسة "بوتين" خلال الأزمتين الأوكرانية والروسية عن قدرة روسيا على فرض تصوراتها، والتصدي لمحاولات الهيمنة الغربية، بالإضافة إلى تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد لتحقيق المصالح الروسية، والتعامل ببراجماتية مع التحولات الدولية والإقليمية. ومن غير المرجح أن تشهد السياسة الخارجية الروسية تغيرًا جوهريًّا في مسارها الحاكم خلال عام 2018، بحيث يرجح أن تركز على ما يلي:
1- الثبات على نهج بريماكوف: ستواصل روسيا سياسات الانخراط النشط في أقاليم العالم المختلفة كقوة عظمى قادرة على التأثير في التفاعلات الدولية. كما تميزت سياسة "بوتين" بالتوفيق بين المصالح المتنامية لروسيا في الخارج وتهديدات تعارض هذه المصالح مع مصالح الدول الأخرى، وتجنب التصعيد غير المحسوب الذي يؤدي لاندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في ظل إدراك براجماتي لحدود القوة الروسية، وعدم امتلاك روسيا الاتحادية نفس أدوات القوة التي كانت متاحة للاتحاد السوفيتي السابق".
وتركز روسيا على الحفاظ على حقها التاريخي في أن تكون قوية، وهو ما أشار إليه "بوتين" في خطابه أمام مجلس النواب الروسي في 5 أكتوبر 2016 بتركيزه على الثبات على نهج "يفكيني بريماكوف" الذي شكلت أفكاره حول عالم متعدد الأقطاب، إطارًا عامًّا للسياسة الخارجية الروسية"، ومثلت سياسته حول محور "موسكو، دلهي، بكين" أساسًا لتحرك موسكو في إطار تكتلات إقليمية أبرزها تكتل "بريكس" و"منظمة شنغهاي للتعاون".
2- تعزيز التكامل الأوراسي: يتطلب الحفاظ على القوة الروسية، استقرار محيطها الإقليمي، وهو ما سيدفع بالقيادة الروسية إلى الاستمرار في العمل على تعزيز وجودها وتأثيرها في الجمهوريات السوفيتية السابقة، في إطار عقيدة "الخارج القريب" (Near abroad) التي وضعها "أندريه كوزيريف"، التي تقوم على تعزيز تجربة التكامل في أوراسيا، بتحسين علاقات موسكو مع جيرانها في آسيا الوسطى والقوقاز والبلطيق، ومحاولة إقناع باقي دول هذه المناطق بالانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأرمينيا)، كإطار مؤسسي يهدف لخلق مناخ سياسي واقتصادي بين الجمهوريات السوفيتية السابقة، عبر رفع الحواجز المادية، والسياسية، والاقتصادية، في المحيط ما بعد السوفيتي.
3- احتواء الضغوط الأمريكية: يُمثل تولي "دونالد ترامب" الرئاسة الأمريكية -عكس ما يراه العديد من المحللين- تحديًا كبيرًا للقيادة الروسية، إذ إن هناك مخاطر عديدة تصاحب التعامل مع شخصية شعبوية دخلت المشهد السياسي الأمريكي من خارج أطره وضوابطه التقليدية.
وبالرغم من أن "ترامب" عبر مرارًا خلال حملته الانتخابية، وكذا بعد توليه السلطة، عن نيته تحسين العلاقات مع روسيا، وألمح إلى إمكانية رفع العقوبات الاقتصادية عنها؛ فإن التحدي الأكبر ل"بوتين" يتجلى في كيفية التوصل إلى تفاهمات مع الرئيس الأمريكي الجديد، الذي ينظر لأي اتفاق مع موسكو من منظور "الصفقة" التي تتطلب تفاوضًا شاملًا، تترابط فيه القضايا الأساسية (العلاقات الغربية مع روسيا، وأوكرانيا، وحلف الناتو)، مع "المصالح الثانوية" مثل (العلاقات مع الصين، وإيران، وسوريا).
وفي هذا الصدد، يربط "ترامب" تحسن العلاقات مع موسكو، وتخلي إدارته عن قضية أوكرانيا، بدعم "بوتين" للموقف الأمريكي من السياسات الصينية، ومراجعة الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى حجم العلاقات الاستراتيجية التي تجمع روسيا بكل من الصين وإيران، ودرجة التنسيق التي بدأت تتصاعد بين هذه الدول في إطار محور (موسكو، طهران، بكين).
ويتوقع أن يتعامل "بوتين" مع ملف الدرع الصاروخي للناتو والأزمة الأوكرانية من خلال تطبيق الاستراتيجية الدفاعية الروسية تجاه الناتو، عبر تعزيز قدرات روسيا الدفاعية، لردع الحلف من التوغل في محيطها الحيوي، واتباع تكتيكات الحرب الهجينة إزاء الأزمة الأوكرانية، بدعم المقاتلين في كلٍّ من "لوجانسك" و"دونيتسك".
وسيحاول "بوتين" الاستفادة من تآكل عناصر القوة الأمريكية التي لم تعد لها القدرة الاقتصادية على تحمل تبعات تدخلها منفردة في كافة الأزمات الدولية، وهو ما يفرض على إدارة ترامب تحديد الأولويات وفق القدرات الأمريكية الراهنة، وفي المقابل ستسعى الإدارة الروسية للتوصل إلى حدٍّ أدنى من التوافق مع واشنطن، بتقديم تنازلات لترامب، بعيدًا عن ملف الناتو والأزمة الأوكرانية، وهو ما تجلى في قبول موسكو مطلب واشنطن في إقامة مناطق آمنة في سوريا.
4- مواجهة التدخلات الخارجية: أكد نائب وزير الخارجية الروسي "سيرجي رييابكوف" في 23 أغسطس 2017، وجود محاولات أمريكية للتدخل في الانتخابات الرئاسية الروسية للتأثير على نتائجها، وترتبط هذه التصريحات بتدخلات أمريكية سابقة في الانتخابات الروسية. ففي عام 2012، وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية -آنذاك- "هيلاري كلينتون" الانتخابات التشريعية الروسية في ديسمبر 2011 بالمضللة وغير النزيهة، وهو ما تبعه تفجر مظاهرات حاشدة في ميادين موسكو وسان بطرسبرغ، وبدء المعارضة حملات لحشد الرأي العام ضد "بوتين"، في محاولة لاستغلال زخم الثورات العربية في الإطاحة بحكمه.
وستركز سياسات التأثير الأمريكي المحتمل في الانتخابات الرئاسية الروسية على صناعة وتسويق صورة سياسية سلبية عن "فلاديمير بوتين" ونظامه السياسي، مع العمل على دعم المظاهرات المعارضة ل"بوتين"، وتمكين المعارضة الروسية من الحصول على التغطية الإعلامية، إضافة إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، ومحاولة جرها في سباق للتسلح، وهو ما ستكون له انعكاسات على الاقتصاد الروسي.
وتطرح مراكز التفكير الليبرالية الأمريكية توصيات ضاغطة تجاه روسيا، مثل: حجب القنوات الإخبارية المدعومة من موسكو، وتأسيس قنوات ناطقة بالروسية للتأثير على توجهات الرأي العام الروسي، ومنافسة المنصات الإعلامية الموالية للكرملين.
واتبع "بوتين" عدة إجراءات لمواجهة التدخل الروسي، في صدارتها تأخير الإعلان عن ترشحه رسميًّا للانتخابات الرئاسية، لتأجيل الصدمات التي ستشكلها المظاهرات المناوئة عقب إعلان ترشحه، كما تسبب ذلك في اضطراب الحملات الانتخابية لمعارضيه بسبب تركيزهم على انتقاده دون طرح بدائل، بالإضافة إلى استعراض الدعم الشعبي لترشحه.
إدارة التحولات غير المتوقعة:
تواجه روسيا معضلة رئيسية في عام 2018 تتمثل في إدارة التحولات الداخلية والخارجية غير المتوقعة في ظل حالة "اللا نظام" التي يتسم بها النظام العالمي في مرحلة "انعدام القطبية" وانتشار القوة بين عدد كبير من الفاعلين الدوليين، وصعود تأثيرات الفاعلين من غير الدول، وتزايد حدة التهديدات العابرة للحدود، مثل: الإرهاب، والتطرف، وتهريب الأسلحة، والهجرة غير الشرعية، وتهديدات الأمن السيبراني.
ويفرض ذلك على الدولة الروسية الاستعداد لمواجهة تهديدات ومخاطر يصعب التنبؤ باحتمالية حدوثها، فمن كان يتوقع أن تقوم قوات الدفاع الجوية التركية بإسقاط طائرة "سوخوي-24" الروسية على الحدود مع سوريا في نوفمبر 2015، أو أن يتم اغتيال السفير الروسي لدى تركيا "أندريه كارلوف" في 19 ديسمبر 2016.
وفي ضوء هذه المعطيات، سيعمل "بوتين" على وضع خطط ومقاربات للتعامل مع نمطين من التهديدات، ترتبط بطبيعة النظام السياسي الروسي ومستقبله، والتهديدات الأطلسية الأمريكية، وتتمثل هذه السيناريوهات غير المتوقعة فيما يلي:
1- الإطاحة بنظام الحكم: يتمثل التهديد الأكثر حدة في خريطة غير المتوقع، عبر حدوث مفاجأة كبرى في الانتخابات الرئاسية تتسبب في الإطاحة بحكم الرئيس "بوتين"، وهو سيناريو يندرج ضمن المسارات المستبعدة وغير المحتملة التي يطلق عليها "البجعة السوداء" (Black Swan)، إذ لا يوجد منافس حقيقي ل"بوتين" ضمن المرشحين للانتخابات، كما أن شعبية "بوتين" تكفل له حسم السباق الانتخابي دون حملة دعاية انتخابية، ولا يمنع ذلك أن "بوتين" يتحسب بحذر للاحتمالات غير المطروحة من خلال التصدي للتأثير الغربي في الداخل الروسي.
2- تفجر حرب مع الناتو: يتمثل التهديد الثاني غير المتوقع في تزايد مستويات التوتر مع الناتو والولايات المتحدة، وتفجر مواجهة عسكرية مباشرة بسبب سياسات التوسع التي يتبعها الناتو، وقيامه بنشر الدرع الصاروخي في دول البلطيق وبولندا(8)، وهو أمر يدفع روسيا لتعزيز استراتيجيتها الدفاعية، بوضع تدابير احترازية للحفاظ على الردع الاستراتيجي النووي، وتعزيز قدرات موسكو التقنية والتكنولوجية التي تتيح لها السيطرة على الملاحة البحرية والجوية في البحر الأسود وبحر البلطيق، والحد من فعالية الدرع الصاروخية الأمريكية في شرق أوروبا، من خلال الاعتماد على منظومات الحرب الإلكترونية ومنظوماتها الصاروخية الدفاعية والتكتيتكية الهجومية.
ختامًا، من المرجح أن تركز روسيا على تحصين الداخل الروسي، والحفاظ على استقرار وتماسك الاتحاد الروسي من خلال تحسين أداء الاقتصاد الروسي، والتصدي للتهديدات الأمنية، خاصة التطرف والإرهاب، بالتوازي مع سياسات استعادة مكانتها في النظام الدولي عبر تعزيز تحالفاتها مع القوى الصاعدة، والانخراط المباشر في بؤر الأزمات الإقليمية، وحماية العمق الاستراتيجي لروسيا من الاختراق الغربي.
*مركزا لمستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.