ثمة أسئلة كثيرة تطرح على الإسلاميين وعلاقتهم بالسياسة الأمريكية في العامل والمنطقة في مرحلة ما بعد خطاب أوباما، وهي الاسئلة التي شكلت المواقف والبيانات الصادرة بعد الخطاب إجابات أولية عنها، رغم ما غلب عنها من طابع المواقف المعدة سلفا والتي لكن الخطاب سوى مناسبة لتكرارها مع شيء من التعديل، مع إشاعة خطاب انتظاري يعفي الذات من مسؤولية الدفع في الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، وهو ما يفرض إعادة التفكير في الأسئلة الأساسية المرتبطة بالخطاب وما بعده. ليس غرض هذه المقالة تحليل الخطاب أو استعراض المواقف التي صدرت، وإنما التقدم نحو تقديم عناصر إطار منهجي يساعد على التفكير فيما ما حصل، وهو ما نعتبره مدخلا أساسيا لتجاوز حالة من المراوحة في تحليل أوباما بين النظر إليه باعتباره حدثا وتحولا في مسار السياسة الأمريكية في المنطقة، أو اعتباره بمثابة خطاب يعكس استمرارية غير معلنة وبمفردات جديدة للسياسة الأمريكية، والمثير أن بعض البيانات والتصريحات لم تر حرجا في الجمع بين الموقفين في نفس البيان، دون امتلاك القدرة على الحسم الواضح، فمن جهة لم تكن قادرة على تجاهل ما رأت فيه تحولا وإلا كان موقفها سكونيا لم ينتبه لما بذل من جهد في تقديم شيء ولو كان معنويا للمسلمين في العالم، ومن جهة أخرى لم تستطع تجاوز حالة اللاثقة والتي تراكمت طيلة عقود من السياسات الأمريكية المنحازة والسلبية في المنطقة. الواقع أن هناك ثلاثة أسئلة جوهرية، تتيح من جهة بناء الموقف المطلوب ليس من الخطاب فقط بل وما بعده، كما يمكن التريكب بين أجوبتها من الخروج من نفق الانتظارية الذي يقبع فيه البعض. أولى هذه الاسئلة، يتعلق بفهم طبيعة التحول وتقدير مداه ومجالاته ومؤشراته، وينجم عن ذلك أسئلة فرعية تبدأ بتفسير العوامل التي أدت لحصوله، ومدى استمراريتها، وهل الأمر يتعلق بحسابات أمريكية داخلية أملتها ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية والمصالح الأمريكية المهددة، أم بحسابات أمريكية خارجية ذات علاقة بالمقاومة التي واجهت السياسة الأمريكية في العراق وأفغانستان، وحالة الممانعة الشعبية تجاه القبول بخيارات الحرب الأمريكية على الإرهاب، فضلا عن الفشل الذريع لسياسة الحصار التي استهدفت الشعب الفلسطيني، أما قد اجتمع فيها كل ذلك لتضاف له أزمة الضمير الأمريكية التي برزت بحدة بعد انكشاف سياسات التعذيب التي انتهجت. أما ثاني الاسئلة، فيهم تحديد العلاقة بين التحول وشخص الرئيس الأمريكي أم أنه يتجاوزه لوجود تحول متنام في المؤسسة الحاكمة بمختلف أجهزتها حول الموقف من العالم الإسلامي، خاصة في ظل الطبيعة المعقدة لبنية صناعة القرار وتنفيذه في الولاياتالمتحدة، ويرتبط بذلك التساؤل حول مدى وجود فرصة ينبغي عدم هدرها، أم أنه مجرد موقف نتج عن توازن سياسي حرج مهدد بالانهيار في أي لحظة، كما يثير ذلك أيضا التساؤل عن احتمالات تحول الموقف الأمريكي ليصبح موقفا يشمل مجموع العالم الغربي ككل. النوع الثالث من الأسئلة يحيلنا على ما بعد الخطاب، والعمل المطلوب لتحويل ما أعلن من نوايا ووعود إلى أفعال وبرامج عملية، ويرتبط به أيضا ما يهم مواجهة المقاومة التي بدأت تنشأ داخل وخارج أمريكا للتوجهات المعلن عنها في الخطاب، ذلك أن التحول المسجل لم يتحقق بمجرد صحوة ضمير أو نتج عن مفاوضات بل نجم عن التفاعل الميداني بين السياسات الأمريكية وبين مناهضيها من جهة، وفشلها في حماية وتحقيق المصالح الأمريكية من جهة أخرى، وهو التفاعل الذي حكم السياسات السابقة كما سيحكم السياسات القادمة، واي غياب عن مسرحه قد يدفع في عودة القديمة. ما سبق عينة من الأسئلة المفصلية في اللحظة الراهنة، والتي قد يساعد الانخراط في تفكيكها على تجاوز منطق التفسير التآمري الذي ينتج السلبية والانسحابية وفي الوقت نفسه تجاوز منطق التفسير بالنوايا الحسنة والذي يولد هو الآخر الارتهان لمبادرات الآخر والتحول لمجرد قطعة غيار في جهاز اشتغاله.