من المؤكد أن حماس ليست طرفاً محايداً فيما يجري في أروقة السلطة، اللهم إلا إذا صدقنا أن الحكاية من أولها لآخرها هي حكاية فساد وإصلاح، أو أن من يديرونها من وراء حجاب هم الأتقياء الأنقياء الذين لم تتلوث أيديهم لا بالدم الحرام ولا بالمال الحرام، وهو أمر لا يمكن أن يمر على أي عاقل يعرف السلطة ويتابع حقيقة ما يجري على الأرض منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، سيما ذلك الجدل الذي لم يتوقف حول الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين منذ أن اخترع القوم حكاية "عسكرة الانتفاضة" التي "جرّت الويلات على الفلسطينيين وضيعت إنجازاتهم" العظيمة التي تحققت من خلال مسيرة أوسلو!! من المؤكد أن الحرج الذي تشعر به حماس في تحديد موقفها مما يجري هو أن ثمة كلمة حق تقال، وإن فاح الباطل من حروفها، ذلك أن أحداً لا يمكنه إنكار ما تتمتع به السلطة، والأجهزة الأمنية على وجه التحديد من فساد مالي وأخلاقي، لكن حماس تدرك بالمقابل أن ما يقال عن فساد الأجهزة هذه الأيام لا يقارن بما كان عليه الحال قبل انتفاضة الأقصى وحيث قضى كثيرون تحت التعذيب، فيما تعرض خيرة مجاهدي الشعب الفلسطيني للقمع والتعذيب، حتى أن أضلاع الشهيد إبراهيم المقادمة قد كسّرت على أيدي المناضلين الأشاوس، فيما حلقت لحية المجاهد الدكتور محمود الزهار في معرض الإذلال والإهانة. لا شك أن حماس لا تجد نفسها معنية بالدفاع عن أي شكل من أشكال الفساد، بل هي على النقيض منه، لكنها بالمقابل تدرك أن فساداً دون فساد، وأن كفراً دون كفر، كما هي القاعدة الشرعية المعروفة، ولذلك فهي تتعامل مع الفساد المالي والأخلاقي بمنطق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنها تتعامل بالمقابل مع خطيئة التعامل مع الاحتلال والمراهنة على خياراته وبيع جهاد الشعب ودماء شهدائه بمنطق التصدي والوقوف في الخندق الآخر، وإن لم يصل الوضع حد استباحة دماء الفلسطينيين بصرف النظر عن مستوى الخلاف مع أي منهم في الرأي. وفق هذه المعادلة يبدو أن حماس ومعها شقيقتها حركة الجهاد لن تكونا في وارد الحياد في معركة من هذا النوع، ليس إيماناً بالبرنامج السياسي لياسر عرفات أو انتصاراً لخياراته في إدارة السلطة، بل دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإدامة الصراع ما دام الأفق لا يبدو مفتوحاً على أي حل يملك الحد الأدنى من القبول وفق المنطق الوطني والعروبي وقبل ذلك الإسلامي، فضلاً عن منطق الكرامة الذي يعتبره البعض لوناً من الطوباوية!! لا شك أن الانتصار لياسر عرفات في المعركة القائمة سيأتي مشفوعاً بالنصائح الأخوية بإبعاد الفريق الفاسد في السلطة وفي الأجهزة الأمنية لأن مثل هذا الفريق هو عبء على الجميع، وتحديداً على جماهير الشعب التي لا يمكن أن تبقى فريسة القهر على مختلف الأصعدة. ليس لدى حماس أية أوهام حول برنامج الرئيس الفلسطيني الذي يتمحور حول الدور الشخصي، لكن ذلك لا يحول دون دعمه ما دام الأمريكان والإسرائيليون لا يريدونه وما دام الآخرون أقرب إلى التفكير الأمريكي الإسرائيلي، في ذات الوقت الذي يرون فيه تناقضهم الرئيس مع قوى المقاومة وليس مع الاحتلال، تحت دعاوى وحدانية السلطة وفوضى السلاح والبرنامج الموحد، وهي مصطلحات لا تشير إلا إلى شيء واحد هو وقف المقاومة والمراهنة من جديد على لعبة التفاوض. ياسر الزعاترة - كاتب فلسطيني