صراع الاستحواذ واللعب المباشر يبرز تباين الأسلوب بين المغرب والكاميرون    منتخب نيجيريا يخمد غضب اللاعبين    "بيدا" يحكم لقاء المغرب والكاميرون    فيروز تفقد إبنها الأصغر بعد أشهر من وفاة نجلها زياد    الريال يتجاوز أتلتيكو مدريد ويضرب موعدا مع برشلونة في نهائي السوبر الإسباني    مراكش.. اعتقال شخص ينتحل صفة وكيل للملك وحجز 500 مليون في حوزته    حموشي يمنح ترقية استثنائية لمقدم شرطة رئيس توفي إثر حادث سير أثناء مزاولة عمله        أرقام مطمئنة عن الوضعية المائية بسدود حوض أم الربيع    الحسيمة.. حادثة سير مميتة بتلايوسف تودي بحياة شخص        24 غراما من مخدر "الكوكايين" توقع بشخصين في قبضة درك باب برد    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة    الرباط تحتضن اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة بالمغرب وإسبانيا وألمانيا    اللاعبون المغاربة عازمون على تحقيق الفوز أمام الكاميرون    الرباط.. انعقاد الاجتماع الدوري المخصص لتتبع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة    بايتاس: المداخيل الجبائية في المغرب سترتفع إلى 366 مليار درهم بحلول 2026        رمزية البذلة الملكية    ما تحليلنا الجيوسياسي وما قراءتنا لما يحدث في فنزويلا؟    ماكرون: العلاقات مع المغرب ركيزة أساسية للدبلوماسية الفرنسية    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم يتعلق بإحداث وتنظيم الأكاديمية المغربية لمهن الطيران    إجراء قرعة كأس أمم إفريقيا للسيدات (المغرب 2026) يوم 15 يناير الجاري والإعلان عن الفائزات المتبقيات في فئات جوائز "الكاف" 2025    أعيدوا لنا أعداءنا حتى يظل .. الوطن على خطأ! 2/2    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    الجامعة تحتج لدى "الكاف" بسبب تأخر تعيين حكام مباراة المغرب والكامرون    سانشيز يدعو إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب    الحكومة تقر إحداث أجرة عن خدمات مؤسسات التكوين الفندقي والسياحي    نشرة إنذارية.. موجة برد من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    موجة برد تمتد إلى الأحد بهذه الأقاليم        استدعاء وزير الفلاحة للبرلمان لمناقشة اختلالات استيراد وتخزين القمح    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    "الإمارات للدواء" تسحب بعض منتجات حليب الأطفال "نستله"    إصابة مادورو وزوجته خلال الاعتقال    الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية بينها 31 أممية    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية    الجمعية العامة للأمم المتحدة.. تعيين هلال للمشاركة في تيسير مراجعة الاستراتيجية العالمية الأممية لمكافحة الإرهاب    تحذير عاجل.. ميزة خفية في Gmail قد تضع خصوصية المستخدمين على المحك    "التعري الافتراضي".. الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي وتهديد خطير للخصوصية        جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو مقاربات جديدة لدراسة الأدب الأندلسي
مجموعة البحث في مائدة مستديرة بالدار البيضاء
نشر في العلم يوم 12 - 03 - 2009

نظمت أخيرا مجموعة البحث: «الأدب الأندلسي في اتجاهاته وتجاربه الإنسانية الكبرى» في إطار شراكة بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط و مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء مائدة مستديرة في موضوع: «نحو مقاربات جديدة لدراسة الأدب الأندلسي»، بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء. وقد شارك في هذا اللقاء العلمي المتميز أساتذة من داخل المغرب وخارجه، وهم من المغرب:
ذ. محمد بنشريفة، عضو أكاديمية المملكة المغربية، والأساتذة: فاطمة طحطح، نعيمة مني وأحمد بوغلا من كلية الآداب بالرباط. و الأستاذة نادية العشيري من جامعة المولى إسماعيل، مكناس.
كما شارك من إسبانيا الأساتذة الأجلاء: د. فيديريكو كوريينتي (Federico Corriente) من جامعة سرقسطة، ودة. ماريا أركاس كامبوي (Maria Arcas Campoy) ودة. ماربياس أكيار (Maravillas aguillar) وهما من جامعة لا لغونا، تنيريفي (Tenerife). وشارك من الولايات المتحدة الأمريكية د. أليكس إلينسون (Alex Elinson) من جامعة مدينة نيويورك.
قد انبنى هذا اللقاء على تصور نظري أسس له أ. أحمد بوغلا منسق هذه المائدة المستديرة؛ تصور منطلق من طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بنشأة الأدب الأندلسي، وبهويته، وبخصائصه؛ أسئلة ممتدة زمانيا ومكانيا، تعكس رؤية كل باحث، وزاوية نظره، بناء على قناعاته العلمية وعدته المنهجية أولا، وانتمائه الجغرافي والثقافي ثانيا. والأمر كذلك؛ فهو يرجع إلى أن الأدب الأندلسي عرف وضعا اعتباريا خاصا، فبعد نهايات الأندلس، أصبحت هذه الأخيرة ملكا مشاعا، وأصبح كل واحد يبكي ليلاه، ويدعي حبه لها دون غيره. من هنا حاول المشاركون في هذه المائدة المستديرة الإجابة على الأسئلة التالية:
* هل يمكن كتابة هوية جديدة للأدب الأندلسي ؟
* كيف نموقع الأدب الأندلسي اليوم ضمن خريطة الآداب العالمية ؟
* ما هي مظاهر تفاعل هذا الأدب مع الآداب العالمية، وما هي امتدادات هذا التفاعل ؟
* ما مدى استفادة الباحث في الأدب الأندلسي مما استجد من مناهج نقدية، وما الذي يمكن أن تحققه القراءة العلمية الواعية لهذا التراث، وما أوجه كفايتها التفسيرية والمعرفية ؟
* كيف نستحضر روح الأدب الأندلسي في تعبيره عن قضايا وتجارب إنسانية كبرى، ونوظف ذلك فيما يخدم الراهن الإنساني ؟
وعليه فقد انتظم هذا اللقاء العلمي في ثلاثة محاور:
المحور الأول: «الأمثال والموشحات الأندلسية: رؤى متعددة»، المحور الثاني: «أجناس أدبية أندلسية: مظاهر التفاعل»، المحور الثالث «مقاربات وتصورات جديدة عن الأندلس».
افتتحت هذا اللقاء الأستاذة فاطمة طحطح رئيسة مجموعة البحث، متقدمة بالشكر الجزيل إلى المشاركين في هذه المائدة المستديرة، وكذا إلى الذين سهروا على تنظيمها، وذكرت على الخصوص السيد نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط د. عبد الرحيم بنحادة الذي لم يأل جهدا لإنجاح هذا اللقاء، كما أعربت عن شكرها الجهة المستضيفة، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود التي يعرف جل الباحثين المجهودات العلمية الهائلة التي تقوم بها هذه المؤسسة العريقة للمساهمة بشكل فعال في النهوض بمستوى البحث العلمي بالمغرب، سواء عبر خدماتها المكتبية، وما توفره من ذخيرة مرجعية للباحثين في مختلف التخصصات، أو بتنظيمها وتمويلها لأبحاث ولقاءات علمية متميزة.
كما ذكرت رئيسة مجموعة البحث أ. فاطمة طحطح بمحاور اللقاء، وقالت إنها محاور أساسية تجمع، من جهة، بين التصور النظري والتحليل النصي، كما تستلهم من روح هذا اللقاء العلمي السعي نحو طرح مقاربات جديدة عن الأندلس، وهي من جهة أخرى تساير التوجه النظري لمجموعة البحث، التي تجعل من مفردات التفاعل والتداخل الثقافي وحوار الحضارات، مقولات مؤطرة للحقل المفاهيمي الذي تشتغل به، خصوصا أن أبحاثها تركز على الأندلس كفضاء للتقارب والتعايش الإسلامي- المسيحي- اليهودي، كما أنها تنادي بضرورة تفعيل التقارب المغربي الإسباني الذي تحكمه علاقات القرب والصداقة والتاريخ المشترك. وذكرت أخيرا بأهم أهداف فريق البحث والتي تتلخص في تقديم قراءات وتأويلات جديدة للنصوص الأدبية الأندلسية، سعيا نحو كتابة تاريخ أدبي أندلسي يراعي خصوصيات الثقافة الأندلسية، دون التغاضي عن ربط هذا التاريخ بمختلف السياقات الحضارية والمعرفية التي حكمته.
انطلق المحور الأول صباح يوم الجمعة 06 فبراير، ساهم في إثرائه الأستاذان الجليلان: د. محمد بنشريفة بمساهمة علمية تحت عنوان: «تاريخ الأمثال والأزجال في الأندلس». ود. فيديريكو كوريينتي (Federico Corriente) بموضوع: «الأمثال والأزجال الأندلسية بعد ابن قزمان».
وقد كانت مداخلة الأستاذ محمد بنشريفة غنية بالفوائد والفرائد عن موضوع الأمثال والأزجال في الأندلس، ذاكرا في بداية المساهمة أن «محور الأمثال والأزجال يصنف في إطار التراث العامي أو الشعبي، وهو مهم للغاية؛ إذ يقدم لنا الوجه الثاني للتراث الأندلسي»، كما أضاف: «وما أظن أن هذا الإسم يحمل دلالة قدحية». مذكرا بالمواقف السلبية التي كانت لبعض الأندلسيين منه، ومنهم ابن بسام والمراكشي الذي يقول إن هذا الفن مما يجب أن تصان عنه التآليف والمخلدات.
كما كانت مساهمته العلمية ذات بعد تأريخي كذلك، عندما تحدث عن تاريخ نشوء هذا الفن الأصيل بالأندلس والمغرب والمشرق، ساردا حكاية اشتغاله بهذا الموضوع منذ أن كان فكرة إلى أن صار سفرا متكونا من خمسة أجزاء (قامت بطبعه مؤخرا وزارة الثقافة بالرباط) جمع مادته من مختلف المصادر، واشتغل على سلسلة متواصلة الحلقات تمتد إلى عشرة قرون، تبدأ في الأندلس مع ابن هشام اللخمي وبعده الزجالي والرندي وغيرهم، وتنتهي في المغرب مع ما دونه اليوسي في «زهر الأكم»، وهي كلها تحكي فورة الثقافة الشعبية الأندلسية، وتعبيرها عن آمال وآلام الأندلسي.
المساهمة العلمية الثانية كانت للأستاذ الجليل فيديريكو كوريينتي (Federico Corriente) بموضوع: «الأمثال والأزجال الأندلسية بعد ابن قزمان» تصدى فيه لفصل المقال في التوشيح والزجل اللذين كثر النقاش فيهما بدون أدلة قاطعة، ولا إثبات حقيقتهما أحيانا، فتحدث أولا عن نشوء الفنين في الأندلس، وانتشارهما في المغرب والمشرق؛ وذلك أن أقدم الموشحات المحفوظة لنا راجعة إلى عصر الطوائف، وذكر كذلك أن بواكير الموشحات وضعت في القرن الثالث الهجري؛ نتيجة تقليد المسمطات المشرقية، وتزويدها بعنصر جديد وهي الخرجة غير الفصيحة المقتبسة من زجل شعبي بدائي، أي عبارة عن دوبيت، وأن نظرية رجوعهما إلى أصل عجمي أضحت مفندة تفنيدا نهائيا.
وعرج الأستاذ فيديريكو على أسباب تغير الميول الجمالية وبواعثها النفسانية أو الاجتماعية في دراسة هذين الفنين متسائلا: «فلماذا اختلفت درجات الإقبال عليهما لدى الأدباء العرب على مر العصور من الإهمال إلى الإعجاب، ثم إلى الخمول ثانيا؟»
مجيبا بأن هذه التحولات تخضع لشروط منهجية وإيديولوجية أحيانا، مذكرا أن إعادة العناية بالفنين لدى المستشرقين، على الأقل، في أواخر القرن التاسع عشر مصدره فيما كان شاع في أوربا من التطلع إلى معرفة شاملة للكون وللإنسان حتى أدنى تفاصيلهما.
وقد ختم الأستاذ حديثه بأن البحث في هذا الفن المتميز متسع أمام الباحثين في الأدب الشعبي المغربي والأندلسي، ليقوموا بدراسات أعمق وأوسع في تراث الفنين، سواء منه النصيب المعروف منهما سابقا معرفة سطحية، أو النصوص المجهولة إلى اليوم النائمة في مخطوطات في خزائن المكتبات.
وقد تخللت المساهمتين مناقشات علمية هادئة قبل الانتقال مساء إلى المحور الثاني: «أجناس أدبية أندلسية: مظاهر التفاعل» والذي ساهم فيه الأساتذة: فاطمة طحطح بعرض عنوانه: «القصائد الثغرية والتواصل الثقافي في الأندلس»، والأستاذة ماريا أركاس كامبوي(Maria Arcas Campoy) بعنوان «الأدب الفقهي الأندلسي، رؤية آنية مع منظور مستقبلي»، والأستاذة نعيمة مني: «أدب المحاضرات في الأندلس».
البداية كانت مع الأستاذة فاطمة طحطح التي تجلت أهمية مساهمتها في الأهمية التي تكتسيها الثقافة الشعبية كرافد مهم في إغناء مجالنا الثقافي والإجتماعي، فجاءت مساهمتها عن القصائد الشعبية الثغرية بالأندلس المعروفة ب: Romances Fronterizos منصبة على على المحاور التالية:
أولا: التعريف بالقصائد الشعبية الثغرية، وأهميتها من خلال مضمونها وقيمها الفنية والرمزية.
ثانيا: مظاهر التفاعل بين هذه القصائد والشعر الزجلي العربي بالأندلس والمغرب.
أ?- - من خلال عرض آراء الباحثين المتخصصين.
ب?- من خلال مقارنة بين قصيدة الكفيف الزرهوني وقصيدة ألفونسو XI Poema de Alfonso.
ج?- تقديم خلاصات عامة.
كان انطلاق الحديث بالإشارة إلى أن المجتمع الأندلسي شكل، كما هو معروف، نموذجا فريدا لتعدد العناصر والأعراق والثقافات، عرب وبربر وصقالبة ومستعربون، يهود ومسيحيون ومسلمون ومدجنون فيما بعد، كلها أجناس تعايشت، وثقافات تفاعلت فيما بينها وامتزجت إلى درجة يصعب فصل الخيوط وإرجاع الروافد الثقافية إلى أصولها الأحادية، لدقة التقاطعات البشرية والمكانية والنصية، ويعتبر الشعر الشعبي الثغري في الأندلس هو الخلاصة الفنية والرمزية لهذا المزيج المركب في المجتمع الأندلسي.
المساهمة العلمية الثانية كانت للأستاذة ماريا أركاس وهي مستعربة من جامعة لا لغونا، لها تحقيق كتاب «الواضحة» لعبد الملك بن حبيب. وقد كانت مساهمتها تحت عنوان: «الأدب الفقهي الأندلسي، رؤية آنية مع منظور مستقبلي»، ذكرت فيها أن كتب الفقه الإسلامي يمكن أن تدرس كجنس أدبي انطلاقا من تبني مفهوم عام للأب العربي بشكل عام، والأدب الأندلسي بشكل خاص. وأن هذه الكتب تشكل موضوعا جد مهم للدراسة لسببين:
1- انطلاقا من المعرفة الخالصة التي يقدمها محتواها؛ أي المادة القانونية المعالجة.
2- لأنها منبع ثر للمعرفة، نستطيع منه تجميع معلومات ضرورية كفيلة بتقديم إضاءات تاريخية واجتماعية لمختلف المظاهر التي عرف بها العالم الإسلامي في كليته، والأندلس بشكل أخص. ثم تحدثت بعد ذلك عن الكتب الفقهية الأندلسية، وقالت إن ما وصلنا منها متميز وكثير ومتنوع، ومن واجبنا كباحثين أن نقدر ما تقدمه لنا في ميادين علمية مختلفة. كما ذكرت الأستاذة ماريا أركاس اهتمام المستعربين الإسبان بهذا الحقل من المعرفة، ومنهم على الخصوص خوليان روبيرا ولوبيز أورتيز إضافة إلى خاسنتو فيلا. وقامت الأستاذة بعد ذلك بتقسيم كتب الفقه الأندلسية من نوازل وشروط وفقه مقارن وكتب الفتاوى، كلها تقدم تصورا عن مجالات الحياة في الأندلس، الدينية أولا، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية ثانيا، مدللة على ذلك باستشهادات من كتب فقهية أندلسية مختلفة.
المساهمة العلمية الثالثة كانت للأستاذة نعيمة مني تحت عنوان: «أدب المحاضرات في الأندلس» ذكرت فيه أن المكتبة العربية تزخر بنوع من المؤلفات، تختلف في أسمائها وطريقة عرضها وتبويبها، ولكنها تكاد تتفق في موضوعها العام، ويطلق عليها اسم «المحاضرات»، وهي مؤلفات جامعة تتسم بسمة الشمولية والموسوعية في المعارف، وتزخر بالعديد من العلوم والفنون والآداب والمعارف.
وقد عرف هذا النوع من التأليف في المشرق، كما انتشر في الأندلس؛ حيث يعد كتاب ابن عبد ربه « العقد الفريد» أول كتاب في هذا الباب، لم يغادر فيه شيئا مما يهم الباحث في «علم العرب» إلا عرض له، وهو يمثل الامتداد الطبيعي للثقافة العربية. كما ذكرت الأستاذة أن هناك تآليف أخرى مثل «بهجة المجالس» لابن عبد البر القرطبي، و»حدائق الأزاهر» لابن عاصم. وقد اختارت الأستاذة المتدخلة كتابي «العقد الفريد» و»حدائق الأزاهر» نموذجين للتمثيل للثقافة الأندلسية في تفاعلها وامتدادها مع الثقافة المشرقية، مبرزة الخصوصية الأندلسية في هذه الكتب، المنبنية أساسا على ظروف الزمان، وإكراهات الجغرافيا البعيدة عن المشرق، وهما عاملان تحكما في وعي الكتابة، وحس التجميع والتركيب.
مساهمات صباح يوم السبت 07 فبراير تركزت على محور جد مهم عنوانه: «مقاربات وتصورات جديدة عن الأندلس»، ساهم في إثرائه الأستاذة ماربياس اكيلار (Maravillas aguillar) من جامعة لا لغونا والأستاذ أليكس إلينسون (Alex Elinson) من جامعة مدينة نيويورك، والأستاذة نادية العشيري من جامعة المولى إسماعيل بمكناس.
المساهمة الأولى حملت عنوان:»مقاربة وتقييم للنصوص العربية حول التوقيت في سياق الأدب العلمي في العصر الوسيط»، تعرضت من خلالها المستعربة الإسبانية إلى اهتمام الفلكيين المسلمين بقضايا لم تكن تهم الأوروبيين في العصر الوسيط، وكان من بينها علم التوقيت لأهميته في الصلوات التي تعد كتابا موقوتا على المؤمنين، كما تظهر أهميتها في تنظيم الحياة اليومية للمسلمين، وقد كان في الفكر العلمي الإسلامي عامة والأندلسي خاصة سعي حثيث نحو تطوير النظريات العلمية لفهم الكون، وتيسير سبل العيش، وقد ظهرت عدة آلات فلكية عبر العصور كالأسطرلاب والصفيحة الزرقالية والربع المجيب.
انتقلت الكلمة بعد ذلك إلى الأستاذ أليكس إلينسون الذي فضل الحديث عن جنس أدبي متميز في الثقافة العربية وهو المقامة، وكان عنوان مساهمته: « أسواق على الهوامش والتبادل الأدبي في مقامة العيد لابن مرابع الأزدي» الذي توفيَ سنة 750، والذي كان أديبا قادرا على الكتابة بمستوى عالٍ ولكنه اختار أسلوبا أدنى لأسباب شخصية وجمالية وأدبية، كتابة فيها تقاطع بين الثقافة العالية العالمة والثقافة الدنيا الشعبية، فكانت النتيجة هي مقامةٌ ذات جوانب تقليدية وجديدة في محاكاة ساخرة (parodie). وقد ركز الأستاذ حديثه على جانبين:1- تفاعل المستوى اللغوي العالم والعامّي، ودور هذا التفاعل في خلق قيم جمالية وذوقية، ومستويات تعبير متناقضة أحيانا. 2- الدور الغامض لزوجة الراوي، وكيف سيطر ت على سياق ومغزى المقامة، بشكل جعلنا نضحك من الراوي ومشاكله، ونضحك كذلك من أنفسنا، كما يقول الأستاذ إلينسون، فكلنا عشنا نوعا من هذه التجارب في وقت عيد ما. كما رصد المتدخل أهمية السخرية في المقامة، وكيف أنها تلعب دورا ناقدا في النص.
المساهمة الأخيرة كانت للأستاذة نادية العشيري: «مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل النصوص الأدبية الأندلسية» توخت من خلالها تحليل نص « طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي؛ للكشف عن أصناف النساء الأندلسيات، والأدوار التي كن يضطلعن بها، و طبيعة العلاقات التي كانت تربطهن بالرجال آنذاك. تتوخى من ذلك الكشف عن مواقف ابن حزم من المرأة مع تفسيرها. وقد توسلت الأستاذة في التحليل بمنهج كريماس في تقسيم المعجم المتعلق بالمرأة إلى أسماء وأفعال ونعوت وأحوال، مما جعلها تستخلص قدرا كبيرا من المعلومات التي يمكن استغلالها لاحقا في عدة حقول معرفية: علم اللغة، التاريخ، علم الاجتماع، التحليل النفسي.
تخللت هذه المداخلات مناقشات علمية رصينة بين الأساتذة المشاركين، أثراها العالمان الجليلان فيديريكو كوريينتي ومحمد بنشريفة. كما قدم الأستاذ أحمد بوغلا منسق ومقرر مجموعة البحث خلاصات عن هذا اللقاء كانت من أهمها:
1- أنه جمع نخبة من الباحثين المتميزين، عرفوا بأبحاثهم المتميزة في الأدب الأندلسي؛ باحثين من إسبانيا والولايات المتحدة والمغرب، ومن شأن هذا التعدد والاختلاف الحضاري أن يغني حوارنا ونقاشنا اليوم وغدا حول الأندلس التي شكلت لب التعدد والاختلاف والتعايش. كما أن هذا اللقاء يكرس مقولة التفاعل والتواصل الحضاري التي تسعى مجموعة البحث»الأدب الأندلسي في اتجاهاته وتجاربه الإنسانية الكبرى» إلى تكريسها في مختلف اللقاءات والتوجهات العلمية.
3- أهمية محاور هذا اللقاء التي كرست، من جهة، مشروع انفتاح الأدب على حقول معرفية أخرى كالفلك والفقه والدراسات النسائية، وجمعت في محاورها، من جهة أخرى، بين الثقافتين العالمة والشعبية، ملتفتة إلى هذه الأخيرة، وإلى ضرورة مراجعة الموقف منها، بالنظر إلى ما تحمله من قيم إنسانية، وباعتبارها رافدا مهما من روافد الأدب الأندلسي، وذاك ما يدفعنا إلى ضرورة إعادة التفكير في هذا الأدب، وتجديد آليات البحث فيه، ولم لا تشييد تصورات جديدة عنه تتجاوز ما قيل، وتكتب تاريخا جديدا له.
وقد ختمت رئيسة مجموعة البحث الأستاذة فاطمة طحطح هذا اللقاء المتميز، معتبرة إياه حلقة علمية أخرى من حلقات عمل مجموعة البحث. وجددت شكرها للأساتذة المشاركين، ولكلية الآداب بالرباط، ولمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء على حفاوة استقبالها للأساتذة المشاركين.
إعداد: أحمد بوغلا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.