منذ ثلاث سنوات، ينكب فريق للبحث في الأدب المغربي، على إعداد تصور لإنجاز موسوعة للأدب المغربي الحديث. ولأجل ذلك نظم مؤخرا بمقر كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط بمدرج الشريف الإدريسي ابتداء من الساعة 9 صباحا ندوة تحت عنوان «تأريخ الأدب المغربي الحديث: حدود وطرائق»، شارك فيها أساتذة باحثون ونقاد وطلبة السلك الثالث من التعليم العالي. الهدف من هذا اللقاء، هو تسليط الضوء على بعض القضايا النظرية والمنهجية، لتوضيح المشروع الذي يقدم عليه الفريق، من خلال خمسة محاور، تناول المحور الأول المنطلق النظري للموسوعة، وقدمت فيه ورقتان لكل من أحمد أبو الحسن وسعيد يقطين، وتناول الثاني لغة الأعمال الأدبية من خلال ورقتين لكل من عبد الجليل ناظم والحجمري، المحور الثالث استحضر الفترة الزمنية التي تشغلها الموسوعة، وقدمت فيه ورقتان لكل من محمود عبد الغني ومحمد الوهابي، وركز المحور الرابع على معايير انتقاء أسماء المؤلفين، ساهم فيه كل من عزالدين الشنتوف وجلال الحكماوي، وقدمت في المحور الأخير ورقتان لكل من محمد أمنصور وعز الدين بونيت. افتتح الندوة الشاعر محمد بنيس، باعتباره منسقا للفريق، مقدما السياق الذي تندرج فيه والطموح الكبير الذي يقف خلفها، والغاية منها والمتمثلة في إنشاء «موسوعة للأدب المغربي الحديث». وأكد رئيس جامعة محمد الخامس أكدال/ الرباط حفيظ بوطالب جوطي على ريادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في فتح أوراش معرفية مهمة، مشيرا إلى أنه بفضل البحث العلمي ستتمكن الكلية من الانخراط في سياق العولمة بإيجابياتها وسلبياتها. عن هذا المشروع، يقول عبد الجليل ناظم في تصريح ل«المساء»: «إن إنشاء موسوعة ليس أمرا سهلا، إذ يتطلب إمكانيات فكرية ومادية واسعة»، مضيفا أن الفريق انطلق من تصور مؤداه أن الوقت قد حان بعد أن وصل الأدب المغربي الحديث إلى مستوى من التراكم الكمي والنوعي الذي يحتاج إلى مرجعية أدبية وعلمية، تسهل الوصول إليه أولا من الناحية الأدبية، وتضمن له ثانيا الإشعاع الذي يحتاج إليه، وثالثا تخضعه لعوامل موضوعية وعلمية. وأشار ناظم إلى أن التفكير في هذه الموسوعة استحضر كل المجهودات التي قام بها المغاربة في هذا السياق، وعلى رأسها كتاب النبوغ المغربي لعبد الله كنون، وكتاب عبد الله بلعباس القباج حول الشعراء المغاربة الحديثين، مبرزا أن هذا التأريخ الذي قام به عبد الله كنون والقباج كان يستجيب للمرحلة التاريخية التي تميزت برد فعل مزدوج، من جهة إزاء الاستعمار، ومن جهة أخرى، إزاء تواريخ الأدب العربي المشرقية التي لا تدرج الأدب المغربي. من هنا وبحسبه نفهم الأهمية الكبرى لهذه الأعمال في زمنها والتي شكلت ما يمكن أن نعتبره حدثا أدبيا حديثا. وأوضح عبد الجليل ناظم أن العمل الذي يقفوم به الفريق ويستحضره هو فهم هذه الأعمال، وتحليل منطلقاتها من أجل الإنتقال إلى مشروع الحديث عن هذه الموسوعة بمنطلقات معرفية وعلمية، وهذه المنطلقات برأيه، عليها أن تراعي الجانب النظري المعرفي والجانب العملي والمادي، وهذا ما تداوله المشاركون في الندوة. وأكد عبد الجليل ناظم أنه إذا ماتظافرت هذه الجوانب الثلاثة، فإن ما سنقدم عليه سيشكل كما نطمح إنجازا هاما في خدمة الأدب المغربي والثقافة المغربية عموما. وبخصوص الدعم المادي للمشروع، أشار محدثنا إلى أن فريق البحث يتشكل من أساتذة باحثين ينتمون إلى الجامعة، وبأن هذا المشروع الذي حضر في مناقشته في افتتاح يومه الدراسي، رئيس الجامعة وعميد كلية الآداب، كانا قد أعلنا معا وعلانية تبنيهما لهذا المشروع الضخم، وأنهما سيقدمان الدعم الضروري لهذا المشروع الذي نتمنى أن يتحقق. ويذكر أن عبد الرحيم بنحادة، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية- أكدال/ الرباط، كان قد وقف في كلمته، عند ثلاث ملاحظات رآها ضرورية ومهمة، وتتمثل في الإشادة بفكرة وبمشروع تأسيس موسوعة علمية للأدب المغربي الحديث، تعرف بأعلام الأدب الحديث في العربية، على مدى خمس سنوات (2010-2015) وهي مدة الإنجاز، وفي اختيار اللغة العربية، أي أن الموسوعة ستهتم بالدرجة الأولى بكل ما كتب باللغة العربية وفي التحقيب في الأدب المغربي الحديث. واعتبر رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها، في كلمة تليت بالنيابة، البحث في الأدب المغربي الحديث المكتوب باللغة العربية ومشروع الموسوعة عملا طموحا سيسعى حتما إلى تقويض الانكفاء على الذات الفردية التي عرفها المغرب مدة طويلة، وسيفتح الآفاق أمام الأدب المغربي الحديث ليتفاعل مع التحول العميق وبنية المغرب أو العالم العربي الذي يبدو مهووسا بدخول عالم الآخر. وقال محمد بنيس، منسق فريق البحث في الأدب المغربي الحديث «كنا انطلقنا، في عملنا من مسلمة كان التصريح بها مقدمات المنظور الجديد الذي اعتمدناه. وتتمثل في أننا «لا يمكن بعد اليوم أن نقول إن الأدب المغربي الحديث غير موجود». وأكد الباحث أن الندوة تهدف إلى حوار معرفي، حر ومعمق، في مشروع إنجاز موسوعة تشمل جميع الأجناس الأدبية، ومجالات وشرائط الإنتاج الأدبي، كما تتضمن توثيقه، بما يحفظ ذاكرة الأدب والأدباء، التي كررنا مطالبتنا، منذ سنوات، بضرورة الإسراع إلى اعتبارها ذات أولوية وطنية. بذلك يمكن أن تصبح هذه الموسوعة أداة علمية للباحثين وسائر المعنيين بالأدب المغربي الحديث، داخل المغرب وخارجه، مرجعا مضيئا لاختيارات تفيد في ملاءمة مناهج التعليم لأسئلة حاضر ومستقبل المجتمع المغربي، وتساهم في تصالح المجتمع، من خلال مؤسسته التعليمية، مع أدبه وأدبائه. وتدخل الباحثون والنقاد والمترجمون أحمد أبو حسن وسعيد يقطين وعبد الجليل ناظم وعبد الفتاح الحجمري ومحمد الوهابي ومحمود عبد الغني ومحمد أمنصور وعز الدين الشنتوف وعز الدين بونيت وجلال الحكماوي حول مفهوم الموسوعة عبر تاريخ الأدب، دون أن يغفلوا دور الشبكة العنكبوثية في إعطاء الموسوعة بعدها الرقمي. كما أشاروا إلى أهمية الترجمة في التدوين ونقل الأدب العربي الحديث إلى الآفاق الإنسانية، مركزين على نقط مهمة في كتابة الموسوعة وتتمثل بالخصوص في رصد تطور اللغة الأدبية والفرق بين التاريخ والتأريخ والنزوع الإحيائي.