باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    تزوير أوراق نقدية يورط أربعينيا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    حماس تشيد بموقف الموظفة المغربية ابتهال أبو السعد لفضحها تواطؤ "مايكروسوفت" مع آلة الحرب الإسرائيلية    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    إنتر يسقط في فخ التعادل أمام بارما (2-2)    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    مهندسة مغربية تفضح مسؤولاً بارزاً في مايكروسوفت خلال احتفال رسمي: تدعمون إبادة غزة    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مركز يدعم التمدرس في وضع إعاقة    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    ندوة صحافية لتقديم النسخة الثامنة من ماراطون الرباط الدولي    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة يتعادل مع نظيره الكيني    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    إسبانيا.. العلاقات مع المغرب من بين "الأقوى عالميا" ولا تقارن إلا بالعلاقات الأمريكية البريطانية    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    المغرب فرنسا.. 3    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور المهدي المنجرة ل هسبريس : الديمقراطية ممكنة بحزبين فقط
نشر في هسبريس يوم 19 - 02 - 2009

يرى الدكتور المهدي المنجرة خبير الدراسات المستقبلية أن بإمكان المغرب بقليل من الإرادة والشيخقراطية كما أسماها أن يتغلب على المشاكل الكبرى التي تواجهه. ""
في هذا الحوار الخاص ب"هسبريس" يتحدث لنا الدكتور المهدي المنجرة عن ركود الأحزاب المغربية وأزمة التعليم ورؤيته للتنمية البشرية.
الأجيال الصاعدة ستهتدي للطريق وستجد الحل، ومصدر تفاؤلي نابع من بداية وعي المغاربة.
كل الأحزاب المغربية ضيعت مصداقيتها والديمقراطية ممكنة بحزبين فقط.
القناة الأولى لا تملك الجرأة الكافية كي يعبر فيها الإنسان عما يريد و لديها جانب يخدم ما بعد الاستعمار الفرنسي وأحيانا حتى تأثير صهيوني.
أقترح تطبيق زكاة للمعرفة، فليس المال وحده ما يجب أن نزكي عليه.
الأزمة الأولى في المغرب هي أزمة التربية.
غياب أجواء الحرية أكبر عدو للابتكار.
من جديد تُمنَعُ داخل المغرب، ماتعليقك؟
منعي حقيقة أمر ثانوي بالمقارنة مع بعض الخروقات التي تقع في ميدان حقوق الإنسان، والتي تمس كثيرا بحرية التعبير من قبيل محاكمة وسجن الصحافيين. قضية منعي 12 مرة بالطبع أيضا لا تشجع الناس على الجرأة والصراحة في التحليل. آخر منع تعرضت له كان في لقاء مفتوح مع الطلبة بكلية العلوم بالرباط، التي هي جزء من جامعة محمد الخامس، والتي أعتبر أقدم و أول أستاذ بها منذ 1958، وأنا لا أفهم كيف يمنع انسان، بمجرد ما يتنقل من كلية إلى أخرى داخل نفس الجامعة. هذه أمور تدفعني شخصيا للدفاع أكثر على كرامة الإنسان بوسائل عديدة، مثل جائزة "حوار شمال جنوب" الممولة من مداخيل كتبي السنوية والتي أمنحها منذ منذ سنة 1992. هذه السنة غيرت اسمها نحو "جائزة الدفاع عن الكرامة" لأن الكرامة التي أنجزت دراسة حولها تعتبر من أهم المكتسبات في حياة الإنسان والمجتمعات والدول. وليس صدفة ونحن في شهر رمضان أن نتحدث عن القرآن الكريم، فكلمة الكريم في اللغة العربية تحيل إلى مجموعة من المعاني منها الشرف والمصداقية وغيرها إذ لا حدود لعدد الترجمات التي تُعطَى لهذه الكلمة سواء باللغة العربية أو بلغات أخرى.
وكيف تتصدون لهذا المنع؟
الذي يؤلمني ويحز في قلبي منذ 10 سنوات شيء واحد، وهو أنني لا أعرف سبب منعي ولا من يقف وراءه. أنا لست رجل أعمال ولا رجل حزب أو سياسية بالمعنى الضيق للكلمة، لذا أقبل الأمور كما هي وكما تأتي. في كل مرة أُمنع فيها أقبل القرار و أرفض إحداث ضجة. في كثير من الأحيان يطلب مني الحضور والمنظمون أن لا أغادر القاعة، لكن في النهاية على الإنسان يحترم السلطة في إطار القانون.
لدي ردود فعلي الخاصة بي، بعضها تجدها في موقعي حيث أدخِل مثلا الرسائل المعارضة لقرارات والتي تردني من داخل الوطن ومن باقي دول العالم وهذه المساندة هي الأساس عندي.
على ذكر الأنترنت وتقنيات الإعلام وباعتبارك رجل تواصل بامتياز مؤسف غياب تواصل بينك وبين..
لا، اسمح لي على المقاطعة، لدي تواصل مع المجتمع. أولا هناك موقعي الذي حدثتكم عنه والذي وصل اليوم إلى حوالي 630 ألف زائر، وكل واحد يزوره يتحدث بشأنه لشخصين أو ثلاثة. ثانيا أنشر في الصحف مقالات وأجري إستجوابات مع عدد مهم من الجرائد، ولدي الكتب التي يُعتبر رواجها مهما نسبيا في المغرب. هذه النوافذ مهمة ولا أقلل من قيمتها إذ لها تأثير دائم على الناس أحيانا أكبر حتى من المحاضرات واللقاءات التواصلية المباشرة.
كنت أود أن أسألك عن التلفزيون بصفة خاصة
التلفزة حكاية أخرى. عبده ربه هو من اشترى التلفزة المغربية (TELMA) باسم الدولة طبعا واسمه كمدير الإذاعة قبل ن أقدم استقالتي منها في ماي 1960. كانت التلفزة مهيئة كي تبدأ عام 1953 تحت إشراف الفرنسيين لكن المغاربة قاطعوها بإيمانهم فأفلست ولم يكن بامكانها الإشتغال. عندما جاء الإستقلال أمَّنْتُ الأمواج حينما مَرُّرتُ قانونا يعطي للدولة ، وللدولة فقط، حق التصرف فيها. اشتريت التيلما ب 100 مليون سنتيم فقط بعدمع العلم أن ميزانية وزارة التخطيط لشراءها كانت 600 مليون تقريبا.
اليوم أتلقى الكثير من الدعوات من القناة الثانية والأولى وأرفضها باستثناء تلك التي تصلني من بعض البرامج الثقافية تشجع الخلق والإبداع والتي لا تحركها خيوط سياسية أو تنبني على مواقف مجاملات. يمكن أن أذكر حضوري في إحدى الربامج رفقة الفنان التشكيلي بن يسف على سبيل المثال. ورفضي المرور في القنوات التلفزية المغربية له مبرره. القناة الأولى مثلا لا تملك الجرأة الكافية كي يعبر فيها الإنسان عما يريد، وثانيا لديها جانب يخدم مابعد الإستعمار الفرنسي وأحيانا تخضع لتأثيرات صهيونية، وأنا لا أريد أن أهدر عمل سنوات طويلة عبر الارتماء في برامج مجاملات أو برامج تخدم مواقف سياسية ضيقة. هذا إذن نوع من الرقابة الذاتية أمارسها على نفسي كي لا أتعارض مع مبادئي، لأن ذلك سيكون تناقضا والشعب المغربي لا يقبل التناقض.
وما سبب كل هذا الرفض.. رفض في دخول التلفزيون رفض الإستوزار ودخول عالم السياسة....؟
أنا أرفض كل هذا، وأرفض أيضا أن تقول بأنني لست سياسيا. لماذا، لأن 33 مغربي يمارسون السياسة، فالمواطنة عمل سياسي. لكن السياسة كمهنة أرفضها و أبتعد عنها أولا لأني أرفض دوما دخول الأماكن الغير المفتوحة في وجه الجميع، وثانيا لأن السياسة لا تتفق كثيرا مع ميدان المعرفة والبحث العلمي، وهذا طبيعي جدا مادامت القواعد الأساسية للعبتين مختلفة. السياسة فيها تغيير وأخذ وعطاء، أما الميدان المعرفي، الذي لا أستطيع أن أتخلى عنه لأني مغرم به، فلا يسمح لك بالتلاعب بالأفكار لأن المجتمع يراقبك والمصداقية العلمية لا ثمن لها ويدفع الإنسان حياته كلها كي يحافظ عليها. هناك بعض الأسماء وهي استثناءات نادرة في العالم نجحت في الجمع بين السياسة والتدريس أو والكتابة.
المناصب السياسية رفضتها أيضا على المستوى الدولي، فقد كنت أشغل منصب نائب المدير العام لليونيسكو حينما اقترحوا علي في مؤتمر دول عدم الإنحياز لعام 1976 الذي أجري بالجزائر منصب المدير العام ورفضت الترشح.
لكني في المقابل ناضلت في عهد الحركة الوطنية إلى جانب حزب الاستقلال، وبعده الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وأناضل إلى اليوم
مع منظمات حقوقية وطنيا ودوليا وهذه سياسة غير وظيفية. إنها سياسة يمارسها الإنسان كي يحقق وجوده وراحة ضميره.
عرفت بعض المدن المغربية اضطرابات أمنية كمسيرة الجياع بزاكورة وأحداث سيدي إفني. ما هي قراءتك لها؟
صدقني لا يمكنني الرد على سؤالك هذا، وهذا ليس تهربا مني، لكن لسبب بسيط وهو راجع لكوني لم أتابع هذه الأحداث كما ينبغي بحكم تواجدي بالسويد. إنه لأمر صعب أن أخوض في موضوع لا أتوفر على معلوماته الأساسية، لكن يمكنني أن أقول اعتمادا على ماوصلني، بأن منظمات المجتمع المدني أخذت مواقفها كما يجب، و من جانب آخر وكمناضل ورئيس مؤسس للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ولو أنه لم تعد لي علاقة وظيفية مع هذه المنظمات، لا يمكن لموقفي أن يكون غير موقف منظمات حقوق الإنسان المغربية والذي تبنته المنظمات الدولية.
سنكتفي بسؤال واحد عن التعليم مادمت تتفادون التعليق على أزمة القطاع كما فهمت من حديثكم لنا قبل إجراء الحوار
يبدو أنك لم تفهمني جيدا. لقد أمضيت حياتي كلها في التعليم، وأعتقد أن من أكبر الشرف الذي حصل لي في حياتي هو لما اختارني نادي روما رفقة أستاذين آخرين (أمريكي وإيطالي) لندرس من سنة 1976 حتى 1979 تنمية العنصر البشري التي أصبحت موضة اليوم. أجرينا خلال تلك الفترة أبحاثا وندوات عالمية حول التعلم Lapprentissage وخرجنا بتقرير كان عنوانه الأصلي "No Limits to Learning" أي لا حدود للتعلم، وقدمته في كتاب إلى العربية تحت عنوان "من المهد إلى اللحد" وهو بالمناسبة متوفر في المكتبات ومترجم إلى 13 لغة. الخلاصة لتي خرجنا بها آنذاك كانت تخالف تماما ماكان سائدا حينها، حيث كانت فكرة النمو تُرى على أنها أساس التقدم. أول تقرير أصدرناه في نادي روما كان هو Pas de limites à la croissance "" أي لا حدود للتنمية / النمو، وكتبنا بأن التنمية، كما كانت تُرَى حينها، غبر ذات قيمة بدون اعتبار للموارد البشرية والعنصر البشري والإنسان كهدف وكوسيلة لتقدم المجتمع.
وما سبب فشل التعليم في المغرب على غرار الكثير من دول العالم الثالث؟
كانت تلك نوعا ما أطروحة الكتاب. فشل عدد من الدول في التربية يعود لأسباب سياسية مثل تقسيم مسؤولية التربية على عدة وزارات، حيث نجد مثلا وزارة التعليم الإبتدائي، و.ت.الثانوي، و.ت. التقني، و.الثقافة التي هي جزء من التربية...إلخ. هذا الخلط لا يساعد على تكوين صورة شمولية. أي إصلاح يجب أن يتم من البداية حتى النهاية، لهذا فالتربية ما قبل المدرسية تكتسي أهمية بالغة، ودول العالم الثالث لا تهتم بما بما يكفي، لأن الطفل عندما يصل إلى سن 7 سنوات تكون %70 من برمجة دماغه قد اكتملت وهذه حقيقة طبية أثبتتها بحوث اختصاصيين في البسيكوبيداغوجيا.
مرحلة ماقبل التمدرس مهمة جدا وتؤثر في مايليها من المراحل التعليمية لأن الكل متصل فيما بينه، فإذا كان لدى الطفل تهييء قبل ولوجه مرحلة التعليم الإبتدائي، هذا يسهل نجاحه أثناءها ويمهد له طريق النجاح في الثانوي ثم التعليم العالي. الأمر يمكن أن نشبهه بالقطار حيث كل عربة متصلة الأخرى، ورغم أن لكل عربة استقلاليتها الشكلية من حيث المقاعد والنوافذ وتشترك في الطريق الذي تسير عليه، إلا أن المجموعة تحتاج لقاطرة.Locomotive هكذا هي مسيرة التربية التعليم، إنها شمولية. اليوم بدأ المغرب يعي، ومعه الكثير من دول العالم، بأهمية التنمية البشرية وهذا مادعونا إليه منذ سنين.
لكن نسبة الأمية التي فاقت كل الحدود على سبيل المثال لا تعكس هذا الوعي؟
الكل مترابط والفصل لن يساعد على الأمة، لكن بخصوص الأمية أقترح تطبيق زكاة للمعرفة، فليس المال وحده مايجب أن نزكي عليه. مثلا قبل أن ينال التلميذ شهادة البكالوريا سيتوجب عليه تعليم عدد معين من الأميين بالإضافة طبعا إلى اجتيازه الإمتحانات الدراسية بنجاح. نفس الشيء يمكن أن نفرضه على المثقفين والطلبة والباحثين الذين يتقدمون لاجتياز الإمتحانات.
ماذا عن التعليم الجامعي، كيف ترى مستوى الجامعة اليوم بعد هذه السنوات الطويلة من التي قضيتها في التدريس والتأطير؟
لدي ملاحظتين كأستاذ جامعي بالنسبة للجمعة المغربية، واحدة إيجابية وأخرى سلبية.
دعنا نبدأ بالملاحظة السلبية، لأننا نأمل دائما أن تكون النهايات إيجابية. مستوى طلبة السلك الثالث ينقص من مصداقيته سنة بعد أخرى. هناك خلل في التعليم العالي ناتج عن التعليم الجامعي، وهذا واضح من خلال جودة الكتابة باللغة العربية والفرنسية الذي أصبح متدهورا على عكس ما مضى.
حتى مستوى الدراسات والأطروحات نزل بشكل كبير، وهذا واقع يؤسف له، والحكومة أعدت عدة دراسات حول الأسباب لن أدخل في تفاصيلها. يمكنني أن أؤكد لك على أن الأزمة الأولى في المغرب هي أزمة التربية.
الملاحظة الإيجابية هي أن هذه الخلاصة أصبحت خلاصة الجميع، من رئيس الدولة إلى أسفل الهرم. الكل يؤمن بأن أساس كل تنمية هو التربية وأن أهم تنمية هي تلك التي تستهدف العنصر البشري، وهذا أمر حقيقة يثلج القلب. تبقى الآن ترجمة هذه الأفكار إلى قناعات ثم إلى برامج سياسية نراها على أرض الواقع. هذا أيضا يتطلب وقتا، ولا يمكن للإنسان ولا يجب عليه أن يصدر أحكاما مسبقة على نجاح أو فشل مثل هذه المبادرات.
عرف المشهد السياسي تفريخ عدد مهم من الأحزاب. ألا تعتقد بأن ظاهرة التنوع الحزبي هي أفضل طريق نحو الديمقراطية؟
اسمعني جيدا، الديمقراطية ممكنة بحزبين فقط. الأحزاب المغربية كلها ضيعت مصداقيتها وأتحداها أن تنال أكثر من 20 % من ثقة الشعب. هذا الكلام صرحت به في محاضرة بالمحمدية منذ 5 أو 6 سنوات، وآخذتني عليه حينها بعض القيادات الحزبية، لكن الحقيقة أمانا اليوم وهي أقوى من الجميع.
الأهم من كل هذا هو أن تكون هناك انتخابات نزيهة، وأن تتفق طريق الإختيار مع إرادة الشعب. عندما تٌحترم هذه الإرادة لا يمكن للإنسان سوى أن يرحب بوجود الأحزاب السياسية المدافعة عن المواطن. وعلى كل حال نحن لا يمكن أن نعيش بدون أحزاب، لكن الممارسة الحزبسة لها شروطها وتتطلب طقوسا واستقلالية في البرامج. مايحدث عندنا اليوم شيء آخر، إذ تجد اختراعات يومية شبيهة ب"الفاست فود" أو الأكلات السريعة، وليس هناك وصف يمكن أن نطلقه على هذه الأحزاب أفضل من أحزاب الكوكوت مينوت. كيف خلقت؟ كيف تطورت؟ الشعب ليس ساذجا و يتعامل جيدا مع التاريخ والمسار السياسي بذكاءه الفطري وبغيرته على الوطن.
تحدثت في إحدى خواطرك عن " تحزب المخزن بعد مخزنة الأحزاب" هل ينطبق هذا الوصف على حزب الأصالة والمعاصرة؟
مخزنة الأحزاب هو عندما تدخل الأحزاب في إطار مخزني بالمعنى الضيق والقديم للكلمة. مخزنة الأحزاب هو حينما يتحرك المخزن على شكل أحزاب خلال الانتخابات.
ظاهرة تناسل الأحزاب ليس وليد اليوم وبعض منه مقصود إذ كان يعمد بعض المسؤولين في وزارة الداخلية إلى تشتيت الممارسات الحزبية الحقيقية بهدف إعادة التحكم في الوضع. هذا يذكرني أحيانا بالطفل الصغير الذي يحمل في يده كريات زجاجية les billes كي يلعب فتسقط له كلها على الأرض، ليجلس القرفصاء كي يجمعها واحدة واحدة بغرض تكوين مجموعته من جديد.
الآن سندخل مرحلة ثالثة ستكون فيها الأحزاب حزبية والحركات مستقلة بضغوط قليلة وتَدخلٍ خفيفٍ للدولة وأنا متفاءل جدا لهذه المرحلة.
وما سر هذا التفاؤل؟
متفاءل لأننا وصلنا في تاريخ المغرب اليوم إلى مرحلة أصبح فيه الجميع على وعي بالإشكالية. الكل اليوم على وعي بأهمية التربية، بمعضلة الرشوة، بوضعية الفلاحة، بعدم الإهتمام بالحياة القروية، بعدم تشجيع الخلق والإبداع. هذا الوعي الذي يكبر يوما بعد يوم، أؤكد شئنا أم أبينا، لابد أن ينطلق، والأجيال الصاعدة ستهتدي إلى الطريق وستجد الحل.هذا هو مصدر تفاؤلي، إنه نابع من بداية وعي المغاربة.
المشكلة مسألة وقت إذن لاغير في نظرك؟
أنت تعرف أننا في الدراسات المستقبلية نحاول أن نتوقع ما ستكون عليه حياة الإنسان على الأقل بعد 30 سنة، وإن كنا غير متأكدين أننا سنعيش. عندما تتحدث عن المشاكل اليومية فأنت لديك حلول معينة ليست بالضرورة نفس حلول المشاكل القادمة بعد شهر أو بعد سنة. حلول المشاكل تشبه فوائد المال في البنوك، فأنت لكي تجني فائدة أكبر بحاجة إلى الوقت، لذا لا يجب أن نتشاءم ونحطم الأمل خاصة في قلوب الشباب.
يجب أن نشجع العلم لأن معرفة المشاكل هو نصف حلها. هناك أشياء تتغير، لقد سألتموني عن التلفزيون، ومؤخرا فقط شاهدت برنامجا حول الرشوة قيلت فيه أشياء بجرأة لم يكن الإنسان ليتصورها قبل ست سنوات في التلفزيون المغربي. إذن هناك بداية، الآن يتحتم علينا أن نواصل لأن بناء الديمقراطية لا يتم بين ليلة وضحاها. ما يلزمنا إذن هو القليل من الشيخقراطية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.