يسهل أن نلاحظ مدى تفاقم ظاهرة التسول في المناسبات الدينية ببلادنا، حيث تمتلئ الشوارع والممرات وأبواب المساجد والمحلات التجارية بجحافل المتسولين، بمختلف أشكالهم، وتعدد وسائل وطرق استجدائهم لعطف المواطنات والمواطنين، الذين يبادر الكثير منهم إلى التعاطف معهم، وتمكينهم من بعض المال والإكراميات، استجابة لما تشيعه هذه المناسبات الدينية، وعلى رأسها رمضان، من معاني وأجواء ذات طبيعة روحانية، معتبرين ذلك صدقة يتقربون بها إلى الله في هذا الشهر الفضيل. هذه عموما هي الصورة النمطية التي تتكرر باستمرار، وتزداد تفاقما في المناسبات الدينية، وفي شهر رمضان بخاصة، دون طرح الأسئلة التي يجب طرحها هاهنا، وهذه بعضها: لماذا يمارس بعض المواطنين والمواطنات أسلوب التسول؟ وأين تختفي الجهات المعنية بمواجهة ومعالجة هذه الآفة الاجتماعية؟ واضح أن أمر المتسولين والمتسولات لا يخلو أن يكون؛ إما بداعي الاضطرار والفقر والحاجة، وهؤلاء يجب أن يمكنوا من أسباب الحياة الكريمة، في حدودها الدنيا على الأقل؛ وإما بداعي التدليس والكذب على المواطنين وخداعهم، وهؤلاء يجب أن يخضعوا للمتابعات القانونية والتربوية، المنصوص عليها في هذا الباب؛ وإما أن يتعلق الأمر بحالات مرضية، يحترف أصحابها التسول، بغاية جمع المال ومراكمته، حتى دون استعماله أو الحاجة إليه؛ وهؤلاء يجب أن يعرضوا على مختصين في الأمراض العقلية والنفسية، بقصد معالجتهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. ما يعني بالنهاية أن أمر التسول أكبر من مجرد صدقات وأعطيات فردية محدودة، وأن مسؤولية الجهات المعنية في رصد ومعالجة هذه الآفة واضحة وثابتة؛ فهؤلاء المتسولون في النهاية هم مواطنون ومواطنات كغيرهم تماما، يستحقون الحياة الكريمة بهذا المعنى المواطن، وهذا هو مبرر وجودهم في هذا البلد، وليسوا هنا لقضاء أيامهم في استدرار عطف الناس وانتظار صدقاتهم، بحق وبغير حق. هذا إذا جاز أن نسميها صدقات، لأن الصدقة من منظور الدين لها معناها الخاص والدقيق، ولها غاياتها المحددة، وتكون بعد معالجة الآفات الاجتماعية، وتحقيق شروط الحياة الكريمة، حتى إذا ما بقي هناك نقص ما، تأتي الصدقة لسده واستكمال ما نقص. ولا تعطى الصدقة، بهذا المعنى الفردي، إلا لمستحقيها، الذين يجب البحث عنهم بحثا، والذين قلما يتسولون الناس، لأنهم ببساطة لا يقبلون المتاجرة بكرامتهم. فالصدقات، كما الزكوات، أموال وأعطيات يجب أن تذهب إلى أهلها، وإلا لا معنى لها بالمطلق، بل وقد تكون سببا في مفاقمة آفة التسول وإدامتها، حين تتحول إلى دراهم وإكراميات توزع اعتباطا، وكيفما اتفق، وبلا تفكير في مآلاتها وما الذي تستطيعه وتعنيه. إن الصدقة، بما هي مبادرات فردية أو جماعية محدودة، لا يمكن أن تكون علاجا لمشكل التسول، ولا تفيد كثيرا في مواجهة آفة الفقر، بما هي آفة بنيوية، ترتبط ببنيات المجتمع، وتعني الحاجات الأساسية والضرورية لحياة المواطنين والمواطنات، وتسائل المؤسسات المعنية بمواجهة هذه الآفة، عبر سياسات وبرامج ومشاريع، بأهداف واضحة ومتنوعة، قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى. إذ الأمر اليوم يتعلق بالمجتمع الحديث، الذي يعني مجتمع المؤسسات، ومجتمع الهيئات التي تقوم بأدوارها، أو لا تقوم بها. وكثيرا ما يحلو لبعضنا، بدافع الحماسة الدينية، أن يشيد بعمل الخليفة عمر بن عبد العزيز في هذا الباب، حين لم يوجد في زمانه من يأخذ الزكاة، كما قيل. لكننا ننسى بالمقابل، أو نتناسى، أن عدم أخذ الصدقة أو الزكاة دليل على الشعور بالاكتفاء وعدم الحاجة، ومؤشر على اضطلاع المجتمع السياسي، ثم المدني بأدوارهما، بالمعنى الذي كان قائما آنذاك. ما يعني الحاجة إلى سياسة واضحة وبرامج ناجعة، تفي بالغرض، وقبل ذلك وبعده، امتلاك إرادة حقيقية، لضمان شروط الحياة الكريمة لكافة المواطنين والمواطنات، وبلا استثناء.