وكانت هذه الزيارته هي الثانية له للمغرب. وذلك بعد زيارته الأولى في صيف 1986 ولكن بجواز سفر ليبي تحت اشراف الراحل القذافي. في هذا الحوار نتعرف أكثر على ظروف الزيارة، وعلاقة أحمد فؤاد نجم بالشعر وبرفيق دربه الشيخ إمام. هذه هي زيارتك الثانية للمغرب. هلا حدثنا عن زيارتك الأولى له؟ كان ذلك في صيف 1986. وقتها كنت في ليبيا، وقد حملت الأخبار زيارة شيمون بيريز السرية للمغرب. اعتبرت هذه الزيارة كخرق للاتفاقية المبرمة بين المغرب وليبيا. شخصيا كنت قلقا من ردة فعل القذافي على هذه الزيارة، فطلبت منه ضبط النفس والابتعاد عن الشتيمة حتى لا يكون ذلك ذريعة للمغاربة. كان رده غريبا عن طبيعة شخصية القذافي، حيث أجابني بحكمة قائلا: " إن جلالة الملك الحسن الثاني، هو بمثابة الأخ الأكبر، وأنه ملتزم باتفاقية وجدة وحريص على تمثين العلاقة بين الشعبين". وجدتني أمام هذا الجواب، أخبره برغبتي في زيارة المغرب. عندها أمر باستخراج جواز سفر ليبي يحمل إسم"نجم الدين أحمد عبد العزيز". يضحك ويعلق باللغة المصرية:" أ الله يا إبني ما فيش أسماء في الدنيا، إلا هذا الاسم القريب من إسمي الحقيقي"، أحمد فؤاد عزت نجم، شوف عبقرية موظف الجوازات." مرت الأمور على خير، ودخلت للمغرب، لأستقر في فندق صغير في الدارالبيضاء يحمل إسم الموحدين. بعد فترة وجيزة، قرأت على صحيفة الاتحاد الاشتراكي، خبرا بتنظيم الذكرى الأربعين للمسرحي الشاب حوري الحسين الذي انتحر. عندها قررت الذهاب إلى مكان الحفل التأبيني. غيرت من هيئتي، ودخلت من باب خلفي. فجأة سمعت صوت الشاعر المغربي حسن نجمي الذي كان يترأس الحفل، وهو يقول:" الآن يلتحق بنا الشاعر العربي الكبير أحمد فؤاد نجم"، لترتفع الهتافات وأغاني الشيخ إمام. في ظل هذا الحماس تناولت الكلمة وتوجهت بكلمة للحاضرين، "قلت لي ليها ليها" لقد انكشف أمري ولم أعد "نجم الدين أحمد عبد العزيز". طلبت الصمت من الجمهور، وأخبرتهم أن لا أحد مسموح له بالكلام، خاصة وأن الأمر يتعلق بتأبين مسرحي شاب موهوب. عرفت فيما بعد أن الكاتب المسرحي محمد بهجاجي هو من تعرف علي وفضح أمري.
بعد هذه الأمسية انطلقت كالوباء في المغرب، أحيي حفلات القراءات الشعرية. أتذكر جيدا أنه في إحدى الفعاليات، تم تخريب وحدة الصوت، فتطوع شاب وأحضر وحدة صوت من منزله، ونحن ننتظر رجوعه، ارتفعت قاعة المسرح بالغناء" دور يا كلام/ على كيفك دور/ خلي بلدنا تعم في النور/ ارمي الكلمه في بطن الضلمه/ تحبل سلمى و تولد نور/ يكشف عيبنا و يلهلبنا لسعه في لسعه/ نهب نثور."… وقتها اغرورقت عيناي وبكيت. ظللت على هذا الحال أتجول بين المدن المغربية إلى أن اتصل بي الكاتب المغربي محمد برادة، الرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب، ليخبرني بأن "مدير الأمن يترجاني أن أغادر المغرب، وإلا سيذبحه الملك الحسن الثاني". لملمت أغراضي وغادرت المغرب شبه مطرود.
لو طلبت منك أن تقيم تجربة الشاعر أحمد فؤاد نجم، ماذا ستقول؟ أستطيع القول بكل اطمئنان: إنني فخور بهذه التجربة. وأن الزمان إذا أعاد نفسه، سأختار أحمد فؤاد نجم، هذا الطفل اليتيم الذي شق طريقه بكل إصرار. لا توجد تجربة خالية من الأخطاء. أخطاؤنا كانت مرتبطة بالمال. لقد كنا، أنا والشيخ إمام فقيرين. كان لنا مبدأ في الحياة، ألا نطلب المساعدة، ولكن لا نرفضها إذا عرضت علينا. كان هدفنا أن ننتشر عند أكبر عدد ممكن من الجمهور. وبدأنا نشجع فكرة تسجيل شرائط "الكاسيت" وتوزيعها بشكل كبير، إلى أن انتشرنا في اوروبا قبل العالم العربي. إنها تجربة شارفت على الخمسين سنة، وأنا راض عليها تماما. أشكر الناس الذي صدقوني واحتظنوني، كي أقوم بما قمت به.
بمناسبة حديثك عن الأخطاء، هل تتذكر بعضها؟ (يصمت قليلا…) خطئي الأساسي، ولو أنني لا أحب أن أبوح به: إنني لم أحافظ على الشيخ إمام وتخليت عنه. كان يلح علي بعدم التخلي عنه. لأنه كفيف وإنسان طيب. لقد تخليت عنه وتركت المكتب الثاني الفرنسي والمخابرات الجزائرية وأبو عمار، أن يلعبوا به. كلهم كانوا شركاء في ضرب هذه الظاهرة. كان يحدث ذلك رغما عني، كنت أضطر للابتعاد عنه أربع ساعات في اليوم للذهاب إلى بيتي ورؤية بنتي. لقد استغلوا هذه الساعات الأربع ليلعبوا بنا ويخترقوننا. وبالرغم من ذلك، فإن الجميل في تجربتنا أنها تخطت حدود مصر ووصلت إلى العالم العربي وإلى بقية العالم. وعندما تتأسس في فلسطينالمحتلة وحدها ست فرق تغني أغانينا، فهذا أمر رائع جدا. كل هذه الأمور ساعدتنا في تجاوز المحن من تعذيب وسجن وقهر. فالشيخ إمام، هذا الانسان الكفيف قضي ثلاث سنوات في سجن انفرادي. إنها قمة البشاعة. حكي لي أن زعيم الجبهة الشعبية الديموقراطية نايف حواتمة وسالم ربيع علي رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، طلبا من جمال عبد الناصر على هامش إحدى القمم العربية بالعفو عنا، فرد قائلا بنوع من الحقد: " لن يخرج نجم من السجن ما دمت حيا." بعد اختتام القمة بساعة واحدة، تعرض لنوبة قلبية فمات.
كيف ترى العلاقة بين البعد الجمالي والالتزام في الشعر؟ أولا، لا يوجد فن خال من السياسة. إن الفن الجيد هو فن سياسي بامتياز. ثانيا فإن الواقع الأليم الذي تعيشه أمتنا العربية، لا يترك لك مجال أن تمر دون الحديث عن أوضاعه السياسية. وهذا يشمل الشعر العامي بمحطاته الثلاث، منذ عبد الله النديم إلى أحمد إبن عروس إلى المحطة الثالثة التي أمثلها، مع كامل الاحترام إلى كل شعراء العامية في مصر، من أمثال بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وفؤاد قاعود وزين العابدين فؤاد. وأنا أسمي العامية المصرية بالعامية العربية، لأنها قريبة من اللغة الفصحى. إن مفردات اللغة المصرية أكثر من مفردات اللغة الانجليزية، حيث تضم أكثر من ستمئة وخمسين ألف مفردة. هذا بالاضافة إلى أنها لغة مفتوحة على اللغات الأخرى. إنها روح متجددة، لأن الشعب المصري شعب متكلم. لدي قصيدة لا علاقة لها بالسياسة ولكن تعمدت أن أستخدم فيها كلمة "البتاع" التي لا نظير لها في أية لغة في العالم. إنها العامية المصرية، لغة جبارة؛ "إبنة كلب". بالنسبة لي ان العامية المصرية هي الابداع الحقيقي الحضاري للمصريين. يمكن لي أن أقول: إن العلاقة متداخلة بين البعد الجمالي والالتزام في القصيدة.
هل من قصيدة أحب إليك في مسارك الشعري؟ طبعا، يرتبط الأمر بالحالة المزاجية، غير أن قصيدة الليل التي كتبتها في سنة 1964، تبقى أحب القصائد إلى قلبي. إنها قصيدة تتعرض إلى ليل القاهرة الذي أعتبره ليل أسطوري. الليل ملاح/تايه سواح/ لا بيوصل شط/ ولا بارتاح/ الليل مشحون باسرار وشجون وألم ونغم/ وكاسات ونايات ودموع وآهات وعبر وحكم/ ومشيت في الليل/ خجلان مكسوف/ إكمن الليل عريان مكشوف/ أفراح الناس/ وجراح الناس/ على صدر الليل عناقيد وصفوف/ وعيون الليل والضلمة جبال/ فاردين على وش السما غربال/ ألماظ مبدور/ في كاسات بنور/ يفرش للنور ع الأرض خيال …..
كيف يقضي الشاعر أحمد فؤاد نجم يومه؟ أستيقظ على الساعة السادسة صباحا، حتى لو خلدت للنوم في ساعة متأخرة. أستيقظ أتبضع لوازم الفطور. وبعد ذلك أشاهد الأخبار. ثم أتفرغ لساعات للكتابة والقراءة. لابد لي أيضا من الخروج لقضاء بقية النهار وسط الناس، أسمع لنبضهم. وعندما يحل الليل أنام حيث يغلبني النوم. أما بخصوص الأكل، فلا طقوس لدي، عندما أتذكره أتناول ما أجد أمامي.
هذه زيارتك الثانية للمغرب، وهي شرعية ماذا تقول؟ تأتي زيارتي اليوم إلى المغرب بطريقة شرعية وبناء على دعوة كريمة من وزيرة الثقافة. وهذا انتصار للشعب وانتصار للناس ولنظريتي التي استنتجتها من زيارتي الأولى للمغرب: "البقاء للشعوب أما الحكام فعرض زائل"